الرأي

احياء الإرهاب من خاصرة الديمقراطية

ليلى موسى

بلدة الهول، تلك البلدة التي تقع شرقي مدينة الحسكة بـ 40كم، والتي خضعت لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي الذي نشر فيها الخراب والدمار وفرض الأحكام الجائرة لمدة عامين على سكانها إلى أن تمكنت قوات سوريا الديمقراطية، وبمساندة من التحالف الدولي تحريرها بعد سنتين من إرهاب داعش واضطهاده في 13\ تشرين الثاني\ 2015م. البلدة التي تضم مخيماً لللاجئين هذا المخيم الذي تأسس أول مرة لاستقبال اللاجئين العراقيين عام 1990م إبان حرب الخليج الثانية بين العراق والإيران، وأعيد فتحه في 2003 لاستقبال اللاجئين إبان سقوط حكم الرئيس العراقي السابق صدام الحسين.
وبعد تمكن قوات سوريا الديمقراطية من تحرير جميع الأراضي من سيطرة التنظيم وكانت أخرها بلدة الباغوز بتاريخ 23\أذار\2019م، والذي بموجبه اضطرت قيادات التنظيم إلى رفع رايات الاستسلام لقوات سوريا الديمقراطية، لتقوم هذه القوات بنقل أسرى من عناصر التنظيم إلى السجون ووضع أطفالهم ونسائهم في المخيمات وبالتحديد مخيم الهول.
السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الجميع؛ لماذا اختارت هذه القيادات الاستسلام لقوات سوريا الديمقراطية وليس لجهة أو دولة أو قوة أخرى؟ مع أن داعش لطالما حاربت مناطق الإدارة الذاتية وقواتها العسكرية بذريعة الالحاد والكفر، والمثير للتساؤل كيف تكون مناطق الإدارة الذاتية بيئة للكفر والإلحاد بحسب منطقهم وبنفس الوقت مأمن لهم ولعوائلهم.
وعند توجيه سؤال لمعظم نساء داعش اللواتي قابلتهن بعد تحرير الباغوز بفترة وجيزة، لماذا اخترتم قوات سوريا الديمقراطية للاستسلام لهم والعيش تحت كنفهم طالما أتهتموهم بالكفر والالحاد وغيرها من الصفات؟ فكان الجواب صادماً لي بعض الشيء بأن؛ “الديمقراطية التي تتحلى بها هذه القوات واحترامهم للنساء والمكانة التي تتحلى بها المرأة عند الإدارة الذاتية هي الأفضل والأكثر أماناً من القوى والدول الأخرى، وبأن هذه القوات لن تسيء معاملة نساء التنظيم وبالتالي لن تكون هناك عمليات اغتصاب وغير ذلك بحق المرأة، بل على العكس ستتمكن المرأة من تربية أطفالها والعيش بكرامة وجسدها مصان لذلك اختارت قياداتنا الاستسلام لقسد”.
للوهلة الأولى يتبين لنا بأن هذا الجواب مقنعاً نوعاً ما وخاصة أن تنظيم الدولة يرى شرفه وكرامته تكمن في جسد المرأة، لذلك الحفاظ على هذا الشرف سيكون من أولويات تفكير واستراتيجيات التنظيم.
ولكن هل هذا كل الحقيقة؟ بالطبع لا، هي أحد أوجه الحقيقة. والجانب الأهم هو توفير بيئة ملائمة تحظى بالأمن والاستقرار لإعادة تنظيم الدولة لملمة نفسه بعدما مني بخسائر فادحة في الأرواح والذخائر والجغرافية… إلخ. وسيكون ذلك من خلال النساء اللواتي سيمد التنظيم بأجيال وتربيتهن لأطفالهن على نهج دولة الخلافة والثأر وإمداد الدولة بأجيال متشبعة بأفكار وايديولوجية التنظيم المتطرفة القائمة على القتل والثأر والدمار والاستبداد والاستعباد وثقافة الكراهية ورفض الأخر وحاقدين على كل ما هو مختلف عنهم. وما رفض الأمهات من إلتحاق أطفالهن بالمدارس وتلقي التعليم خير دليل على اصرارهن على تربية أطفالهن وإبقاءهم تحت سيطرتهن وتشربهم من أفكار التطرف والإرهاب.
استراتيجية داعش ما بعد الباغوز:
عندما واجه التنظيم خطر الخسارة من الناحية الميدانية والعسكرية، وللحفاظ على ديمومته واستمراريته وخاصة من الناحية الايديولوجية شجّع على الانجاب كأحد جوانب استراتيجيته لما بعد الانكسار للحفاظ على استمراريته. وكان ذلك ملفتاً بعد خروج من الباغوز الكم الهائل من أطفال صغار السن ونسبة الحوامل بالرغم من قساوة الصراع والقصف المستمر، وفي ظل غياب الرعاية الصحية والتغذية وانعدام الأمن والاستقرار.
بالمختصر، رغم أن التنظيم كان يفتقد إلى جميع مقومات الأمن الإنساني، إلا أن تنظيم داعش كان يحث ويُلزم النساء على الانجاب، وحتى كان يفرض الزواج على القاصرات والنساء غير المتزوجات في أيامه الأخيرة. واتباعه سياسة الانجاب لم تتوقف حتى بعد الباغوز، بل على العكس تم استغلال فترة تواجد النساء داخل المخيم والحالة الديمقراطية التي تتحلى بها قوات سوريا الديمقراطية والمكانة المرموقة التي تحظى بها المرأة لدى هذه القوات وإدارتها الذاتية. إضافة إلى ضعف الإمكانيات والبنية التحتية وتهديدات دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها وهجماتها المستمرة على مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا بهدف تشتيت تركيز قوات قسد وإعطاء منفس وأمل وانتعاش للتنظيم.
العلاقة العضوية بين حكومة العدالة والتنمية وتنظيم داعش باتت معروفة للجميع، بالإضافة إلى غياب شبه تام لمنظمات المجتمع الدولي وعدم القيام بواجباتها الأخلاقية والقانونية والإنسانية بدعم الإدارة الذاتية. وعدم قيام بعض الدول بسحب مواطنيها من المخيم. وعدم تقديم المنظمات الدولية الدعم والمساعدة لإخضاع عوائل تنظيم داعش لدورات تنمية وإعادة تأهيلهم ودمجهم مع المجتمع بإشراف مختصين أو بناء مخيمات تعمل على فصل هذه العوائل عن بعض. والعمل على تكثيف الجهود والتركيز على تنشئة الأطفال على أسس ومناهج سليمة وصحيحة وإخضاع هؤلاء الأطفال وأمهاتهم لدورات تأهيل نفسي لما عاشوه جراء الصراعات وتشربهن من إيديولوجية التطرف والسواد.
حيث أسهم غياب كل ما تم ذكره أعلاه كانت بمثابة فرصة منحت لهؤلاء النسوة الأرضية المناسبة على تنشئة ورعاية أطفالهن على نهج وايديولوجية التنظيم. ولم تتوقف سياسة الانجاب عند هذا الحد بل على العكس تماماً حتى بتواجدهم داخل المخيم كانوا يلجؤون إلى الزواج حتى من المراهقين والتركيز على الانجاب واصرار النساء على تربية أطفالهن على نهج الخلافة والثأر لقتلاهم ورفض الأخر.
إذا ماهي العوامل التي أسهمت في انجاح هذه الاستراتيجية؟
الأعداد الضخمة لعوائل داعش والتي يفوق عددها عشرات الآلاف وحشدهم داخل مخيم واحد بسبب قلة الإمكانيات وظروف الحرب القاهرة والاستثنائية وضعف البنية التحتية من كافة النواحي. هذا الحشد الكبير حقق لهم عنصر قوة وشكل أرضية مناسبة وبيئة خصبة لإعادة إنعاش الروح في دولة الخلافة من خلال تأسيس ما يشبه دويلة خلافة داخل المخيم بشكل سري. وإلزام الجميع بتعاليم الدولة وإقامة الحد وقتل كل من يفكر خارج دائرة ايديولوجيتهم أو مجرد التفكير بترك التنظيم. بذلك تحول المخيم إلى أخطر بؤرة لتصدير الإرهاب والتطرف. ونظراً لازدياد حالات القتل والجرائم داخل المخيم وما يشكله من تهديد على الأمن والاستقرار، كل ذلك دفعت قوات سوريا الديمقراطية إلى إطلاق حملة باسم “الإنسانية والأمن”، لما يحمله هذا اسم من دلالات. طالما حاربت هذه القوات واستطاعة حماية العالم والإنسانية من أعتى تنظيم إرهابي. هذه الحملة التي شاركت فيها قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة وقوات الأمن الداخلي (الاسايش) بتاريخ 28 أذار، حيث كشفت هذه القوات في بيانها حول الحملة إلى أن ” أكثر من 60 ألف شخص من 57 دولة، غالبيتهم الساحقة من أسر أفراد “داعش”، إضافة إلى العديد من عناصر التنظيم الإرهابي الذين تسللوا إلى المخيم كمدنيين، بهدف العمل ضمن المخيم وتنظيم أنفسهم مرة أخرى، قاموا بتنفيذ العديد من عمليات الإعدام، وصلت إلى أكثر من 47 عملية إعدام داخل المخيم منذ بداية العام الجاري، وتم خلال الحملة القبض على 125 من أعضاء خلايا داعش النائمة، إضافة إلى 20 من المسؤولين عن الخلايا والاغتيالات التي حدثت في المخيم، كما تم العثور على مستلزمات عسكرية أثناء حملة التفتيش، إضافة إلى دارات إلكترونية تستخدم في تحضير العبوات الناسفة”.
حالة الديمقراطية التي تتمتع بها الإدارة الذاتية وقوانينها الإنسانية، واعتبار الأطفال على أنهم ضحايا حرب ومن حقهم العيش في كنف أمهاتهم.
إطالة عمر الأزمة السورية وعدم ايجاد حلول لها على المدى المنظور، وتهديدات الدولة التركية المستمرة على مناطق شمالي وشرقي سوريا أسهم في إنعاش داعش وامداده بالمزيد من الأمل.
عدم اعتراف جميع الدول بمواطنيهم من داعش. حيث وجد بعضهم الفرصة للتخلص من إرهابهم وسحب الجنسية منهم. وذلك تحسباً لأي استحقاقات ومساءلة قانونية مستقبلاً تثبت تورطهم في دعم داعش وخاصة حتى الآن وبالرغم من المطالبات والنداءات المستمرة من طرف الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا من أجل إقامة محاكمة دولية في مناطقها، إلا أنه حتى الآن بالرغم من وجود تعاطف من قبل بعض الأطراف إلا أنها لم تحظَ بقبول واعتراف أو بأخذ الدول لمواطنيهم.
ازدواجية معايير المجتمع الدولي والتهرب من مسؤولياته الإنسانية والقانونية تجاه الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وتبرير ذلك على أنهم يتعاملون مع الدول المركزية التي تحظى باعتراف من مجلس الأمن. رغم تعاملهم مع قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية من خلال تقديم المساندة والدعم العسكري في دحر داعش جغرافياً وميدانياً.
إذا، نحن أمام معضلة كبيرة وحلها يتطلب جهود دولية ومجتمعية وعلى كافة الأصعدة لتجفيف منابع الإرهاب والتطرف واستئصالها. كونها مشكلة عالمية وتضم مواطنين من معظم الدول والجنسيات. وهو تنظيم عالمي وينتشر في الكثير من الدول. لذلك طالما كانت انطلاقة وتأسيس دولة الخلاقة من سوريا فأي إنعاش للمنبع سيكون هناك تغذية وتجديد أمل للإرهاب على الصعيد العالمي، وبالتالي تهديداً على أمن واستقرار المنطقة والعالم.
الهول، هذه الكلمة التي تحمل معنيين أحدهما باللغة العربية ويقصد بها الخوف والفزع الشديد، وفي اللغة الكردية تعني الدكة أو المسرح، لذلك أما أن نبقى في خوفنا وفزعنا الدائم من عودة دولة الخلافة التي منشأها دويلة الهول، أو أن نتكاتف معاً لاستئصال وتجفيف منابع الإرهاب وننشد وندبك سوياً محتفلين ورافعين رايات انتصار الإنسانية والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية على التطرف والإرهاب والسواد، كما فعلناها بتكاتفنا في دحر تنظيم داعش ميدانياً وجغرافياً في أخر معاقله الباغوز.

ليلى موسى
ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية بمصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق