الرأي

التدخلات التركية والإيرانية في المنطقة وضرورة تنسيق الجهود العربية والكردية لردعها

بقلم: أحمد شيخو
تزايدت في السنوات الأخيرة التحديات التي تواجهها المنطقة في المجالات العديدة التي تجسد حالة الأزمة المعاشة في المنطقة والعالم نتيجة القضايا البنيوية في النظام العالمي والإقليمي و العلاقة الجدلية الغير مستقرة بين السلطات والمجتمعات في أغلب البلدان و عدم إمكانية الاستمرار بنفس الذهنيات والسلوكيات والتحالفات السابقة.
ومن أبرز التحديات وربما أخطرها تزايد التدخلات الخارجية والإقليمية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وشعوبها ومحاولاتهم المستمرة لفرض وتطبيق استراتيجياتهم إن عبر وكلائهم أو عبر تدخلاتهم المباشرة، بغض النظر عن مصالح وثقافة وإرادة مجتمعات و شعوب ودول المنطقة.
لقد أدركت الكثير من الشعوب والدول العربية خطورة التدخلات التركية والإيرانية في شؤون المنطقة والدول العربية مع قيام تركيا باحتلال أجزاء من شمالي سوريا وشمالي العراق وغرب ليبيا وزيادة تأثيرها ونفوذها وتمكين أدواتها ودعمها من حركات الأخوان وبعض التيارات الليبرالية المتحالفة معها في مجمل الدول العربية في البرلمانات والحكومات والقطاعات الرئيسية مثل الاقتصاد والتعليم والمساعدات والإستشارات العينية. وكما مع زيادة النفوذ والتواجد الإيراني المباشر أو عبر اذرعها العسكرية والحزبية في عدة دول عربية على رأسها العراق وسوريا واليمن ولبنان وغيرها.

تم في 9 سبتمبر(أيلول) 2021م إجتماع تشاوري لوزراء خارجية العرب لمناقشة التحديات المختلفة المحيطة بالعالم العربي وكانت من بين أهم التحديات التدخلات التركية والإيرانية في الشؤون العربية ولقد عقدت اللجنة الوزارية العربية المعنية بمتابعة التدخلات التركية في شؤون الدول العربية برئاسة مصر وعضوية كل من الإمارات والبحرين والسعودية اجتماعاتها مؤكدة على :
1_رفض الوجود العسكري و ضرورة سحب تركيا لقواتها وبدون شرط أو قيد وفوراً من الدول العربية
2_إدانة الإنتهاكات المتكررة لتركيا لقرارات مجلس الأمن الخاصة بتدخلها في الدول العربية.
3_ اتخاذ كافة التدابير التي من شأنها التصدي لعمليات رعاية وتجنيد وتدريب ونقل المقاتلين الأجانب والمرتزقة لداخل حدود البلدان العربية.
4_المطالبة باحترام تركيا للحقوق المائية لكل من العراق وسوريا، ووقف كافة الانتهاكات التي تقوم بها من إقامة السدود على منابع نهري دجلة والفرات، مما أثر سلباً على الحصص المائية للدولتين، فضلًا عما تتسبب فيه تلك الانتهاكات من أضرار بيئية واقتصادية جسيمة على كلا الدولتين.
وما ذكر من تأكيدات اللجنة بخصوص تركيا نستطيع القول انها تنطبق بالمثل على التدخلات الإيرانية المستفحلة بشكل وكأن الإيراني والتركي في سباق وتنافس وربما تناغم للتدخل في شؤون الدول وشعوب المنطقة .
وبدون أدنى شك يدرك ويشاطر الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة بعد أن تم تقسيم الكرد كما تم تقسيم العرب، المعاناة والضرر مع الشعب العربي من التدخلات التركية والإيرانية ويدركها أكثر من الحميع، كون الشعب الكردي وأرضه محتلة من قبل تركيا وإيران ويتواجد أكبر قسمين من أقسام كردستان في تركيا وإيران وحالياً يتواجد حوالي 25_30 مليون كردي في تركيا وحوالي 17 مليون كردي في إيران بدون أية حقوق طبيعية كباقي شعوب المنطقة وهم في نضال إجتماعي ومدني سياسي وعسكري مسلح للدفاع عن وجودهم ضد حملات الإبادة والإنكار كحق للدفاع عن النفس والوجود وحتى أنهم أي تركيا وإيران يشكلون العائق الأساسي في حصول الكرد في سوريا والعراق على حقوقهم كونهم يرون أن هذا سيجبرهم ايضاً للإعتراف بحقوق الشعب الكردي عندهم وهم لايريدون ذلك بل يريدون دوام إحتلالهم وإنكارهم لكرد والعمليات العسكرية التركية اليومية المستمرة من عفرين وشهباء حتى شنكال ومخمور وصولاً لبنجوين وأسوس على الحدود العراقية الإيرانية ماراً بتل تمر وعين عيسى في شرق سورياوصولاً لزاب وآفاشين ومتينا في باشور كردستان (إقليم كردستان العراق) وآمد(ديابكر) وديرسم وميردين وسرحد شاهد على الفاشية والوحشية وسياسة الإبادة التركية بحق الكرد وجغرافيتهم.
لكن المشكلة عربياً تكمن في عدم صوغ إجراءات عربية موحدة ضد تدخلات الدولتين حتى الآن على الأقل رغم إدراك خطورة الموقف والتحديات القادمة من قبل الجامعة العربية والكثير من دولها، ويكمن ذلك في خمسة نقاط رئيسية:
1_ عدم اتفاق الدول العربية على تصنيف سلوك إيران وتركيا كـ”تدخل خارجي وتعدٍ سافر على السيادة”. كما يحصل من احتلال تركيا لشمالي سوريا والعراق وغرب ليبيا وغيرها فبعض الدول العربية وحتى الحكومة العراقية والسورية أنفسهم ومع الأسف لايرون أن تركيا تحتل أرضهم وعليهم القيام بواجبهم الوطني والسيادي في إخراج المحتل التركي ويكتفون بالبيانات واستداعاء سفراء تركيا وأحيانا الصمت المخجل على الهجمات التركية اليومية وقتلها للمدنيين وإحتراقها للطبيعة والبيئة وقطع المياه وتسببها في الجفاف.
2_ الحاجة إلى تفكير ورؤية استراتيجية حقيقية لتجاوز كثير من المعضلات والمتناقضات في هذا الشأن و البحث وإيجاد آليات وأدواة فعالة ومؤثرة، ربما تكون منها تفعيل الدفاع المشترك وتعزيزه ورفده بالتواصل والتفاعل مع المكونات الداخلية في الدول العربية والبلدان التي تستهدفها تركيا وإيران في المرحلة الأولى والذين يقاومون ويدافعون بدفاعهم عن أنفسهم عن المنطقة برمتها كما تفعله قوات الدفاع الشعبيHPG في شمالي العراق وضمن تركيا وكما تفعله قوات سوريا الديمقراطيةQSD في سوريا.
3_ إعادة صياغة العلاقة مع الدولتين، وقد أدركت دول عربية هذه المعطيات وشرعت في البناء عليها. ولكن مازالت البعض من الدول ترى أن المصالح القطرية أو المادية الضيقة هي المعيار في التعامل وليس متطلبات الأمن القومي العربي أو أن التنازل الجزئي لتركيا في بعض الأماكن و الأمور سوف يجعلها تتراجع عن تدخلاتها وهذا غير صحيح وربما تأجيل وقوع الضرر لفترة قصيرة فقط، كون كل الدكتاتوريات تزداد شهيتها ورغبتها في الهيمنة عند تقديم اي تنازل لهم، كما حصل بين هتلر وبريطانيا وفرنسا و إيطاليا في إتفاقية أو معاهدة ميونخ 1938 ، والتي تنازلوا عن إقليم السوديت لإرضاء هتلر لكنه لم يرضى غير باحتلال معظم أوربا.
4_ضرورة قيام الدول العربية وقواها الفاعلة والمجتمعية و الديمقراطية بتعزيز العلاقات العربية_ الكردية وإعتبار الشعب الكردي جزء مهم من منظومة القومي العربي وإيجاد رؤية وآلية لإستوعاب الكرد وقبولهم كمون أساسي ورئيسي في الجبهة الداخلية للمنطقة لتقويتها وتمتينها ضد التدخلات الإقليمية والعالمية ، وحتى قبولهم بصيغة ما ضمن مؤسسات الجامعة العربية كمون اساسي ضمن نطاق عمل الجامعة العربية، وأهمية التخلص من النظر من العدسة التركية ووفق الرؤية التركية لقضية الشعب الكردي ونضاله وقادته وقواه الفاعلة كالمفكر والقائد عبدالله أوجلان وحزب العمال الكردستاني وغيره الذين يمثلون حقيقة نضال الشعب الكردي في سعيه للحرية وتحقيق حل ديمقراطي للقضية الكردية في الدول الأربعة لتواجد الكرد وبناء الديمقراطية فيهم و في المنطقة لكافة شعوبها.

من الأسس، التي يجب أخذها بعين الاعتبار:
1_ اختيار الآلية الناجعة للتعامل مع هذه التدخلات السافرة. وملاحظة الفروقات بين التدخلات والنفوذ الإيراني والتركي في المنطقة رغم تشابه السياسات وتناغمها كثيراً في الغايات والأهداف وبعض الوسائل.
2_الإنتباه إلى استغلال السلطات التركية والإيرانية للقضية الفلسطينية بطريقة انتهازية جداً ومحاولاتهما المستمرة لخلق نفوذ وأهمية شكلية لهم في الصراع الفلسطيني_الإسرائيلي،لإستعمالها داخلياً ضمن دولهم وللمزايدة على الدول العربية ودعمهم المستمرة للشعب الفلسطيني.

3_استغلال تركيا وإيران كل الإشكاليات التي مرت بها الدول العربية خلال هذه السنوات الطويلة، وحالات الضعف والفراغ وخاصة مشكلة الإرهاب التي تفجرت خلال العقد الأخير وتقديم نفسيهما للمجتمع الإقليمي والدولي وكأنهم يحاربون الإرهاب وهم في الوقت نفسه الذي يدعمون كل الإرهاب والحركات المصنفة عربياً ودولياً على قوائم الإرهاب بكل الوسائل ومثال ذلك دعم تركيا وسلطاتها الإخوانية والقوموية لداعش والنصرة وكذلك دعم إيران للحوثيين ولحزب الله ولغيرهم .

3_ إنشاء تركيا وإيران أذرع ومليشيات عسكرية إنكشارية تحمل أجندتها وتقديمهم بديل للجيوش ولمنظومات الدفاع الوطنية في الدول ومناطق احتلالهم وتأثيرهم، كما تفعل إيران و تركيا في سوريا وليبيا والصومال و العراق وغيرها من تشكيل مايسمى الجيش الوطني السوري ذراع تركيا في إحتلال شمال سوريا وتغيير ديموغرافيتها وإبادة شعوبها الأصلية، بالإضافة إلى خلق تركيا لنفوذ وأذرع عبر تدريبها لقوى الأمن والجيش في بعض الدول ولبعض الحركات الإخوانية المرتبطة بها.
4_ الإنتباه إلى التباين في مكانة الدولتين في الخارطة العالمية، لتواجد تركيا ضمن منظومة الناتو وإستغلالها لعلاقاتها مع المجتمع الدولي في تمرير مشاريعها وأهدافهم وأحتلالاتها كمشروع العثمانية الجديدة الذي يستهدف كل دول المنطقة وشعوبها وعلى رأسهم المناطق الكردية والدول العربية كون السلطة في تركيا ترى المنطقة وكأنها حق وميراث لها من العثمانية البائدة. بينما إيران تعتبر دولة مارقة على الأقل ظاهرياً حتى الآن تهدد السلام والأمن بصورايخها ورغبتها في إمتلال السلاح النووي وهنا يظهر خطورة تركيا الزائدة عن إيران الواجب ملاحظتها على الأمن القومي العربي وعلى استقرار وسلامة المنطقة والدول العربية.
5_الإنتباه والحذر من جماعات الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي كونهم يشكلون الأداة للتغلغل والتسلل إلى المجتمعات والدول العربية، حتى أن الأخوان يرون أن الأتراك هم الخلفاء والرؤساء الشرعيون للمنطقة والمسلمين ويريدون إعادة العثمانية تحت منطق الخلافة الإسلامية المزعومة كما فعلت داعش وإن بوسائل وأدوات وتوجهات مختلفة. وبالمثل علي المهتمين والحريصين على أمن المنطقة واستقرارها الإنتباه إلى خطاب الكراهية والفتنة والكذب التي تبثها الأبواق والمرتزقة المأجوريين من تركيا وإيران ووسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي التي تتلقى الدعم منهم لإستمرار حالة الفوضى والتشرذم لتثبيت نفوذها.
من المهم الإشارة إلى نقطة أن تركيا استثمرت ظروفاً دولية وإقليمية مواتية لتحقيق غاياتها، وعلى رأسها الحرب على تنظيم “داعش” الإرهابي، التي خاضتها أمريكا وحلفاؤها منذ 2014.
في الحرب على الإرهاب تبنّت تركيا وحدها، دون المجتمع الدولي ومجلس الأمن و بقية دول التحالف الدولي ضد “داعش”، تعريفا خاصاً بها ومحاولة فرضه والعمل وفقه ضم ما يعارضها ويخالفها إلى جوار “داعش”، مما أتاح لتركيا تعزيز نفوذها في العراق، وتوسيع مناطق احتلالها داخل العمق السوري.

ومن الصحيح ملاحظة أن الدولتان يريد المجتمع الدولي التفاوض معهما بسبب موقعهما والمصالح المادية، فلا أحد يريد إشعال حرب مع تركيا والناتو رغم كل تجاوزات تركيا، وجميع الدول الكبرى تفضل التفاوض مع إيران بغية الوصول إلى اتفاق يضبط برنامجها النووي، لكنهم يتجاهلون سلوكياتهم الداخلية و الإقليمية، وبالتالي من يريد مواجهة أي من الدولتين يجب أن يعرف أن المجتمع الدولي الرسمي لن يكون إلى جانبه على الأقل حتى اليوم إن اختار الطريق الصحيح لتحجيم ومواجهة هذه التدخلات.
لكن كيف يمكن مواجهة وردع هذه التدخلات والسلوكيات السلبية على المستوي المحلي والإقليمي في ظل إنتعاش رغبات الهيمنة لدى تركيا وإيران ومعها تنظيمات الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي بعد سيطرة طالبان على أفغانستان بإتفاق مع أمريكا والناتو لا يود ذكره من يحاول توظيف الانسحاب الأمريكي من أفغانستان لتعزيز خطابه وأجندته وتمددات العابرة للحدود. هنا يمكن لشعوب المنطقة ودولها أن تدرك أن تركيا وخاصة السلطة الحالية المكونة من خليط الإسلامويين والقوميين العنصريين لاتفهم لغة السياسة والحوار والدبلوماسية واللين، على الرغم من أهميتها وضرورة إستعمالها وإستمراها ولابد من إجراءات تنفيذية رادعة تتضمن الجانب الاقتصادي والمالي وكذلك التجاري والسياحي مع ملاحظة عدم إغفال القدرة والإستعداد للمواجهة العسكرية مع تركيا حتى و إن لم يحبذها و يقبلها المجتمع الدولي والقوى الكبرى حالياً، لأن من يسكت ويفتح الطريق لتركيا وإيران في إحتلال المنطقة والدول العربية وتهجير أهلها وإرتكاب الإبادات وإنكار حقوق أهلها لايحق له أو لمؤسساته في رفض مقاومة شعوب المنطقة ودفاع دولها عن أنفسهم أمام التدخلات التركية والإيرانية والإعتداءات السافرة على سيادة دول المنطقة وكرامة شعوبها، وتبقى لتكامل شعوب المنطقة وتقوية الجبهة الداخلية والإعتراف بخصوصيات الشعوب والمجتمعات في إطار الحدود الموجودة وكذلك للعلاقة وللشراكة العربية والكردية الدور الهام في تحجيم و لجم تركيا وإيران من الداخل وتقليل تأثيراتهم السلبية. وإن تحقق حل القضية الكردية في تركيا وإيران عندها لن يبقى هناك دافع وشرعنة داخلية للسلطات التركية والإيرانية في الإعتدءات على محيطها العربي، كون القضية الكردية تشكل جوهر وأساس كل تحركاتهما واستراتيجياتهما لخوفهما الدائم من حصول الكرد على حقوقهم وتشكيلهم حائط صد بينهم وبين الدول والمجتمعات العربية والتاريخ الجغرافية شاهدة على ذلك فلايمكن لتركيا وإيران من شمال الخليج العربي وحتى شمالي العراق وشمالي سوريا وصولاً لبحر الأبيض المتوسط من الدخول إلى الأراضي العربية دون احتلال كردستان وبلاد الكرد التاريخية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق