الرأي

المنطقة والأزمة السورية من قمم ولقاءات منتصف حزيران الحالي

سيهانوك ديبو

مَنْ مِنْ بلدان الناتو سيقول لا طالما تستطيع أن تعيش مع طالبان وكافة فروع القاعدة في أفغانستان وغيرها من العالم؟ ففي الوقت الذي تقدم تركيا الأردوغانية نفسها –ربما هذه آخر أوراقها المتبقية- بأنها من تمثل الإسلام السياسي المتطرف وبأنها وحدها القادرة على التعايش مع أعتى التنظيمات المتطرفة التكفيرية؛ ليس آخرها في أفغانستان وحسب، وليس فقط في الصومال وتورطها في دعم ما يسمى بتنظيم الشباب الإسلامي، أو عدم مشاركتها في أهم معركتين في التاريخ المعاصر ضد الإرهاب إنْ في تحرير الموصل أو تحرير الرقة وتبعيات ذلك وتداعياتها المستمرة حتى اللحظة، أو تحكمها في أدق تفاصيل التركستاني وحراس الدين وجبهة النصرة وكم هائل بمسميات كثيرة لتنظيمات مرتبطة وظيفياً وجوديا وفكراً بالقاعدة يضبط إيقاعها في سوريا نظام تركيا الأردوغاني وتقوم بتمويلها شخصيات وشركات تركية مختصة بهذا. وفي الوقت الذي تتعرض فيه داخل تركيا لضربات متعددة اقتصادية وانهاء كامل لأي حياة سياسية ومن عملية فساد ممنهجة تهدد جميع معالم تركيا المتورطة في ملفات أكبر منها وأعقد من أن تديرها بالإمكانات التي بين يدها والمكانات التي تحلم بها وتبغي استرجاعها (عثمانية آفلة)؛ فإن علاقات البلدين الناتويين تركيا و أمريكا في مرحلة ما بعد ترمب وتركيا الأردوغانية سيئة ومائعة وهشة وأنه من الممكن جداً إذا لم يسبقه من الطرف الأضعف تنازلات استدارات ملحوظة ملموسة تسميته باللقاء الذي لا يعوّل عليه؛ كما أنه وفق السياقات الحالية فإن عدم تقديم تنازلات تركية أو لنقل تخليها من بعض الخطوات التي أقدمت عليها تركيا الأردوغانية فإنه من المحتمل القول بأن اللقاء يصعب عقده بين الرئيسين بايدين وأردوغان في أروقة قمة الناتو المنعقدة قبل يومين من اجتماع كبير بقدر كِبَرِ قوتين عظميين تتداخل مصالحهما وتتشابك لحد التضاد أحياناً هما أمريكا وروسيا. علماً بأن التمييع أو الهشاشة قد صبغت عمق العلاقات المحددة لتركيا الأردوغانية مع الغالبية العظمى لدول المنطقة والعالم. وهناك فرق واضح بأن تُبنى العلاقات الخارجية بين أنظمة سياسية أوضاعها الداخلية مستقرة ومتماسكة وأنظمة أخرى ملحوظ عندها تصاعد مستوى أزمات خطيّها البيانين الداخلي والخارجي كما الحال في نظام تركيا الأردوغانية؛ النظام الذي يتوقع الكثير بأن سقوطه مجرد مسألة وقت فقط، والخلاف ربما في ترتيبات السقوط وبعض التفاصيل التي تتحكم بها نظام الهيمنة، علماً: قلّما تجد بلد مثل تركيا تتدخل فيه كمية هائلة من الخارجيين تحت أسماء مختلفة؛ يضاف إلى ذلك محاولة إيجاد الجواب لسؤال مستجد يفرض نفسه: من الذي يحكم تركيا بعد أردوغان؟
أما نصيب سوريا من القمتين فإنه لا يُعتقد بأنها لن تحظى إلّا في مقدمة الملفات، وبأننا كسوريين في أزمة؛ وجاءت الانتخابات الرئاسية المؤخرة كخطوة في الاتجاه الخاطئ عمقت الأزمة التي يمكن القول عنها بأنها المنتقلة قسراً وحديثاً إلى مرحلة تكريس تقسيم لثلاث مناطق في سوريا، وتقع مسؤولية هذا التكريس الانقسامي على كل من يحاول تفريغ أو الالتفاف على القرار 2254 إن كان نظاما أو ضده، وإن كان قوة إقليمية أو دولية. رغم ذلك فإنه في مكان ما يمكن القول بأن جميع المتداخلين في سوريا يبحثون اللحظة في النهايات؛ وليس بالمهم عندهم أن تكون بالسعيدة؛ فالأهم أن تناسب مصالحهم، لكن مصالح الدول شيء وعمق الاصطدامين الإقليمي والدولي في سوريا شيء آخر. بخاصة إذا ما أدركنا بأن الأميز في قمة بي بي/ PB بايدن وبوتين كرئيسين لبلدين تمتاز فيهما سياسة بلديهما بالنفس الطويل ولكنهما متصالحان مع تاريخ بلديهما: إذْ أن كل من روسيا القيصرية وأمريكا في الحروب الكونية تصطف مع بعضها في الضفة نفسها دون أن تلتفت إلى الأيديولوجية، وبعد النصر والانتهاء من تنصيب أعلى قدر من تحقيق التفاهمات ينشطران ما بينهما ضمن مفهوم مستوى متقدم من إدارة الأزمات. ربما سيبدو ما تقدم من وجهة نظر الكثير بالتحليل المحض والاستدلال النظري. لكن كسوريين مقتنعين إلى درجة وبحكم التدويل والتداخل بأن حلاً ما لا يأتي دون موافقة كل من واشنطن وموسكو بالدرجة الأولى. بالرغم من (لكن) كهذه فإنه من المهم تخفيض نسبة ما ينجم عن هذه القمة؛ على الرغم من أنها قد تكون قمة مهمة جداً؛ وقد تصل فيها الأمور إلى حد أن تكون بالمهيأة والمرتبطة بما يأتي بعدها الذي ينعقد من المؤتمرات والقمم ذات الصلة بذات العلاقة؛ لكن الاعتقاد الأصوب مفاده هنا بأن هذه القمة لن تصل إلى مستوى أهمية مؤتمر طهران 1943، أو قمة بوتسدام 1945، أو قمة/ مؤتمر يالطا 1945، وهي قمم جمعت المنتصرين في الحرب العالمية الثانية (روزفلت وستالين وتشرشل) والكيفية التي نشأت فيما بعد إدارة حوكمة عالمية متصلة ومتناقضة في الوقت ذاته.
البعض سيكون قد ارتكب خطأ جسيماً حينما يفكر بإعادة تعويم نظام الاستبداد المركزي مع تطعيم لشخصيات في المعارضة لنكون أمام إعادة انتاج أمثلة فاشلة في المنطقة. كما ستكون كل قوة قد ارتكبت الخطأ نفسه حينما تعول اللحظة على مد التحالف مع نظام الاستبداد المركزي تحت حجة مواجهة مشاريع تركيّة أو إيرانية مهددة للمنطقة، وهؤلاء هم أنفسهم بالذين راهنوا سابقاً على شخصيات محسوبة على المعارضة ليتحولوا بالمجمل إلى أجزاء من الأزمة. في الحقيقة حتى اللحظة لم تأخذ القوى المعارضة الوطنية الديمقراطية السورية نصيبها الكافي من الدعمين الإقليمي والعالمي على أساس بأن الأزمة السورية ملف تحضره اللحظة الرؤيتين الإقليمية والدولية، وبأن سوريا جزء من محيطها الإقليمي والعالمي. أما إذا ما خصصنا أكثر تأخر الحل فيمكن القول في غالبه بسبب التفات الظهر شبه الكامل للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ومظلتها السياسية مجلس سوريا الديمقراطية إلى درجة اتفاق واضح بين متشددي النظام والمعارضة والدول المتداخلة في سوريا والمتناقضة إلى إفشال هذه التجربة التي تشكل أرفع نموذج موجود في الساحة السورية ويعبر عن عمق الحل السوري وترجمة متقدمة لماهية وعصارة مرحل وتفاصيل القرار الأممي 2254. دون أن يعني بأن أخطاء الإدارة الذاتية غائبة ونواقصها وعيوبها غير موجودة، وهنا فإن ذلك يعد مسؤولية عموم القوى الوطنية الديمقراطية السورية التي حان لها أن تخطو الخطوة الأولى في اجتماع سوري عادل لها تظهر من خلال هذا الاجتماع/ مؤتمر عام بأن المعارضة باتت جاهزة للاشتباك وهي في اجتماعها تشكل حالة متقدمة من الاشتباك ونظام الاستبداد المركزي، وربما هذا هو المقصود تماماً من قول غرامشي عن حيثيات فترات الانعطاف ومخاطرها التي لا تحمد عقباها في التي تخلق نتيجة قديم لم يمت وجديد لم يولد؛ إننا في مرحلة الوحوش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق