الرأي

أمريكا وقسد

اكثم نعيسة
2021 / 9 / 6

مع تغيير السياسات الامريكية في إدارة النزاعات في العالم، والانتقال من استراتيجية كونية تعتمد فرض الهيمنة والسيطرة بالقوة المباشرة، الى اعتماد استراتيجية فرض الهيمنة الناعمة عبر القوة الرمزية الكونية لأمريكا في العالم “الهيبة الطاغية” ، والتي ترى فيها أمريكا بعقليتها البراغماتية المفرطة، الوسيلة الأقل كلفة لها على الصعيدين السياسي والاقتصادي والاقل استفزازا لمشاعر الشعوب السلبي تجاه تواجد قواتها العسكرية في المناطق الساخنة عموما وفي الشرق تحديدا، إضافة الى اهداف أخرى تبتغيها وراء استراتيجيتها تلك، الامر الذى أدى في المحصلة الى انتهاج سيناريو سحب القوات العسكرية من تلك المناطق او إعادة تموضعها في بعض المناطق الأخرى، لم يكن آخرها الانسحاب من أفغانستان.

فيما يخص الجزيرة السورية، لم تكن سوريا تشكل أولوية استراتيجية للولايات المتحدة، الا بالقدر الذي يتعلق بعلاقتها بإيران وعملية التجاذب القائمة بينهما حول مسالة السلاح النووي الإيراني وتدجين الموقف الإيراني من إسرائيل، ومنذ اللحظات الأولى للانتفاضة لم يخرج الموقف والسياسة الامريكية، خارج دائرة العباءة البراغماتية حتى في اكثر مواقفها راديكالية تجاه النظام السوري، وبهذا المعنى اغلب الظن أن وصول أمريكا الى اتفاق ما مرضي مع ايران سيخفف من هذا الاهتمام الثانوي بسوريا.

وضمن هذه السياقات، وفي إطار المعطيات والدلائل التي تظهر حينا وتختفي أحيانا، حيث تشير بوضوح الى أن ثمة شيئا يطبخ تحت الطاولة بين الدول المتدخلة في سوريا وبالتعاون مع النظام السوري و منذ اكثر من عام يخص الوضع في منطقة الجزيرة السورية، برزت بعض تجلياته في :

1_ غض الطرف الأمريكي والروسي في الاجتياح العسكري التركي لبعض المناطق في شمال سوريا والسيطرة عليها، والاستمرار في ذلك تجاه الهجمات التركية الراهنة على مواقع قسد والسماح باستخدام الطيران في هذه الهجمات، علاوة على صمت الولايات المتحدة على عمليات الاغتيال التركية التي تطال قيادي حزب العمال الكردستاني في سوريا.

2_حصر التعاطي والتعامل مع قسد فقط دون( الإدارة الذاتية) او مسد بالتبعية، وما لهذا الموقف من دلالات سياسية، فقسد قوة عسكرية لها وظيفة عسكرية قتالية محددة في اطار قوات التحالف تحتاجه راهنا أمريكا.
توقعات حول الموقف الأمريكي من قسد.

“القصة مو قصة انسحاب او عدم الانسحاب”

هل انتهت مهمة قسد الوظيفية، وتحولت الى عبئ على داعميها؟

على ضوء الدلائل والمعطيات التي ذكرتها، وفي سياق الارتباك الحاصل في العلاقات الامريكية التركية وتدهورها المتصاعد_ ازمة صواريخ اس٤٠٠ والاندفاع التركي المبالغ به نحو تحالف استانة ما هو إلا نتاج عض الأصابع القائم بين تركيا من جهة وامريكا من جهة أخرى _ والذي يجد أهم اسسه في دعم أمريكا لقسد التي تشكل من وجهة النظر التركية عدوا يهدد أمنها القومي، وصلت فيها تلك العلاقات الى مستوى خطر ربما يهدد بهذا القدر او ذاك الروابط الجيواستراتجية التركية الأمريكية والغربية بشكل عام، ويهدد استقرار حلف الناتو التي تعد تركيا عضوا استراتيجيا واساسيا فيه، عدا انه يهدد التوازن الإقليمي الحساس على اكثر من صعيد، علاوة على ذلك فإن حركة الاستقطابات المحلية التي تزداد حدة والناجمة عن التجاذبات الضدية، في علاقة قسد وتوابعها، بالقوى الوطنية الكردية والعربية على السواء، فحالة النشوة التي اصابت قيادات قسد بالتأييد الامريكي المخادع لها، وبفعل سيطرتها على عدة محافظات سورية، أوصلها الى انتهاج سلوكا فوقيا ومتعنتا مع القوى العربية والكردية المخالفة لها، ادى الى مزيد من انعزالها عن العمق الوطني السوري عبر عنه النبذ المستمر لقسد (ومسد) في اي نشاط وطني ديمقراطي سوري بغض النظر عن مدى أهمية النشاط، مما زاد من ذاك التجاذب اضطرابا وتصاعدا، البنية الاستبدادية للحوامل الفكرية والايديولوجية المتزمتة التي تستند عليها قسد وقياداتها، والتي تتناقض كليا مع مفهوم الديمقراطية، ولعل الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، الموجهة للأهالي وأيضا للمكونات السورية الأخرى، خير دليل على ذلك.

بكل آسف لم تجد نفعا محاولات قسد (وبالتبعية مسد) المرتبكة والغير مستقرة وأسلوب التقية الذي مارسته طوال سنوات في كسب الشارع العربي الذي بدا شكوكا وغير واثق من طروحاتها، وكمثال لنتاج هذا الفكر وتلك الممارسة لاتزال الدعوة لمؤتمر (وطني؟) الذي يدعو إليه (مسد) منذ سنوات يتخبط دون ان يلاقي اذانا صاغية من الشخصيات والقوى الوطنية ذات الرأسمال الرمزي او الشعبي الوازن.

ومن طرف آخر وحتى اللحظة فشلت قسد وتوابعها، في ان تحسم الجدل القائم بين اتجاهيها الرئيسيين، الاتجاه الذي ينحو لاستقلال التجربة عن قنديل، وبين اتجاه مهيمن يدعو لربط التجربة عضويا بقنديل، نجم عن كل ذلك فشل التجربة “الإدارة الذاتية” ككل في ان تلتحم بالقضايا الوطنية السورية وان تشكل نواة لحالة وطنية ديمقراطية استقطابية، وأن تفتقد كليا لأية استراتيجية وطنية ديمقراطية واضحة يمكن الاشتغال عليها وطنيا. في المحصلة بدت سياسيات قسد مبنية على التعنت والمزاجية السياسية، المصحوبة بضعف الخبرات واستكانة غالبية قياداتها السورية لهيمنة قنديل، والاستكانة، الذي وصلت حد الاستقواء، بالدعم الامريكي المؤقت، مما افقدها القدرة على إجراء مفاوضات او حوارات ناجحة مع أي طرف خارج فضائها الايديولوجي، بدءا من فشلها في إنجاح الحوار الكردي _الكردي، ومرورا بجميع الحوارات مع القوى الوطنية الديمقراطية، وإنتهاءا بحوارها مع النظام.

والحال فإن مجموع هذه العوامل وعوامل أخرى تتعلق بتعديل ميزان القوى على المستوى العالمي، حدا بالإدارة الامريكية إلى إعادة تقييم تموضعها التحالفي في سوريا والإقليم، وفي الذهاب للبحث عن بدائل اقل كلفة واكثر جدوى سياسيا وعسكريا، تعيد التوازن الى علاقاتها في الشرق الأوسط في أقل تقدير ، تتمثل في العمل الهادئ والصبور الممنهجة والمدروس بالتنسيق مع القوى الإقليمية ومع النظام السوري _ وهذا ما تشير اليه التحركات الأمنية والدبلوماسية بين المعنيين الإقليميين والدوليين، والتصريحات الإعلامية الماكرة التي تتوارد كل يوم التي تهيئ للوضع القادم _ الى تشكيل قوة عسكرية (سياسية) موازية ل قسد وتوابعها ومعادلة لها، ربما تعتمد على تجميع قوة من العشائر العربية أبناء الجزيرة بالتعاون مع باقي المكونات السورية الأخرى، مع ترجيح ضم ما يسمى بالجيش الوطني بعد تلميع صورته إلى هذه الكتلة العسكرية الجديدة ، علاوة على احتمالية كبيرة انضمام قوى كردية نقيضة لقسد (بيشمركة) للكتلة الوليدة، يترافق ذلك مع السعي لتفكيك قسد تدريجيا (حيث ستتفكك معها الإدارة الحاملة لها موضوعيا) تناط فيها مهمة التفكيك العسكري ذاك لتركيا، وعلى الاغلب ستبدأ عملية التفكيك تلك بالضغط باتجاه قطع العلاقة بين قسد وقيادتها الفعلية في قنديل، في حين تتكفل أمريكا بتأمين الغطاء السياسي، وهذا المشروع في الأغلب لا يحتاج الى انسحاب عسكري امريكي من سوريا، إلا اذا اقتضت شروط إنجاحه ذلك ، وسيكون انسحابا على الأرجح جزئيا إلى حين اكتمال المشروع.
هكذا تكون الولايات المتحدة قد حققت اكثر من هدف في آن واحد :

١_فهي قد تخلصت من العبء السياسي الإقليمي لقسد وقنديل وما حولها وفتحت الأبواب لإعادة العلاقات مع تركيا إلى طبيعتها الأولى ، كحليفة عضوية لها.

٢_ وثانيا فتحت الافاق أيضا للعمل على إيجاد حلول داخلية تكون فيها طرفا مقبولا من القوى المحلية السورية «الشعبية” والمعارضات المناوئة لها بما فيها النظام ، بإظهار انها لم تعد تدعم قوى تنظر اليها تلك المعارضات بعين القلق والشك ، بخلقها انطباعا قويا في كونها جادة في المساهمة بإيجاد حل للمسألة السورية.

٣_ ثالثا سيرتفع سقف المواجهة مع داعش بقوة عسكرية اكبر وأقوى تحارب داعش عسكريا واعلاميا وفكريا في قلب حاضنتها الشعبية _ خاصة بعد سقوط داعش الأخلاقي امام حواضنها بسلوكياتها الوحشية .

٤_ رابعا سيوفر الوضع الجديد لأمريكا الامكانية على امتلاك أوراق اشد قوة وتأثيرا تجاه الوجود والنفوذ الإيراني والروسي يعدل ميزان القوى لصالح توفير شروط افضل لها لفرض إرادتها كعامل مرجح في مسار الازمة السورية .

ولن اتطرق الى المكتسبات السياسية والجيوسياسية الهامة التي ستحققها تركيا وبدرجة ما روسيا والنظام السوري .
علينا الاعتراف ان الوضع السوري، على عتبة تغييرات درامية ذات أهمية قصوى ، بما تحمله تلك التغييرات من معطيات ووقائع جديدة بكل مالها وعليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق