الرأي

هل فهمت الحركات الجهادية الإسلام؟

الكتب السماوية، وما لحقتها، ليست بذلك العمق الفكري، ولا هي خارج مدارك الفهم، لكنها عرضت بلغة منمقة، عالية النبرة، مستعصية على العامة، فأصبحت كصروح لا تطال.

عوضا أن يقوم المفسرون ورواد التأويل على تبسيطها للعامة، ليصبح الدين بين الإنسان والإله دون وصايات وسيادات، أقدموا على استخدام منهجية التعقيد على حساب التبسيط، توسيع مساحات العزل بينها وبين مدارك العامة، فجعلوها حقول فكرية لشريحة خاصة دون العامة، وأفرغوا نصوصها من ماهيتها الروحانية، بل بعضهم أسقطوها في الضحالة الفكرية، وآخرون غطوها بالخرافات، والطرفين أفسدوا ذاتهم والمجتمع والإنسانية، وشوهوا الجميل من الوحي.

أقتات الأذكياء؛ خبثاء السياسة، من التأويلات، إن كانت باجتهادات ذاتية أو بتوجيهات، سلطة دينية – مدنية مدعومة بالخرافات، وبمنطق الإيمان بالنقل، مغطاة بعقائد مذهبية غارقة في الجهالة وتنتمي إلى الفرق الضالة في الإسلام، وهو ما سهلت لهم تسخير العامة لأهدافهم، وفرض سلطانهم قبل سلطان الإله، إلى أن أصبح البعض آلهة على الأرض.

الحركات التكفيرية، الجهادية، والراديكالية الإسلامية، و(ليس الإسلام السياسي، لأن الإسلام والسياسة بعدين لا فاصل بينهما، ثبت أركان هذا الرباط شبه المقدس مع تعيين أول خليفة للمسلمين وليس للإسلام) بل عن الحركات التي بدأت تغطي ساحات شرقنا المتهاوي، المستندون على الرباط المذكور عملا والناكرون له نظرية، والطالبان أوضحهم لهذا، وأضحلهم فكرا وفهما للإسلام، والقاعدة وداعش أبخسهم، لأن تبعيتهما كانت للبنتاغون وليست للعقيدة والإيمان بالنص القرآني، وكذلك معظم الأحزاب الإسلامية، ومن بينها الكوردستانية التابعة للدول الإقليمية، من حيث مذاهبها، إما للقم الشيعية؛ أو للرياض الوهابية؛ أو لأنقرة السنية الراديكالية، وخاصة تلك التي لم يقف ممثلوها في برلمان إقليم كوردستان للنشيد الوطني، مثلها مثل الحركات الكنسية التي سخرت اللاهوت لغاياتها في القرون الوسطى ضمن أوروبا، وهاجمها الفيلسوف الهولندي سبينوزا بلا هوادة.

نرى أن الإسلام كنص ليس بعائق أمام حقوق الشعب الكوردي، وخير مثال هي الثورات الكوردستانية والتي قادها مشايخ التكيات الدينية المعروفة، الذين كانوا على دراية عميقة بالنص ومفاهيم الإسلام، فلو كان هناك أي تناقض لما أقدموا على قيادة ثورات قومية، تهدف إلى استقلال كوردستان، لكن الباغين من الحكومات المحتلة، كسابقاتها من الممالك والإمبراطوريات، بمراكزها الإسلامية وأئمتها المسخرون لهيمنتهم، شوهوا المفاهيم، وحرفوا الإسلام، السياسي والشريعة لغاياتهم، وسحبوا البعض من الحركات الإسلامية الكوردية إلى المستنقع الفكري ذاته.

ومن الأهمية ذكره، واعتمادا على العديد من المؤشرات، ومن بينها واقع المنطقة المعاش، هو أن الشعب العربي والشعوب الإيرانية والتركية والأفغانية والباكستانية والمشابهة لهم، لا يقلون تضررا من البعد الاجتماع والاقتصادي والثقافي عن الشعب الكوردي، لأن الأنظمة الفاسدة والمروجة للمفاهيم الدينية السائدة وبدساتير، سخرت الإسلام للقومية ظاهريا، وألهبت الحركات الإسلامية التكفيرية أو الليبرالية، ليظهروا شرعية الصراع بينهما على السلطة، لكنهما معاً، وعلى مدى عقود طويلة، خلقوا سوراً هائلا بين شعوبها والتطور الحضاري، وخلقوا بيئة متخلفة كارثية في المنطقة عامة، ولم يكتفوا بهذا بل جروا معهم الشعوب الأخرى كالشعب الكوردي إلى المستنقع الفكري، الاجتماعي، السياسي ذاته.

ومن بين نتائج أفعالهم هذه، الدمار الثقافي الجاري، المدعوم وبسذاجة غريبة من قبل شريحة واسعة من الإعلام والكتاب، ليس حبا بالأنظمة الإسلامية، أو الإسلامية-القومية العنصرية، بل كرها بالدول الحضارية، كالواقع الجاري حاليا وموقفهم من حركة طالبان والانسحاب الأمريكي، متناسين أن أمريكا فشلت في جولة، بل اختارت أن تفشل كقوة، ويتلوث أسمها، على أن تضحي ببعض من جنودها لشعب أو حكومات لا تريد خوض المفاهيم العصرية، لأن إنسانهم له قيمته وتقديره، بعكس الإنسان عند سلطات الدول الإسلامية، مع ذلك ستظل مركز ثقل التوازن العالمي، أردنا أن لم نرد، وبالمقابل يتناسون أو لا يهمهم، أن الشعب الأفغاني غرق في كارثة فكرية اجتماعية سياسية قد تؤدي إلى دمار اقتصادي لا يقل عما يجري في إيران، إلى جانب غيرها من الكوارث الديمغرافية والثقافية، ونظن أن الإسلام كعقيدة على النقيض من هذا التوجه .

رغم كل هذا الدمار الثقافي-السياسي، والديني، والاقتصادي، لا تزال نسبة غير قليلة من حركة الشعوب الثقافية تساهم بمنطقها الخاطئ في تدمير مفاهيم مجتمعاتها، تزيد من العتمة وتضليلهم عقد بعد عقد. متأثرة بالضحالة الفكرية، التي تفضل الظلام على مفاهيم العصر، من منهجية عداوة الغرب للشرق وللإسلام، متناسين أنهم يسخرون الإسلام وحركاتها لأجنداتهم قدر ما يريدون، وحراكهم الثقافي بأساليبها الساذجة تغطي عليها تحت منطق المواجهة.

ومن الغرابة أن حراكنا الثقافي الكوردي، وخاصة نحن الرعيل الأول، رغم كل الكوارث، والمصائب، لا نقل عنهم خوضا في مستنقع الأخطاء، لكن في أبعاد وزوايا أخرى، فنلتقي بنوعية النتائج، وهو الفشل، والأغرب هي أخطاء الشريحة الثقافية الشبابية الكوردية، والتي كنا نتوقع أن تكون متأثرة بمفاهيم الحضارة الأوروبية، إن كانت عن طريق الأنترنيت، أو المعاشة في الواقع الحضاري، لكن تتبن أن جلها لم تخرج بعد من مستنقعنا الموبوء، فلا تزال تستخدم أساليبنا والرعيل الكوردي الأول، وتكرر تجاربهم الماضية التي ليس فقط تجاوزها الزمن والقضية الكوردية، بل أثبت التاريخ على فشلها رغم وطنيتها، أي عمليا تعيد أخطائهم بأوجه مختلفة، أحيانا بقبولهم الإملاءات، وأحيانا بنسخ منهجيتهم في تحريك الصراع الداخلي، ومواجهة الأعداء.

فهل هناك مؤشرات؛ على أن هذه الموجات الكارثية من الفكر الديني الموبوء تتجه إلى حتفها؟

أم أنها تعيد إنتاج ذاتها؟

وهل الإسلام المتشكل على خلفية التأويلات، ومنذ البدء، خلقت بنية ملائمة لإعادة ولادة هذه الحركات وبأشكال مختلفة؟

هل هذا هو الإسلام، أم أن جميعها وبدون استثناءات؛ من الفرق الضالة، بينها وبين الإسلام مسافات منهجية، خلاف واختلاف في العقيدة والإيمان، وإن تماثلت في بعض الأفعال، كما نسخت في التاريخ؟

وهل ستتمكن الشعوب والحركات الثقافية والسياسية الواعية، والحكومات العصرية وبدساتير، من حصرها ضمن المساجد، ليصبح رابط الإيمان بين الإنسان وربه، وليس بين الإنسان والإنسان، مثلما حدثت في أوروبا وأمريكا، علما أن عدد الكنائس فيهما، لربما تتجاوز عدد المساجد في كل العالم.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

[email protected]

22/8/2021م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق