الرأي

تفاعل الجيوسياسية العراقية مع المشهد الإقليمي

بقلم: أحمد شيخو
أين يكمن موقع العراق وموضعه وأهميته في رسم ملامح الشكل الجديد للمنطقة وللنظام الإقليمي فيها؟
هل سيختلف العراق جذرياً مع الانتخابات القادمة؟ ماهي الأدوار الإقليمية والدولية السلبية فيها؟
هل للانسحاب الأمريكي من أفغانستان تأثير على العراق؟
ماهو السبيل لإنقاذ العراق وخلاصه ؟
مع ما نتج من تواجد داعش في العراق وتزايد قوتها وإنتشارها لسوريا ولبعض دول المنطقة، وكذلك مع تزايد الإهتمام الإقليمي والدولي بالعراق ومستقبله، يتأكد مرة أخرى الدور المحوري للجغرافية السياسية العراقية، في تحديد الشكل القادم والمحتمل للنظام الإقليمي للمنطقة وعلاقات شعوبها وقواها الفاعلة ببعضها ويظهر بوضوح دور الساحة العراقية وتأثيرها على السلم والأمن في المنطقة والعالم لعوامل عديدة بنيوية وتشكيلية وتاريخية وجغرافية.
منذ القدم كان لميزوبوتاميا بقسميها السفلي(العراق الحالي) والعلوي (كردستان) دور الأم في مختلف مراحل التكون المؤسساتي والهيكلي ونمط الحياة و الإدارة وجدلية العلاقة بين السلطة والمجتمع، كون هذه المنطقة أي ميزوبوتاميا كانت فيها الظهور لأول مدينة في التاريخ أور وهي المهد الأول والثاني بالتزامن مع مصر وحضارة النيل لتطور الحياة ونشوء مؤسسات الإدارة المجتمعية وكذلك الدولة و السلطة المطلقة وحتى تكّون وظهور الآلهة ونشوء الميتولوجيات والأديان .
وعند تدفق مراحل الحضارة الإسلامية كانت للإسلام أبعاد إجتماعية جديدة مضافة بعد الوصول للعراق وتمددها في بلاد الكرد والفرس حيث ومع الخلافة العباسية تم ملاحظة تنوع وتعدد الأقوام والأمم من الفرس والكرد و حتى الترك بعد قدومهم من أواسط اسيا وغيرهم ضمن إطار المظلة الإسلامية الواسعة بشكل أكبر من أيام الأمويين.
ومع إنهيار الإمبراطورية العثمانية التي إحتلت المنطقة حوالي 600 سنة وقدوم البريطانيين ورغبتهم في الهيمنة على المنطقة بدأوا بتشكيلها و تقسيمها من العراق وعلى أثر النموذج العراقي تم المضي في تهيئة المنطقة وتفتيتها وبناء الدويلات القومية لتكون ركيزة لنظام الهيمنة في المنطقة ووسائل سرقتها لخيرات البلاد والعباد. وعندها تم إيجاد وإصطناع عدد من الثنائيات المتناحرة وجعل تنوع المنطقة الغني والميراث الشعبي العظيم لشعوب المنطقة وكذلك أديانها ومذاهبها في حالة صراع وحروب مستمرة حتى اليوم.
في العراق ولعدة أسباب منها السابقة الذكر وعند تشكيلها من قبل الإنكليز في إتفاقية القاهرة 1921 وإتفاقية لوزان 1923. تم القيام بضم ولاية الموصل حينها والتي كانت تضم إقليم كرستان الحالي ومحافظة الموصل وكركوك إلى ولايتي الموصل وبغداد لتحقيق توازن سني شيعي وتأمين موانع طبيعية من جبال كردستان لحماية المواقع والشركات الإنكليزية في كركوك و الداخل العراقي وجنوبه والطريق إلى الهند.
وهكذا تم تقسيم بلاد المشرق العربي وكذلك كردستان وضم قسم منها للعراق المنشأ وعندها كانت البداية لخلق قضايا وبؤر للتوتر والإضطراب في المنطقة قابلة للإشتعال، بتقسيم الشعب العربي إلى دويلات ومملكات صغيرة وبإبقاء الشعب الكردي أحد الشعوب الاساسية مجزء وبدون أية حقوق وبإعطاء الدور لإبادة الكرد والقضاء عليهم وإلحاقهم كتوابع بدول الأربعة التي تم تقسيم كردستان عليها للدولة التركية المنشأ حديثاً حينها والتي قامت إصلاً بجهود الكرد والترك ونضالهم على أن تكون دولة للشعبين لكن وبوصول الإتحاد والترقي كإمتداد للبرجوازية اليهودية العالمية تم نسف ما قامت عليه التحالفات التاريخية بين الكرد والترك وتم تقديم نموذج لدولة قوموية تفرض وجود أمة دولتية نمطية متجانسة ولو عبر إبادة الشعوب والقوميات والتكوينات المتعددة للوصول للإحادية والمطلقية والواحدية لضرورات للدول القومية كأهم أداة لنظام الهيمنة العالمية في المنطقة.
ومن الواضح أنه بعد تشكيل العراق بحدودها الحالية ووضع ملك عليها حسب الرغبة البريطانية وثم المضي بالأساليب الجديدة والنظم الجمهورية الشكلية والعسكرية ولتحقيق مصالحها وهيمنتها دون إرادة الشعوب والمجتمعات بدأت معها مراحل الصراع والقتال والتناحر في المنطقة. وكانت للعراق وتركيا وإيران ومعها جغرافية كردستان المجزءة والمحتلة وظيفة تأمين الهيمنة العالمية على المنطقة وعبرها ومنع إنتشار الفكر اليساري والشيوعي وكذلك القضاء على إحتمالية نشوء وإنتشار حركات مجتمعية ديمقراطية، كون الرأسمالية الغربية كانت ترى فيها تهديد لمصالحها وهيمنتها.
ومع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران التي استمرت 8 سنوات بدفع ودعم عالمي وإقليمي وكذلك حرب الخليج الثانية واحتلال العراق للكويت ومعها وبعدها حصار نظام صدام حسين وإسقاطه وما نتج عنه من إعلان فعلي لإنتهاء وخلاص عمر الدول القومية كوسيلة ناجحة وفعالة للرأسمالية العالمية للهيمنة والنهب.
وظهرت من يومها وحتى الآن تزايد تناقضات في النظام المهيمن وتوابعه الإقليمية نظراً لرغبة نظام الهيمنة في إحداث بعض التغيرات وكذلك إعادة ترتيب أولوياتها و وشكل النظام الإقليمي لإستمرار هيمنتها حسب المعطيات والظروف والشروط الجديدة ولمنع أو لسد الطريق أمام الحركات المجتمعية الديمقراطية التي تستند إلى ثقافة المنطقة وتقاليدها الديمقراطية التاريخية التي تمتاز بالتنوع والتعدد والتكامل والوحدة الكلية دون التقسيم والفرض والقمع والدكتاتورية.
ولتحضير القيام بما حدث في العراق في سنة 2003 وتغير النظام فيها تم القيام بتحضيرات شملت تهيئة الظروف من قول حيازة الاسلحة الكيمياوية وكذلك العمل على أفغانستان قبل ذلك والهجمات في أمريكا وصياغة تعريف ودور لما تم تسميته بالإرهاب وتوظيفه وإضعاف القوة المجتمعية الديمقراطية في العراق ومحيطه حتى لاتستفيد من الأوضاع والفراغات الممكنة و لكي لاتقدم بديلها المجتمعي الديمقراطي كبديل للنموذج القوموي والإسلاموي الرديكالي الذي يقدمه نظام الهيمنة العالمية للمنطقة، وعندها تم بعملية كبيرة من الناتو وعلى رأسها إسرائيل وأمريكا بإعتقال المفكر والقائد عبدالله أوجلان عام 1999، لإضعاف حزب العمال الكردستاني كأهم قوة مجتمعية وديمقراطية شرق أوسطية وفعالة و وقادر على الـتأثير في المشهد العراقي والشرق الأوسطي ولديها مشروع مجتمعي وديمقراطي تكمن في بناء المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي وتحرير المرأة وتمكينها و ريادتها مع الشباب لتغيير المجتمع وبنائه وتحقيق حريته وديمقراطيته وتنميته، على الأقل في الدول الأربعة التي تم ضم أجزاء كردستان المقسمة إليها(تركيا، إيران، سوريا، العراق).
واليوم وبعد حوالي 17 سنة من إسقاط النظام العراقي السابق وماعاشها ويعيشها العراق ومعها المنطقة من الأزمات والقضايا الكثيرة والتدخلات العديدة، يسعى نظام الهيمنة العالمية وكذلك قواها الأقليمية إلى إطالت عمرها وبقاء الحالة على حالها ولو بإحداث تغيرات شكلية وتكتيكية دون المس بالجوهر والاستراتيجية وإن بأشكال وأساليب جديدة للهيمنة والنهب متخذة من العراق وجوارها نقاط إرتكاز لها ولاستراتيجياتها دون إعتبار لإرادة الشعب العراقي المتنوع والغني بثقافته وبحضوره التاريخي والحضاري والمجتمعي والقيمي.
مع حالة أفغانستان والرسائل المرسلة عبرها للإقليم والعالم وإظهار رائدة النظام العالمي أي أمريكا ومعها الإتحاد الأوربي وحتى الروس والصين ولو من زويا وأطراف أخرى إلى إعطاء إنطباع وكأنهم يتبادلون أو يفقدون التأثير في المشهد الشرق الأوسطي والمنطقة بشكل عام، يتزايد الرغبة لدى قوى الهيمنة الأقليمية وتوابع وأدوات الهيمنة العالمية كحركات الإسلام السياسي والقوموية العنصرية والشيعة القومية وخاصة تركيا وإيران وإسرائيل في زيادة نطاق نفوذها وحتى احتلالهم كونهم يشعرون أنهم أمام فرص لاتعوض لزيادة نفوذهم وتأثيرهم وإحتلالهم ولشعورهم بالخوف من المحيطيين والقوى الأخرى في الإقليم. مع العلم أن إمكانية إنسحاب أمريكا من العراق وسوريا تظل ضعيفة بالمقارنة مع أفغانستان لإعتبارات عديدة تتعلق بما تسميه أمريكا الأمن والسلم الدوليين و المرتبط بمصالحها المختلفة في المنطقة.
وتبقى العراق كما كانت منذ معركة القادسية التاريخية وحتى اليوم من أهم ساحات الصراع في المنطقة بين القوى الإقليمية حتى وإن لم يرغب العراقيين في ذلك، فتواجد الإيرانيين والأتراك والتحالف الدولي لمحاربة داعش وكذلك إحتوائها لقسم من كرستان( إقليم كردستان العراق) ومع تزايد الرغبة العربية وسعيها في عدم ترك العراق فريسة للإحتلال التركي والنفوذ الإيراني وإن عبر الجانب الإقتصادي والمالي وقطاعات الإنشاء والطاقة والكهرباء وإحتياجات العراقيين الأساسية يجعل المصالح السلطوية الإقليمية والدولية تتشابك وتتقاطع وتصطدم ببعضها أحياناً كثيرة مستوجبة حروب وصراعات وإن بالوكالة.
لاشك أن إدراك الأهيمية الجيوسياسية للعراق من قبل الدول العربية وتحركها في إطار إتفاق الشام وغيرها لتفعيل العمل العربي مع العراق خطوة في الإتجاه الصحيح، مع وجود إمكانية لتعزيز هذه الخطوات وتقويتها عبر التلاقي مع القوى المجتمعية الديمقراطية الكردية في الساحة العراقية وكذلك في سوريا وتركيا وإيران كون الساحة العراقية لها ترابط وثيق وعضوي وشعبي مع إيران وتركيا ولوجود إمكانية لتوافق الأهداف بين الدول العربية والقوى الكردية الديمقراطية في استقرار العراق ووحدته وتكامله مع محيطه العربي، نظراً لرغبة القوى الكردية الديمقراطية في تجديد وتطوير العلاقات والشركات التاريخية بين الشعبين العربي والكردي وتعزيز منظومة الأمن القومي العربي كون بالإمكان للقوى الكردية الديمقراطية لعب دور مهم في تعزيز وتعميق الأمن القومي العربي والحفاظ على الجبهة الداخلية مع القوى والشعوب والدول العربية في صد التدخلات الإقليمية والخارجية والتي تشتهدف المنطقة وشعوبها لما تشكله القوى الكردية وبالتحاف مع الشعب العربي ومكونات المنطقة من قوة هامة ورادعة للمنطقة وقادرة على تعزيز الاستقرار وتحقيق الأمان والسلم والقضاء على الإرهاب كما حصل في سوريا والعراق على يد قوات سوريا الديمقراطية QSD وقوات الدفاع الشعبي الكردستاني HPG.
وعليه فإن العراق ومع هذه الإنتخابات القادمة ومخاضاتها العسيرة وإحتماليات نتائجها ورفضها من قبل الأطراف المحتملة خسارتها، أمام حالة تقرير مصير ليس فقط للعراق وشعبها بل للمنطقة برمتها وما سينتج عنها ستكون لها تداعيات على مجمل المنطقة وأولها على سوريا وتركيا وإيران والمنطقة العربية بمجمله.

ويتزايد إحتمالات الصراع في المنطقة إنطلاقاً من العراق، كون الأطراف المختلفة المتدخلة في العراق تشعر أنها يجب أن تكون هي الفائزة في العراق دون سواها مع حالة القوة والنشوة والإمكانية لتحقيق الأهداف التي جعلت أمريكا وأنسحابها من أفغانستان يشعر بها قوى الهيمنة الأقليمية وبعض أدواتها التي من الممكن أن شعورها ورغبتها في السيطرة سيدخلها صراعات ومعارك هي المطلوبة حتى يستمر نظام الهيمنة العالمية على المنطقة و حتى لاتستطيع الشعوب والمجتمعات العيش بإرادتها وحريتها مع العلم أن البعض من القوى الإقليمية كتركيا تناور وتحاول إظار رغبتها في التهدئة على مستوى الإقليم ومع الدول العربية خاصة، لكن زيف أقوالها ونفاقها تظهر في عدم سحب جيشها ومرتزقتها من ليبيا و دعمها للإخوان الإرهابيين و دوام احتلالها في العراق وسوريا وكذلك حربها المستمرة ضد الشعب الكردي وعدم قبولها بالتفاوض والسلام والحل الديمقراطي للقضية الكردية كما يريده الشعب الكردي وقواها الديمقراطية والمجتمعية.
من الأهمية القول أن المنطقة ومن العراق امام بداية يمكن ان تكون حالة سلم واستقرار وتعاون وسلام ووحدة إن توافق الكرد والعرب ووفقوا في بناء تحالفات ومواقف مشتركة بين القوى الكردية المجتمعية والديمقراطية من جهة والقوى والدول والشعوب العربية من الجهة الأخرى، لما ستكون لها أبعاد تاريخية ومصيرية وثقل في العراق وسوريا والمنطقة كما هي في شمال وشرق سوريا وكما كان ايام صلاح الدين الأيوبي ولو بجوهر وإتفاق مختلف يأخذ خطورة الاستعمار التركي الفاشي بعين الإعتبار ويسعى لإيجاد عراق ديمقراطي وحر يحترم ويستوعب خصوصيات مجتمعاته كما المجتمع الإيزيدي الذي تعرض لإبادة جماعية، وعراق قادر على الدفاع عن سيادة البلد وحماية شعبه وحدوده من التجاوزات والهجمات والتدخلات الإقليمية والخارجية والقصف التركي المستمر وإخراج قوات الإحتلال التركي ومواقعه ومراكزه التي قاربت السبعين حسب بعض الأرقام من شماله . وإلا فستكون العراق تحت الإحتلال التركي والنفوذ الإيراني وتقاسمهما وكذلك المنطقة برمتها العربية والمناطق الكردية أمام عثمانية جديدة و إعادة ضم بغداد للعثمانية كما فعلها مايسمى السلطان العثماني مراد الرابع أيام صراعه مع الصفويين وتخلي الصفويين عنها مقابل أماكن أخرى أو سيكون ضم بغداد للصفويين الجدد أي الشيعية القومية الإيرانية الحالية، وإعادة مرج دابق في سوريا الحاصلة وإتمامها بإعادة الريدانية على أبواب القاهرة بالتواطؤ مع بعض حركات الأخوان الإرهابية ومع بعض القوى الكردية المتواطئة مع تركيا في إقليم كردستان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق