الرأي

من متطلبات جيل العصر تغيير الحراك الكوردي، فأين هو؟

لم يعد يهمنا أي أطراف الحركة الكوردية ستنتصر في الصراعات الداخلية، ولا عودة الحوارات، بقدر ما يهمنا مصير الأمة، وواقع الشعب المعاش. يهمنا ما يجري في الأسواق، والأخبار الواردة من الشارع الكوردي، ومصير العائلات المعانية، ودور تجار الحروب، وسماسرة النهب والفساد، والوضع المعيشي-الاقتصادي والديمغرافي الكارثي، وما يمكن أن تقدمه القلة من الأثرياء الوطنيين الذين يحاولون خدمة الوطن والشعب، حتى ولو كانت من منطق الأرباح، كالرأسماليين الذين خدموا أوطانهم.

يهمنا معرفة مدى قدرة الحراك الكوردي، اللحاق بتطور الأحداث، وما يجب عليه أن يكون، والتغيير هنا لا يعني إسقاطه وخلق فراغ سياسي، بل إعادة تكوين القابل لحمل القضية على مستويات المرحلة.

يهمنا ما يجري على طرفي معبر سيمالكا، حيث الفساد المستشري، مقابل الفوائد الجليلة التي قدمت ببنائها، لشعبنا من روج أفا بشكل خاص. يهمنا البيروقراطية الموروثة من الأنظمة السابقة، وسويات المسؤولين الذين تم تعيينهم على طرفيه. يهمنا، لماذا لا يحاسبون على تجاوزاتهم الكارثية، ولا يتم معالجة معاناة المارين، وإزالة الحجج المستخدمة لتعذيبهم.

يهمنا لماذا أصبح سيمالكا يسمى بجسر المعاناة، معبر العذاب والتعذيب، وتعميق الهجرة، وجسر اللا عودة، وغيرها من التسميات المؤلمة.

لم يعد يهمنا الصراع الحزبي المبني على الجهالة، ومن سيستلم السلطة، ومن سيقنع المجتمع بوطنيته، يهمنا مدى وعي الأجيال الكوردية الشابة، والتي فتحت لها أبواب المعارف الحضارية، والمفاهيم الديمقراطية، وواقع المخيمات، واحتمالات العودة إلى الوطن، ونحن هنا لا نتحدث عن المغتربين الذين استقروا في الدول الديمقراطية حيث الرخاء والعيش الكريم مقارنة بالوطن المسلوب، والتي عودتهم دخلت في حكم شبه المستحيل، والأسباب عديدة معروفة، ابتليت بها شعوب ومجتمعات على مر التاريخ، بل عن واقع المخيمات في المنطقتين الكورديتين.

يهمنا أن تدرك الأجيال المأمولة منها، عمق الضحالة التي تعيشه قسم واسع من حراكنا، ليس تهجما، أو انتقاصا لهم، بل كيف تجاوزهم الزمن، والمكتسبات، والواقع الدولي، وأساليبهم ومطالبهم التي أصبحت من الماضي، وليس فقط لم تعد تنفع، بل تضر، وتقف كسدود بين الوعي والجمود، بين الماضي الذي لم يخلف سوى الفشل وراء الفشل، وحاضر يعاني الويلات، وقادم بدونهم، إذا تم التحضير له من قبل الجيل الشاب الواعي بالشكل المناسب، لأصبح مبهرا. وللعلم، ليس حراكنا ولا الرعيل الأول، أفشلوا محاولات المحتلين طمس القضية، بل الشعب هو الذي صمد أمام تحريفات التاريخ وحافظ على القضية حية، فكثيرا ما يكون الصمود بالصمت والصبر وتحمل المآسي أعظم من المواجهات السياسية والحزبية الساذجة.

أثبتت تجارب التاريخ أن تطبيق النظريات السياسية والإيديولوجيات لن تنجح بالقوة، مثلما فشلت حركات التحرر التي حاولت نسخ الماضي. وأمتنا ليست باستثناء، فمحاولات فرض مفاهيمهم، إن كانت طوباوية أو أممية، أو منهجيات ناسخة لدروب الأجداد دون تطوير، خلفت الكوارث، ووسعت شرخ الخلافات بين أطراف الحراك والمجتمع.

لا يهمنا خبرة العقود من العمل الحزبي، فهي نسخ تجاوزها الزمن، بل يهمنا تحليلها، وتوضيح الواقع السياسي والعلاقات الدولية، والظروف التي تمر بها كوردستان، للأجيال الشابة، الحاضرة والقادمة، لئلا يسقطوا في مستنقع الأخطاء ذاته، ويغرقوا في صراع الذين خلفوا الفشل، ودراسة تجارب الرعيل الأول. والحذر من التبعية العشوائية للحاضر، أو قبول إملاءات الذين يعيشون الرعب من أن القضية ستضيع، والشعب في ذوبان، دون أن يدركوا على أن القضية والشعب بلغا مرحلة لا يمكن لأية قوة تجاوزهما.

إشكالية حراكنا والرعيل الحالي المهيمن، في كلاسيكية أساليبهم، وقلة إمكانياتهم، وعدم قدرتهم على تطوير الذات والتلاؤم مع التغيرات الجارية، وما بلغته القضية، ومدارك الشعب من الوعي، فما يتبين من مجريات الأحداث إنهم يراكمون من الأخطاء، ويعمقون من تعقيد القضية.

أسئلة عديدة تحثنا على طرحها، ولربما بعضها أصبحت حلقات حوارات بين المجتمع، تدفعنا أحيانا إلى الدهشة على أسباب عدم وجود أجوبة لها، فهل هي نتيجة البون الفكري المتناقض بين أطراف الحراك، أم الدروب المتضاربة بين الأجيال المهيمنة والعصرية؟ أم هناك عوامل خارج عن الإدراك؟ منها:

1- لماذا لا يتمكن الجيل الشاب من قيادة الحراك بشقيه، وفرض ذاته، فكما نعلم؛ من شبه المستحيل أن تتخلى الأجيال التي عاشت الصراع مع الأنظمة، وسايرت تطورات الحراك أن تتخلى من ذاتها للجيل الذي لا يتمكن من فرض ذاته؟

2- لماذا لا يملك الجيل الجديد القدرة على القيادة، والتحرر من إملاءات الرعيل السابق، والذي لا يزال يقود الحراك الكوردي بالأساليب القديمة؟

3- لماذا لا يزال يستخدم نفس منهجية الصراع الداخلي، ناسخاً الرعيل الأول وماضيه، رغم رؤيته لما آل إليه واقع الشعب والقضية، وحيث الفشل وراء الفشل؟

4- لماذا يستخدم منهجية الحراك المتأثر بأساليب الأنظمة الشمولية، حيث التخوين والاتهامات العشوائية، رغم ما يحيط به من الأبعاد الحضارية؟

5- هل ينتبه الحراك الكوردي الشباب، إلى أوجه التشابه بين الأطراف الكوردية المتصارعة، من حيث الفشل وعدم القدرة على اللحاق بتطورات الأحداث، وتوسيع الشرخ بين المجتمع كل بطريقته؟

6- هل الرعيل المهيمن على حراكنا بإمكانه أن يقدم للقضية أكثر مما هو موجود، والذي جله تم الحصول عليه على خلفية مصالح الدول الكبرى؟

7- هل الجيل الشاب قادرة على مجاراة التطورات السياسية والدبلوماسية الجارية في منطقتنا، وهل هي على دراية كافية للتعامل مع الظروف الفارضة ذاتها، أم أنها لا تزال أسيرة مفاهيم الأجيال السابقة؟

8- هل بإمكانهما، القديم والجديد، التحرر من الإملاءات الخارجية، وخاصة من القوى الإقليمية، لتحقيق الهدف والغاية؟

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق