جولة الصحافةفيديو

المافيوزي بيكير يفكّك شيفرة ثلاثية “الدولة السياسة المافيا” في تركيا ويسقط أذرع أردوغان واحداً تلو الآخر

بسيناريو شبيه بنوستالجيا أفلام المافيا، كـ “العراب”، يروي المافيوزي التركي سيدات بيكير قصصاً تكشف رموز مثلث “الدولة-السياسة-المافيا” في تركيا من خلال مقاطع فيديو من إعداده وبطولته وإخراجه ينشرها على حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي في حرب “كاميكاز” أعلنها ضد شركاء الأمس وخصوم اليوم متوعداً بـ”هزيمتهم من خلال كاميرا وترايبود (حامل الكاميرا)” كما يقول.

خمس مقاطع فيديو (حتى ساعة كتابة المقال) على مدى اسبوعين، حصدت ملايين المشاهدات في فترة الإغلاق الكامل المفروض في البلاد بسبب انفجار تفشي جائحة كورونا، وعطلة العيد التي تبعت ذلك، متفوّقة على المسلسلات التركية، التي دأبت حكومة أردوغان على انتاجها مشبّعة بالرسائل السياسية خدمة لسياسة العثمانية الجديدة من جهة ولترسيخ مفهوم “المافيا الوطنية، التي تسخّر قدراتها وعلاقاتها من أجل مصلحة الأمة التركية والإسلامية” كحال مسلسل “وادي الذئاب” من جهة أخرى.

ساعة من “التشويق والإثارة” يمضيها مئات آلاف الأتراك المتابعين لمقطع الفيديو، فور نشره، وسط وعود بيكير بوجود المزيد في جعبته، ضمن خطة “التفاوض بالفيديو” التي يتّبعها المافيوزي التركي من دبي، مستهدفاً أذرع أردوغان الضاربة واحداً تلو الآخر، دون المساس به شخصياً، حتى الآن، كنوع من الحرص على عدم احراق سفن العودة إلى البلاد من جهة، وتفادي الصدام مع قاعدته الشعبية.

فمن هو ساديت بيكير وما محتويات فيديوهاته التي باتت تفجر الفضيحة بعد الآخرى في وجه حكومة أردوغان، ولماذا يقوم بتسريب هذه المعلومات؟

من هو بيكير باختصار؟
ظهر أسم رجل المافيا التركي سيدات بيكير إلى العلن للمرة الأولى عام 1997، حينما مثل أمام القضاء في عمر الـ 26، بتهمة قتل أحد أشهر المهرّبين الأتراك ويدعى عبد الله طوبجي، في الدعوى التي انتهت بالحكم على اثنين من رجاله بعقوبة الحبس المؤبد وتبرئته.

توالت الدعاوى القضائية بحق بيكير، الذي نجح في تجاوزها بسلام محصّناً بسلطة الدولة، في فترة محاربتها لـ”حزب العمال الكردستاني” بـ “المافيا الوطنية”، وهو النهج الذي انكشف بالصدفة عن طريق حادث سير في منطقة سوسورلوك، أدى إلى مقتل أحد أهم المطلوبين في تركيا، رجل المافيا عبد الله جاطلي، ومدير مدرسة شرطة اسطنبول حسين كوجاداغ فيما نجا عضو البرلمان عن حزب “الطريق القويم” ضمن التحالف الحكومي آنذاك سيدات اديب بوجاك. الفضيحة التي كشف عنها الحادث لم تتمثل بوجود هؤلاء في سيارة واحدة فقط، بل في الهويات الأمنية ورخص حمل السلاح التي كانت بحوزة جاطلي المطلوب قضائياً والمتخفي بهوية ممنوحة له من قبل وزارة الداخلية التركية تحت أسم محمد أوزاي.

شهد الدور السياسي للمافيا التركية، المعروفة بارتباطها تقليدياً باليمين القومي المتطرف، وولائها لحزب “الحركة القومية” سياسياً، ومنظمة “الذئاب الرمادية” كجناح مسلح، انحساراً في بدايات حكم “العدالة والتنمية”، الذي حاول استبدال “المافيا الوطنية” المؤتمرة بتعليمات المؤسسة العسكرية المغالية في عدائها للإسلام السياسي، بجماعة غولن الإسلامية “الأكثر وفاء ووثوقاً” لأداء الأدوار السياسية وتنفيذ الأحكام الميدانية الخارجة عن نطاق القانون، ضمن معادلة جديدة تشكّل أركانها ثلاثية “الدولة-السياسة-جماعة غولن”.

بدأت جماعة غولن (نسبة لزعيمها فتح الله غولن) القصاص من أعدائها التقليديين، ضباط الجيش ورجال المافيا المرتبطين بهم، فكان سيدات أحد “ضحايا” عملية الثأر. اعتقل في سياق “عملية الفراشة” في آذار(مارس) 2005، وحكمت عليه محمكة اسطنبول التاسعة في كانون الثاني(يناير) 2007 بالسجن 14 عاماً بجرائم “إنشاء وإدارة منظمة إجرامية” و “القيام بعمليات خطف وحجز حريات بقوة السلاح” و “تزوير مستندات رسمية”.

نتج عن خصومة شركاء الأمس (أردوغان-غولن)، فراغاً في تركيبة السلطة التركية ثلاثية الأركان، فكان لا بد من اعادة الاعتبار لبيكير وأمثاله لتعبئة الفراغ الحاصل، فتم اطلاق سراحه في آذار(مارس) 2014، ليلتقي بعد عام بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال حفل زفاف الصحافي الموالي طه أون وسكرتيرة زوجة أردوغان.

قام صديق بيكير، بولنت يلدرم، رئيس جمعية “الإنسان والحق والحريات” للمساعدات الانسانية “IHH” بتقديمه للرئيس التركي كأحد الرجال الموثوقين، ليتحول بيكير من قومي يدين بالولاء للعسكر إلى قومي-إسلامي يرفع شعار “الذئاب الرمادية” بيد، وشعار “رابعة” بيد أخرى، وتبدأء حملة تبييضه سياسياً واعلامياً من رجل مافيا مدان بأعمال قتل وخطف وتزوير، إلى رجل أعمال محب لعمل الخير، حيث اختارته صحيفة “ميلييت” الموالية لأردوغان رجل أعمال العام الأكثر اسهاماً في الأعمال الخيرية، بعد تقديماته وتبرعاته لجمعيات رعاية الأيتام، والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومرضى السرطان، في “نشاط خيري” امتد إلى الخارج أيضاً عبر شاحنات مواد اغاثية لتركمان سوريا وسيارات دفع رباعي للفصائل المسلحة، بالتزامن مع تنظيمه للقاءات جماهيرية دعماً لأردوغان ومرشحيه في الانتخابات البرلمانية والإدارات المحلية، حيث اعتاد على القاء الخطب الممجدة للرئيس التركي عن المنابر، رافعاً الشعارين المذكورين وبجانبه أحد رجال الدين التابعين لطريقة “اسماعيل آغا” الدينية المقربة من أردوغان أيضاً، ومهدداً جماعة غولن “بشنقهم على أعمدة الإنارة”، والأكاديميين المعارضين لحروب أردوغان في الخارج “بالسباحة في برك من دمهم”.

نقطة الانكسار
انخرط بيكير في حرب التيارات داخل السلطة منحازاً إلى وزير الداخلية “سليمان صويلو” ضد صهر أردوغان ووزير ماليته السابق برات البيراك، وحسب معلومات لـ”النهار العربي” من 3 مصادر مطلعة على حيثيات قضية بيكير، ومتابعة لملفات المافيا التركية، فإن هذا “الرهان الخاسر” كان له عدة أسباب أهمها:

-قوة صويلو كوزير للداخلية وتحكّمه بمفاصل الإدارات والمؤسسات، التي يحتاج بيكير لدعمها، أو بالأحرى، لغض طرفها، للقيام بأعماله: من شرطة وأمن واستخبارات وحتى القضاء.

-معرفته القديمة بصويلو، من أيام تسلم الأخير لمناصب رفيعة في حزب “الطريق القويم” برئاسة تانسو تشيلير، ولاحقاً ترؤسه للحزب الديموقراطي (اتحاد حزب الطريق القويم وحزب الوطن الأم)، حيث كان بيكير أحد الأجنحة الضاربة التي مكّنت صويلو من السيطرة على التشكيلات الشبابية بداية والمجلس القيادي للحزب لاحقاً.

-رغبته في التقرب من رئيس حزب الحركة القومية دولت باهتشيلي، المعروف بانحيازه لرجل المافيا التركي المنافس لبيكير، علاء الدين جاكيجي. وكان صويلو، الذي يوصف برجل باهتشيلي في حزب العدالة والتنمية الخيار الأفضل لانجاز هذا التقارب.

كل هذه الأسباب، وغيرها، جعلت من بيكير رجل وزير الداخلية التركي في الظل، وممول أعماله غير الشرعية، وهو ما فتح باب جهنم في وجهه، فاضطر إلى مغادرة تركيا عام 2019 بطلب من صويلو بسبب دعوى قضائية رفعها أحد رجال الأعمال متهماً إياه بتهديده بالقتل من أجل تحصيل دين لخصم له قام باستئجار بيكير لاستعادة أمواله مقابل نسبة منها. ورغم نجاح صويلو في اقناع رجل الأعمال بسحب شكواه، إلا أن محكمة اسطنبول الواقعة تحت سيطرة البيراك في حينه تابعت السيرة في الدعوى بتوجيه تهم تشكيل عصابة منظمة والقيام بأعمال اجرامية لبيكير.

لجأ بيكير بداية إلى جمهورية الجبل الأسود، ومن ثم مقدونيا، لعلاقاته الوثيقة مع المافيا البلقانية والشرق أوروبية، وقام بتسجيل عدد من مقاطع الفيديو هناك تحدث فيها عن “المؤامرة التي حيكت ضده” لكن دون أن يبلغ سقف رجالات السلطة، ليتوقف عن تسجيل هذه المقاطع بطلب من صويلو، الذي وعده بإعادته إلى اسطنبول في نيسان (أبريل) عام 2021.

ورغم وثوق بيكير بوعود “مشغله” وقيامه بارسال عائلته إلى تركيا، إلا أنه حصل على معلومات تفيد عن نية الحكومة التركية بالقاء القبض عليه بمساعدة السلطات الأمنية المقدونية، حيث لتركيا نفوذ كبير في هذا البلد، فالتجأ إلى المغرب، ولاحقاً إلى دبي، بعدما ترددت على مسامعه معلومات حول عرض تركي للسلطات المغربية بالحصول على بيكير مقابل صفقة طائرات بدون طيار تركية.

وجد بيكير في دبي ملاذاً آمناً، وبدأ من هناك حربه على صهر أردوغان بيرات البيراك وشقيقه، امبراطور الإعلام في تركيا، سيرهات البايراك بداية، ومن ثم رجل الظل في تركيا محمد أغار، أحد أذرع أردوغان الضاربة، ولاحقاً وزير الداخلية سليمان صويلو، بسبب ادلائه بتصريح، تحت ضغط الرئيس أردوغان، وصف فيه بيكير بالقذارة، دون أن يقترب حتى الآن من الرئيس أردوغان.

وإن كان عداء البيراك لصويلو وبالتالي لبيكير مفهوماً ضمن حدود صراعات السلطة في أنظمة قائمة على حكم الرجل الواحد، حيث يقاس حجم القوة والنفوذ بمدى قرب الشخص من السلطان، إلا أن رضى أردوغان “الضمني” عن معاقبة بيكير، وهجوم الأخير الحاد على محمد أغار، أحد رجالات الدولة العميقة في تركيا، تخفي وراءها ملفات شائكة من عمليات تجارة النفط والمخدرات وتبيض الأموال وتكنيز الثروات، في ظل خطة أردوغانية شاملة للاستغناء عن الرجالات المشكوكة في ولائهم بالتزامن مع “تقلص حجم الكعكة”، وهو ما سنتناوله بإسهاب في الجزء الثاني من المقال غداً.

جريدة النهار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق