الرأي

11 أيلول.. ذكرى الانكسار والانسحاب

عشرون عاماً هي الفترة الزمنية التي تفصل ما بين الاعتداء الأكبر من نوعه الذي تعرضت له الولايات المتحدة الأميركية، وما بين انسحابها من أفغانستان، هناك علاقة بين ما تعرضت له واشنطن من انكسار في هذا اليوم قبل عقدين من الزمان، وبين انسحابها من أفغانستان، ولعل هذا الانسحاب هو بمثابة انكسار آخر للقوة العظمى في العالم.

نجح تنظيم “قاعدة الجهاد” في إطلاق صواريخ موجهة إلى قلب الولايات المتحدة، ممثلة ببرجي التجارة العالمي “شريان الاقتصاد”، والبنتاغون “رمز القوة العسكرية”. ربما توقف هذا القلب لدقائق من هول الهجمات حتى قررت واشنطن الانتقام لنفسها من أولئك الذين استهدفوها في عقر دارهم، فضلاً عما خلّفه من آلاف القتلى والمصابين، فأرادت أن تحوّل الانكسار في هذا اليوم إلى انتصار، وتزيل آثار ما تعرضت له من اعتداء موجّه.

حوّلت “القاعدة” طائرات الركاب التجارية صواريخ موجهة إلى حيث يسكن الاقتصاد، وأعقبتها بضربة أخرى إلى يد أميركا، كما تعتقد “القاعدة” التي تبطش بها فكانت الضربة التالية لمبنى وزارة الدفاع، بعدها غادر الرئيس الأميركي البيت الأبيض إلى مكان غير معلوم خشية تكرار الهجمات التي لم تكن تعرف أميركا وجهتها القادمة.

الغزو الأميركي لأفغانستان هدفه الأساسي إزاحة آثار العدوان والانتقام للضحايا ولكرامة الدولة العظمى، ورغم أنها قادت تحالفاً دولياً، وأنشأت معتقل غوانتانامو خارج الأراضي الأميركية حتى تتمكن من معاقبة خصومها من “القاعدة” من دون أن يخضعوا للقوانين الأميركية في الوقت نفسه، إلا أنها فشلت في الوصول إلى زعيم تنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن على مدار عقد كامل، حتى كان الاستهداف في أيار (مايو) عام 2011 رغم أن الغزو كان عام 2001. ليس هذا فحسب، بل خرجت واشنطن من أفغانستان من دون أن تصل الى زعيم التنظيم الحالي أيمن الظواهري، بما يُعبّر عن حالة الانكسار التي ما زالت تعيشها الولايات المتحدة.

وهذا ما يرجّح تكرار حوادث 11 أيلول من جديد، ولو بعد عقد أو عقدين من الزمان، حتماً سوف تتعرض واشنطن لاعتداء، ربما يغيب توقيت الاعتداء عنّا، ولكننا نتوقعه من “القاعدة” التي تركها الأميركيون في أفضل حال مع وجود زعيمها أيمن الظواهري ومساعديه من العسكريين؛ هذه القراءة مستقاة من التاريخ، والتاريخ القريب في تعامل واشنطن مع هذا التنظيم.

ما زال تنظيم “القاعدة” موجوداً في أفغانستان، لم تنجح الولايات المتحدة في التعامل معه، رغم استهداف بعض قياداته من خلال بعض الطلعات الجوية عبر سنوات الغزو العشرين، وخرجت وما زال التنظيم موجوداً وملء السمع والبصر، وتُشير تقارير كثيرة إلى احتمال تصدره المشهد الجهادي بعد سقوط دولة “داعش” في 22 آذار (مارس) من عام 2019.

القيادة المركزية لتنظيم “القاعدة” في أفغانستان، وما زال زعيمها أيمن الظواهري يعيش في جبالها وكهوفها من دون أن يمسه ضرر، سواء مع وجود القوات الأميركية أم بعد خروجها، فشلت الاستخبارات المركزية الأميركية في الوصول إلى مكانه ومكان قادته ومساعديه، وربما لم تُردْ ذلك، فقط أضافت أميركا بغزوها أفغانستان قائمة جديدة من القتلى على مدار الـ20 عاماً، يضافون إلى ضحايا الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها هي.

هناك من يصف ما حدث لأميركا عام 2001 بالانكسار، وهناك من يصف ما حدث لها عام 2021 بالهزيمة، من يرى أن أميركا تعرف هدفها وقد حققته على أكمل وجه ممثلاً في إقامة إمارة إسلامية على حدود عدوها اللدود الصين، وهذا يُعزز وجهة النظر بأن وجود الولايات المتحدة في أفغانستان هدفه الأساسي هو ما فعلته أميركا عندما انتهى المشهد بتسليم السلطة إلى حركة “طالبان”، وما سبق ذلك من مفاوضات انتهت أيضاً بتسليم السلطة لمن دخلت أميركا لمحاربتهم وإزالتهم من السلطة، فضلاً عن أنها حافظت على بقاء “القاعدة”، وهذا لم يمنع من تنفيذ بعض العمليات العسكرية والاستهداف لبعض القيادات.

إذا أحسنّا الظنّ بالولايات المتحدة، وبأن ما حدث كان مجرد هزيمة لها في المربع الآسيوي، فإنه يقودنا إلى التشكيك في كل خطط مواجهة الإرهاب التي تقودها واشنطن، ويزيد لدينا الشكوك والقلق من دورها في هذه المواجهة، ويؤكد ما قلناه سابقاً من عدم وجود استراتيجية خاصة بمكافحة الإرهاب، وإلا اعتبرنا أنها تُعيد تدوير تنظيمات العنف والتطرف، وهذه وجهة نظر تحتاج إلى مزيد من التفصيل.

الولايات المتحدة كانت شريكاً أساسياً في نشأة تنظيم “قاعدة الجهاد”، عندما قدمت دعماً للرجال الذين شكلوا هذا التنظيم وكانوا يُعرفون وقتها بالمقاتلين العرب أو المجاهدين العرب في أفغانستان، لم يكن دعماً معنوياً ولكن كان دعماً بالمال والسلاح، بهدف مواجهة الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979، والذي استمر حتى عام 1988؛ بدعم هؤلاء “المجاهدين” سقط الاتحاد السوفياتي وتفككت ولاياته، وباتت الولايات المتحدة القوة العظمى وانفردت بقيادة العالم.

لم تنته الملهاة عند هذا الحد، فبعد انتهاء الحرب الأفغانية التي شاركت الولايات المتحدة في دعم رجالها وتسهيل حصولهم على السلاح، قاموا بتشكيل تنظيم “قاعدة الجهاد”، الذي استهدف برجي التجارة العالمي ووزارة الدفاع الأميركية؛ فقد عرض عبد الله عزام، أحد أمراء الحرب الأفغانية، على أسامة بن لادن، إنشاء التنظيم، بخاصة مع امتلاك قاعدة بيانات لكل المجاهدين الذين أتوا من كل مكان، وكرر عبارته الشهيرة “انتهت الحرب ولكن الجهاد باق إلى يوم الدين”، وكانت هذه بداية تدشين تنظيم “القاعدة” الذي ملأ العالم إرهاباً من شرقه الى غربه، هذا هو التنظيم الذي ما زال زعيمه يمارس حياته بأريحية شديدة داخل أفغانستان، وقد يقود الجهاد العالمي خلال الفترة المقبلة برغبة أميركية أو بفشل في الوصول إليه.

العالم يعيش حالة من الترقب بعد إعادة إنتاج النسخة الجديدة من “القاعدة” و”طالبان”، ترقّب المجتمع الدولي ليس مرتبطاً بمحاولة قراءة سلوك “طالبان” الجديد في طبعتها الجديدة عام 2021، ولكن في طريقة ممارسة هذا التطرف ونوعه، فمن أصعب صور مواجهة الإرهاب المواجهة المختبئة لخلاياه، هذا ما ينطبق على “طالبان” التي تحتفل بانتصارها على واشنطن، كل ما طلبته واشنطن من الحركة ألا تكون أفغانستان مسرحاً للاعتداء على أميركا، وألا تعطي موافقة على وجود تنظيم “القاعدة”، فعلت أميركا ذلك ولا تملك أدوات للضغط ولا تملك ما تجبر به “طالبان” في حال عدم الالتزام بهذه الشروط، وهو ما يؤكد حالة الانكسار والهزيمة التي مرت بها واشنطن على مدار العشرين عاماً الأخيرة.

المشهد يبدو مظلماً بعد سيطرة حركة “طالبان” على الحكم في أفغانستان مع بدايات النشاط “القاعدي”، فالتنظيم يُعيد ترتيب أوراقه من جديد، وسوف يتحرك تحركاً مختبئاً غير ظاهر، وهو ما يُصعّب من فكرة مواجهته أصلاً، والخطورة كما أشرنا إليها مراراً وتكراراً في الدعم الأميركي لـ”طالبان” والرضا الدولي، وهو ما يُقلل من فرص مواجهة الإرهاب الدولي العابر الحدود والقارات في الفترة المقبلة.

رغم أن الولايات المتحدة أسقطت دولة “داعش” في آذار (مارس) من عام 2019، وقتلت خليفتها أبو بكر البغدادي، إلا أن خطر “دولة الخلافة” ما زال قائماً، فما بالك بتنظيم “القاعدة” الذي ما زال يتمتع بحرية شديدة في جبال تورا بورا وقندهار، وما زال أيمن الظواهري حياً يعطي الأوامر والتكليفات إلى ولايات التنظيم في كل أنحاء العالم، وهو ما يؤكد الانكسار والهزيمة الأميركيين على أعتاب الذكرى.

للكاتب المصري منير أديب
خاص النهار العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق