الرأي

“الإخوان” وفلسطين: جهاد بالشّعارات أم متاجرة بالقضيّة؟

منير أديب

القضية الفلسطينية من أهم القضايا التي تشغل عقول كل العرب والمسلمين ووجدانهم، ولعلها أولى القضايا وأنبلها التي يجتمعون عليها، وبرغم أن تنظيم “الإخوان المسلمين” رفع شعارات التحرير منذ اللحظة الأولى للنكبة عام 1948 وما قبلها، إلا أنه عملياً لم يحقق شيئاً من هذه الشعارات، متهماً غيره بالإفراط والتفريط، سواء الفصائل الفلسطينية أم سلطة الشعب الفلسطيني أم حتى الدول العربية ومشاركة جيوشها في التحرير، وباتت الجماعة تحتكر الحديث باسم الشعب ونضاله.

فشل الإخوان في تحرير فلسطين، برغم أن الحكومة المصرية فتحت باب التطوع للقتال، وبرغم إعلان مؤسس الجماعة وقتها حسن البنا في مؤتمر عام أنه على استعداد لإرسال عشرة آلاف مقاتل بهدف التحرير، إلا أنه لم يُرسل سوى بضعة مقاتلين لم يحرروا شبراً واحداً من الأرض المقدسة، وباتت أدبيات “الإخوان المسلمين” التي صدّروها للنّاس تعج بجهود الإخوان ونضالهم في أرض المعارك، حتى أنهم من ضمن ما سردوه أن الإخوان كانوا يحررون الأرض تلو الأرض ويسلمونها للجيش المصري حتى تنتزعها قوات الهاغاناه الصهيونية بعد ذلك! 

 في الحقيقة لم يرسل مرشد الجماعة إلا بضع مئات، كما أشار في مذكراته، مع متطوعين آخرين قادهم أحمد عبد العزيز، وبغض النظر عن العدد الذي أرسله الإخوان للقتال في فلسطين، فشل الجميع في تحقيق الهدف، وأدرك الإخوان وقتها أن الحل الوحيد في القيام بحرب عصابات بدلاً من الهجوم على المستعمرات الصهيونية، نظراً الى حجم الخسائر البشرية التي وقعت بين عناصرهم، وهنا بدت الهزيمة، ففرق شاسع بين حرب التحرير والمقاومة التي بدأ الإخوان يسلكون طريقها.

 منذ اللحظة الأولى لصدور قرار تقسيم فلسطين إلى ثلاثة كيانات في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1947 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، وانسحاب القوات البريطانية في 15 أيار (مايو) عام 1948 من فلسطين، وكل ما تنتجه الجماعة عبارة عن شعارات لم تغن أو تسمن من جوع، ولم تحرر الأرض طيلة السبعين عاماً الماضية.

 لا أحد ينكر محورية هذه القضية بالنسبة الى الإخوان، ولكن على مستوى الشعارات فقط، نجح التنظيم من خلالها في مخاطبة الجماهير العربية والإسلامية في كل أنحاء العالم، ونجح من خلال ذلك أيضاً في اكتساب الجماهيرية التي أهّلته لتولي الصفوف وأن يصبح التيار الأكثر شعبية في أكثر من بلد عربي، فخلال سنوات الصراع الممتده كان يبحث العرب عن أي شعاع أمل يتحقق من خلاله التحرير المنشود.

 لن نطرح السؤال: ما الذي قدمه الإخوان للقضية الفلسطينية؟ ولكننا سوف نتساءل: ما هو دور الإخوان المسلمين في التحرير؟ بخاصة أن الحكومة المصرية شاركت ضمن سبعة جيوش عربية في التحرير وتم فتح الحدود أمام المتطوعين، وهنا اختفى الإخوان، وبالأحرى اختفى دورهم إلا من شعارات ما زالت تطنطن في الأذن من دون أن تحدث شرخاً في جدار الاحتلال، غير بعض الاتهامات بأن الأنظمة العربية خذلت فلسطين!

 نجح الإخوان المسلمون، ولكن في تشويه السلطة الفلسطينية التي باتت الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهنا خرجت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” عن الإجماع الفلسطيني، ليس في مقاومة إسرائيل، ولكن في تفتيت الوحدة الفلسطينية، فباتت غزة التي تسيطر عليها “حماس” والضفة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، وباب الانقسام هو عنوان المرحلة، وباتت هناك مؤسسات أمنية في كلٍ من غزة والضفة، وخرجت “حماس” عن سلطة السلطة، التي اجتمع عليها الفلسطينيون، معتبرين رئيسها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني أمام العالم.

لا شك بأن “حماس” أحرزت أهدافاً لمصلحتها أمام السلطة الفلسطينية، ولعل الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد غزة كانت سبباً في تحقيق إحراز هذه الأهداف لمصلحة “حماس” والإخوان، فدائماً المعارضة في أي مكان تحقق شعبية، لأن صوتها أقوى ونبرتها أعلى في النقد، وبالتالي في الاقتراب من الجماهير، بينما السلطة تتحصن بالمواقف السياسية وهي غير ملزمة بإعلان كل شيء عنها لمواءمات، على كل الأحوال تضخّمت “حماس” بالشكل الذي نراه الآن بعدما أعلنت عن نفسها في 6 كانون الأول (ديسمبر) من العام 1987، ولاحظ هنا مشاركة الإخوان في حروب فلسطين ومشاركتهم الفاعلة، كما أشاروا في نهاية الأربعينات، وبين وقت الإعلان عن الحركة في نهاية الثمانينات.

 ارتفع صوت الجهاد على لسان الإخوان المسلمين مرتين، مرة في الأربعينات من القرن الماضي عندما قال مؤسس الإخوان إنه سوف يرسل عشرة آلاف مقاتل، ولم يرسل سوى بضع مئات مع متطوعين آخرين، لم يحققوا أي إنجاز حقيقي على أرض الواقع، وباتت القضية الفلسطينية منذ هذا التاريخ أسيرة الشعارات أكثر من خمسين عاماً حتى تمام إعلان “حماس” عن نفسها، وجاء في قانونها الأساسي أنها جزء من الإخوان المسلمين، وهنا انتقل جهادها من مجرد الشعارات إلى اتهام الأنظمة السياسية في العواصم العربية، مدّعية أنها لم تناصر فلسطين ولا قضيتها!

 وهنا استفاد الإخوان من نضالهم السابق في بدايات الاحتلال وبدأوا يحرزون أهدافاً حقيقية على مستوى الشعبوية، فصدّروا أنهم المقاومة الحقيقية! وأن صدهم لإسرائيل بالسلاح هو ما سيدفع إسرائيل الى طاولة المفاوضات أو قد يحقق التحرير من النهر للبحر. في الحقيقة نجحت سياسة “حماس” وساعدتها في ذلك سياسة الحكومات المتعاقبة التي وقفت أمام إقامة الدولة الفلسطينية أو تحقيق إنجاز حقيقي في اتفاق سلام حتى ولو كان مرحلياً، وهنا نجحت “حماس” شعبوياً، ولكن بالسلوك الإسرائيلي، وما بين سياسة “حماس” وهجمات إسرائيل على الفلسطينيين أصبح صوت السلطة الفلسطينية خفيضاً، وغير مسموع، وبات حل القضية أكثر تعقيداً من قبل.

 الحرب التي خاضتها إسرائيل ضد غزة في أيار (مايو) عام 2021 واستمرت 11 يوماً، كشفت عن متاجرة “حماس” بالقضية الفلسطينية، وربما أثبت ما ذكرناه ولمّحنا إليه في السطور السابقة، فمن الخسائر التي جناها الفلسطينيون من وراء هذه الحرب، تحوّل فلسطين قضية فرعية تناقشها إيران ضمن سلوك الميليشيات المسلحة التي زرعتها في منطقة الشرق الأوسط، على اعتبار أنها صاحبة تصدير تكنولوجيا الصواريخ إلى الحمساويين، وهو ما أزعج الولايات المتحدة وإسرائيل معاً، وربما دفع الأولى لطرح القضية ومحاولة تهدئة الأجواء في فلسطين على طاولة المفاوضات في فيينا أثناء مناقشة عودة الاتفاق النووي مع إيران.

 وهنا باتت فلسطين قضية فرعية ضمن قضايا تناقش مع إيران، مثلها مثل مناقشة سلوك “حزب الله” اللبناني والعراقي والحشد الشعبي في العراق والحركة الحوثية في اليمن، وهكذا تحولت فلسطين التي كانت تمثل قضية العرب الأولى، والتي كانت توضع منفردةً على طاولة المفاوضات، مجرد قضية ثانوية يُناقشها الأميركيون مع إيران في إطار تهدئة في منطقة الشرق الأوسط، فإيران هي التي أعطت “حماس” الصواريخ وهي التي تمنعها إن أرادت، وهنا أصبحت “حماس” مجرد أداة في يد إيران تحقق من خلالها مصالحها السياسية وأهدافها في المنطقة.

 لم يكن مستغرباً أن تنخرط “حماس” في ذلك، فتخرج الى العلن وتعلن شكرها لإيران وفيلق القدس بعد انتهاء الحرب، إيران التي سبق وأعلنت أنها احتلت 4 عواصم عربية، ووجهت أسلحتها إلى صدور العرب، وهددت الأمن العربي وما زالت توجه سهامها إليه، فبرغم أن الإخوان المسلمين في سوريا أحد مكوّنات ما سُمي بالثورة السورية، بل هو المكوّن الرئيسي لهذا الحراك، إلا أنها وجهت الشكر للرئيس السوري بشار الأسد، كما وجهت الشكر نفسه لإيران، الموجوده بقوات داخل سوريا، هدف هذه القوات قمع أي تحرك من شأنه زحزحة بشار عن السلطة، وهنا بدا التناقض والمتاجرة، كما بدت واضحة سيطرة إيران على “حماس” وضمّها الى ميلشياتها في المنطقة.

 وهنا نجحت إيران في احتلال عقل “حماس” وإرادتها، وكشفت عن وجه آخر من أوجه العلاقة بين حركة الإخوان المسلمين وإيران، كما كشفت الجزء الأكبر من براغماتية التنظيم، الذي ثار على بشار الأسد فقتل شعبه، بحسب روايات الإخوان المسلمين، من خلال السلاح الإيراني، وهنا بدا الدور الأخلاقي الغائب للحركة وتجارتها بالقضية الفلسطينية.

 بعد انتهاء الحرب طالبت “حماس” العرب بإعادة إعمار غزة التي دُمّرت نتيجة استخدام الحركة للسلاح الإيراني، لم تتأخر مصر يوماً ولن تتأخر الدول العربية أجمع في دعم القضية الفلسطينية، ولكن باب الشكر لإيران على هذا الاحتلال كشف الحقيقة الغائبة عن “حماس”، فالعرب الذين تتهمهم “حماس” والإخوان بالخذلان أصبحوا مطالبين بإصلاح ما أفسده السلاح الإيراني!

 تأخذ “حماس” مع إيران قرار الحرب وتحدّد موعده مع “الإخوان المسلمين” مع شكل التصعيد العسكري، بعدها تُطلق “حماس” صواريخ التخوين للأنظمة العربية وتخاذلها، وتُطالبها في الوقت نفسه بإعمار ما أفسده الإخوان بقرارهم المنفرد الذي لم تستشر فيه “حماس” أي دولة من الدول التي تتهمها بالخذلان.

 يبدو موقف “حماس” مشابهاً لموقف “الإخوان المسلمين” في المغرب، فرئيس الوزراء المغربي، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (إخوان مسلمون) سعد الدين العثماني، وجه الشكر لحركة “حماس” بعد تحقيق الانتصار في الحرب على ما سماه بالكيان الصهيوني، في حين أنه أقام تطبيعاً مع هذا الكيان معترفاً به قبل خمسة أشهر، وهنا نستطيع القول، إن  للإخوان المسلمين خطابين، أحدهما شعبوي يتحدث عن الجهاد والنضال والحرية مغلفاً بالقيم وغالباً ما يكون هذا الخطاب عاماً وعلنياً، وشعار آخر يتاجرون من خلاله بالقضية الفلسطينية بعيداً عن القيم التي تحملها هذا الشعارات في العلن، وهو المعبّر الحقيقي عن موقفهم من فلسطين، وهنا جاهد الإخوان المسلمون وفرعهم “حماس” بالشعارات ولم يمنعهم ذلك من المتاجرة بالقضية أيضاً. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق