الرأي

الوطنية الاحتكارية و المجتمعية الديمقراطية والمقاربة العلمية وليس الأيدولوجية لهما

بقلم: أحمد شيخو

تحيا الطبيعة الاجتماعية للشرق الأوسط وللمنطقة عامة تناقضاً صارخاً فحاضره واهنٌ وهشٌ وتابع وتاريخه عظيم وعملاق مارد. فحاضر المنطقة وكأنه فخ منصوب أمام تاريخه الجليل. وكل ما هو موجود من قيم إنسانية ومجتمعية و تاريخية وتقاليد ديمقراطية وثقافة مشتركة وتراكم حضاري، يتم شل تأثيره بإيقاعه في هذا الفخ. ولفتح الطريق أمام التاريخ العريق للمنطقة للتدفق وفق الزمان والحاضر والعلم المعاصر، سيتوجب تجاوز حالة فخ الحاضر المنصوب و المتجسد في ذهنية الاستشراق والتبعية و القوموية و الدولة القومية أداة الاعتداء والتدخل الخارجي السافر و المقسمة للمنطقة والمضعفة لوحدتها الكلية و لتكاملها المحافظ على تنوعها وتعددها واختلاف ألوانها وألسنتها وخصوصياتها.

المعنى الأساسي للحاضر هو قابليته لحل القضايا والمشاكل. فبقدر ما راكم التاريخ من قضايا، فإنه يحشدها جميعا أمام الحاضر والآن. أما الحاضر، فبينما يصطفي ما يستطيع حله من بين كومة القضايا تلك، محولا إياها إلى حياة خالية من القضايا؛ فإنه يحيل ما تبقى إلى الحاضر اللاحق.

يمكننا القول أن حل القضايا مرتبط بتعاريفها الصحيحة والقراءة العلمية الدقيقة لها. فهناك ضرورة للتطرق مراراً إلى الصلة بين الآن والتاريخ، و كما يكون التحليل المصاغ بنحو منقطع عن التاريخ بشأن الواقع الملموس أو الحاضر المعاش منفتحاً على الأخطاء، فتحليلات التاريخ التي لم تصبح حاضراً منفتحة أيضاً على الأخطاء بالمثل.

يجدر بنا التذكير ببعض المبادئ الأساسية التي علينا الانتباه لها في هذا المجال:

1_ قوة ومهارة الزمان وقدرته في الإنشاء والبناء ضمن الواقع الاجتماعي، وإدراك حالة فترة الحياة الاجتماعية المحدودة بالزمان، وهي القضية الأولية الواجب تجاوزها بالضرورة من قبل السوسيولوجيا ، ولا يمكن استوعاب الحالة الحاضرة للحقيقة بمنوال تام من دون التاريخ. و يبقى الزمان هو بعد إنشاء الحقيقة في كل زمان. ولا يمكن التفكير بحقيقة بلا زمان، حتى لو وجدت. وربما شكلت السر المسمى بالمطلق الذي ينافيه العلمية الحقة.

2_إن أكبر نقص وإجحاف وربما تشويه في الفلسفة التحليلية، هو قيامها بالتحليل وكأن علم اجتماع بلا تاريخ أمر ممكن. مقابل ذلك، فالمنهج المسمى باللاتاريخية، ورأيه الحتمي المتطرف الذي لا يعي الحاضر ويعتبر جميع المستجدات على أنها محض واحديات تاريخية منفردة؛ لا يمكنه فهم التحديث وإمكانية التطور الحر اللذين يهبهما الحاضر.

لا يمكن لإرادة الإنسان إلا أن تتدخل في الحاضر. بناء عليه، كلما كان التاريخ حاضراً، كلما أمكن التدخل فيه. من هنا، ومن دون فهم قيمة اللحظة الإبداعية الخارقة للحاضر، يستحيل تحقيق أي إنشاء اجتماعي خاص. لا الكينونة المسيرة اللاإرادية المؤتمرة بالتاريخ، ولا كينونة الحاضر اللامبالية والمنقطعة عن التاريخ، بمقدورهما أن تكونا تعبيرا مبدئياً عن الحقيقة الاجتماعية والحياة. فبقدر ما أن قول “دعك من الماضي” خاطئ وحالة لامبالاة، فقول “انظر إلى المستقبل” أيضا خطأ ولامبالاة بالمثل.

من المهم أن نتوقف على الأسلوب، لدى معالجة القضايا الوطنية. فإبراز الظاهرة الوطنية إلى المقدمة تصاعدياً، مرتبط بلا شك عن كثب بتصاعد الحداثة الرأسمالية أي حداثة النظام العالمي المهيمن الحالي، فهي أي الوطنية ظاهرة استراتيجية يتوجب إبرازها للأمام في نشوء احتكارات الأيديولوجيا والسلطة ورأس المال والهيمنة وضرورة تفعيل أداة الدولة القومية. وبسطها بعد المغالاة فيها، هو من ضرورات هذه الاستراتيجية.

ينبغي التحدث عن مقاربتين ناقصتين وخاطئتين أوليتين في تناول و تحليل الظاهرة الوطنية:

1_ المقاربة الوضعية(POSTIVISM) المستندة إلى التمييز التام بين الذات(SUBJECT) والموضوع(OBJECT) كما في فلسفة ديكارت وغيرها. خطأها الأساسي يكمن هنا في اعتبارها الظاهرة الوطنية ذات ماهية موضوعانية، تماما مثلما الظواهر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، و تهمل هذه المقاربة الذاتانية والمرونة اللتين في الطبيعة الاجتماعية بكل تأكيد.

وبلوغ القضايا الوطنية إلى حد الإبادات العرقية والتغيير الديموغرافي، على صلة قريبة جداً مع مفهوم الهوية الوطنية الجازمة والصارمة جداً والمتصلبة والمنغلقة الأطراف. و كما أن تشييء الطبيعة والمجتمع على السواء، يعد السياق الأيديولوجي الأهم في نماء الرأسمالية وهيمنتها وفتح الباب للاعتداء على الطبيعة والمجتمع بغرض خدمة السلطات وأصحابها وتحقيق الربح الأعظمي .

ينبغي الإدراك بأهمية بالغة أن أول ثورة كبرى لحداثة النظام العالمي المهيمن الرأسمالية هي الثورة الفلسفية– الأيديولوجية المعتمدة على هذا التمييز بين الذات والموضوع في الميدان الذهني والفكري. والوطنية التي هي إحدى المصطلحات التي أبرزتها الثورة الأيديولوجية للحداثة إلى المقدمة، ليست مصطلحاً مختاراً عن عبث. فهذا المصطلح هو المبدأ الأساسي للثيولوجيا الرأسمالية. إذ ستغدو الوطنية وكذلك الدولة القومية التي ستصعد أكثر، أهم مصطلح إلهي، بل ستصبح الإله نفسه على وجه الأرض. أي أن النزعة القومية والدولة القومية ستحتلان مكانتهما في قمة الثيولوجيا الوضعية كأعظم إله. بينما آلهة الحداثة الأخرى ستتخذ أماكنها بالتناسب طردا مع أهميتها ومدى مساهماتها المقدمة إلى النظام. وبمبالغة الثيولوجيا الوضعية بشأن ظاهرة الأمة والدولة القومية عن طريق العلموية، وبإقامتها إياها بدل ظاهرة الأمة الدينية؛ ستحل القضايا والاشتباكات الوطنية والقومية هذه المرة محل القضايا والصدامات الدينية والمذهبية؛ بل ومفسحة بذلك الطريق أمام سياق مليء بالحروب والإبادات الأكثر دموية. من هنا، يجب الاستيعاب على أفضل شكل بأن الوضعية هي الأيديولوجية المقدسة للرأسمالية ونظم الهيمنة والنهب.

2_ الذاتانية، الإفراط في المعنى. تسعى هذه المقاربة إلى عرض العديد من الظواهر البارزة للعيان في عهد الحداثة، وعلى رأسها الظواهر الوطنية والقومية، بأنها ابتكارات وهمية خيالية. وتطور مفهوما تفسيريا يقول بأنها من اختراع التقاليد. بطبيعة الحال، فالظواهر الاجتماعية ملائمة للإنشاء ولأن تكون ظواهراً مخترعة، نظراً لاتسامها بطابع الطبيعة الثانية. ولكن الانطلاق من صفة الملاءمة هذه في التشكيك بالقيمة الوجودية للظواهر الاجتماعية، واختزالها إلى ألاعيب ذهنية خالصة؛ إنما يفضي إلى نتائج خاطئة ومهيبة بقدر الموقف الموضوعاني بأقل تقدير. فالظواهر في هذه الحالة تعتبر محض مصطلحات خيالية تذهب أدراج الرياح وليس لها حضور ملحوظ، عوضا عن النظر إليها كقيم شيئانية قطعية وصارمة متصلبة. وبهذا الانحراف الثاني الجاد الفاصل بين الحقيقة والواقع، لا يمكن بلوغ نتائج علمية. ذلك أن الذاتانية هي الشكل الجديد لأيديولوجية الحداثة التي فقدت ثقتها بنفسها، والذي تقمصته في عهد ما وراء الحداثة المتأخر.

أي أنها التعبير عن الموضوعانية الشيئانية في عهد ما وراء الحداثة. وفي المحصلة، فرؤية القضايا الاجتماعية على أنها قضايا خيالية، والعمل على حلها بجلسات المعالجة اليومية (بالأساليب النفسية)، إنما يشير إلى المرحلة التي بلغتها هذه المقاربة. علما أن الحياة نفسها تبرهن يوميا مدى فشلها.

من العسير جدا فهم وحل القضايا الاجتماعية الناجمة عن حداثة النظام العالمي المهيمن الرأسمالية، دون فهم منهجية عهدها الظواهري والبنيوي حتى الأعماق. فالقضية الحرجة في منهجيتها تكمن في العلاقة بين الظاهرة والإدراك. ذلك أن مواقف التماثل والتباين إشكالية للغاية فيما بينهما. وهذا وضع معني بجوهر النظام. فالنظام ينشئ فلسفته بأكملها على التماثل والتباين اللذين بين الظاهرة والإدراك، بحيث أن التغلب على ذلك أو تحمله غير ممكن. لذا، ففلسفة النظام بكل مدارسها عقيمة وبلا حل فيما بينها.

يذهب التفسير الموفق نحو البحث عن الحل خارج إطار التماثل والتباين. فالظاهرة والإدراك معنيان بالثنائيات الموجودة في أساس الكون. فالقرائن الكونية من قبيل المادة– الطاقة، البنية– الوظيفة، والجسيم– الموجة تسري على الظاهرة والإدراك أيضا، فهذه الثنائية تعبر عن الشكل الذي تتخذه لذاتها فيما بين روح الإنسان وجسده، وبين الكون وذهنه. فإدراك الذهن للكون تماما، قد يفضي إلى مصطلح المعرفة المطلقة. وتعاليم المعرفة المطلقة (هيغل) من قبيل الفناء في سبيل الله والنيرفانا وأنا الحق، إنما تحمل هذا الهدف بين طواياها. ويلوح أن هذه نتيجة قريبة من المستحيل. أما إظهار الإدراك والظاهرة على أنهما مختلفان تماما، فيشير إلى انقطاع الأواصر بين الذهن والواقع، وخروجها عن الحقيقة. وهذا ما يشمل المتخلفين عقليا بشكل عام. إنها عقلية نصيبها من الحقيقة قليل للغاية، وقيمتها في الإنشاء وبنيويتها متدنيتان.

تزول ثنائية الوعي– الظاهرة من الوسط في حالة المعرفة المطلقة، وهذا ما مفاده زوال الحدث (النشوء). أما انفصال الإدراك والظاهرة عن بعضهما كليا، فيفيد بالاغتراب التام. تنشأ المعرفة الفلسفية من صلب ومنطق معرفة الوجود الكائن بين هذين القطبين. وعدم الوقوع في وضع الترنح بين هذين الطرفين، بل والأهم هو أن تقصي الحقيقة دون الانزلاق نحوهما؛ إنما يعبر عن الحكمة والوقفة الفلسفية. وهذا هو السلوك الصائب.

ولو رجعنا للقضية الوطنية، فبهذه القراءة والرؤية الفلسفي المقتضبة، سنستوعب بشكل أفضل صلة هذه القضية مع طابع الهيمنة لذهنية حداثة النظام العالمي الرأسمالية خلال القرنين الأخيرين. فالأمة لم توجد من عدم وبمنوال خيالي. ولكن، لا يمكن إنكار أنها أشبه بقماش صناعي ألبست به الطبيعة الاجتماعية كثمرة للمبالغة الكبرى. بالمقدور جعل المجتمع الوطني المقام محل القوم الديني موضوع بحث في علم الاجتماع، بشرط عدم الانزلاق إلى كلا القطبين. وإدراج مصطلح “المجتمع الوطني” ضمن نطاق علم الاجتماع، يقتضي تجاوز حداثة النظام العالمي المهيمن الرأسمالية. فمن دون تخطيها، لن يتعدى المجتمع الوطني في معناه كونه ستاراً حاجباً لاحتكارات القمع والاستغلال والهيمنة والنهب.

وبغية تجاوز البنية الإشكالية للمصطلح المذكور في براديغما(رؤية) العصرانية الديمقراطية، فقد صيغت تسمية الأمة الديمقراطية كمصطلح مقابل له. المجتمع الوطني المنقى من كلا المفهومين المتطرفين، والمنقذ من استغلال الحداثة الرأسمالية، غير ممكن إلا بكونه أمة ديمقراطية. فالإنشاءات الاجتماعية المندرجة في إطار عناصر العصرانية الديمقراطية، لا تتخذ المعايير الوطنية أساساً. ومثلما ذكر آنفاً، لا يتم الاعتراف بدور رئيسي للمصالح الوطنية في العصرانية الديمقراطية. بل يتم التشديد بالأكثر على الطابع الأخلاقي والسياسي للمجتمع. من هنا، فالثنائية الاصطلاحية الأنسب من أجل عمليات إعادة الهيكلة، هي التشاركية أو المجتمعية الديمقراطية بدلا من الدولة القومية الأحادية.

بقدر ما يكون التشديد المفرط على الوطنية في مسألة الأمة سلبياً داخل الشرق الأوسط والمنطقة عامةً، فإن غض النظر عن جانب الأمة في المجتمعية الديمقراطية أيضاً يزيد من وطأة القضية بالمثل. وأيا كانت قضية الأمة المتناولة، فبعد الاحتراس من كلا الخطأين من حيث الأسلوب، يعد إبراز المقاربتين الإيجابيتين إلى الأمام أيضا الجانب المهم الآخر من الأسلوب. إنهما مقاربتين علميتان، وليستا أيديولوجيتين. وهما لا تهدفان إلى سلطة الدولتية القومية، بل تدلان على مقاربة الأمة الديمقراطية و المجتمعية الديمقراطية التشاركية. ويتجسد مضمون كتلا المقاربتين في كونهما تمثلان العناصر الأساسية للعصرانية الديمقراطية.

من الملاحظ أن النزوع نحو القوموية والدولة القومية، والذي أوقظ وأجج بين صفوف مجتمعات الشرق الأوسط والمنطقة في غضون القرنين الأخيرين، لم يؤد إلى حل القضايا الوطنية كما يزعم، بل بالعكس، يؤول إلى تفاقمها بشكل كبير والتحافها جميع الأنسجة الاجتماعية. فرأس المال والسلطوية يفرضان حروب الدولتية القومية التدميرية بدلاً من التنافس الإيجابي البناء. وما وضع الحرب المعاش في البنى الداخلية للمجتمعات وفي علاقاتها الخارجية وفي دول المنطقة وأحوالها من تركيا وإيران وكردستان وأفغانستان ووصولاً للدول العربية والأفريقية و العيد من المناطق في العالم، سوى باعثاً أولياً على وضع القضية والأزمة والفوضى. ولن يكون صعباً تشخيص هذه الحقيقة، بمجرد رصد التجارب المخاضة في كافة القضايا الوطنية للمنطقة.

إن العصرانية الديمقراطية بمصطلحها في الأمة الديمقراطية غير الهادفة إلى الدولة القومية أو إلى احتكار السلطة، وبنظريتها في التشاركية المجتمعية الديمقراطية البديلة للرأسمالية ولأدواتها الدولتية القومية والوطنية المنغلقة ؛ إنما تقدم نموذجاً مثالياً سيخرج المنطقة من كونها ميداناً للحروب الدموية والمجازر و الإبادات العرقية والتغيرات الديموغرافية والأزمة الدائمة والفوضى العارمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق