الرأي

“محاربة الكردستاني”.. العراق إذ ينجرف خلف أكاذيب تركيا

عندما تضع الأنظمة والحكومات نُصب أعينها التدخل في شؤون الدول الأخرى، تلجأ إلى اختلاق الحجج والذرائع الواهية، بهدف إضفاء نوع من الشرعية على انتهاك سيادتها، وتبرير ما تقوم به من استباحةٍ لأراضيها.

ولعلّ النظام التركي هو النموذج الأقذر في انتهاج هذا الأسلوب، لكون جميع حروبه وغزواته خارج الحدود مبنيّة على أكاذيب وأباطيل لا أساس لها من الصحة. وبينما يكون الهدف المعلن لتدخلاته هي مزاعم حماية الأمن القومي التركي، فإنها في حقيقة الأمر تنطوي على نوايا توسعية استعمارية، بات يعرفها القاصي والداني.

على هذا النحو، يبرّر جيش الاحتلال التركي جميع عملياته العسكرية في إقليم كردستان، متذرعاً بمحاربة مقاتلي حزب العمال الكردستاني. لكن خطواته وتحرّكاته على الأرض تكشف بجلاء زيف هذه الادّعاءات التي يروّج لها، وهي إنما تنمّ عن استراتيجية مكشوفة لتوسيع نطاق النفوذ، قائمة في الأساس على قضم المزيد من الأراضي، وإقامة أكبر عدد ممكن من القواعد والمقرات العسكرية.

وإلى جانب تسويقه لتلك المزاعم، ومحاولاته البائسة للتغطية على الأهداف الدفينة لغزواته، هناك في المقابل أصوات من داخل النظام التركي لا تجد غضاضة في البوح بالنوايا الحقيقية الكامنة وراء تلك العمليات، كوزير الداخلية الذي صرّح علانية، مع بدء العملية الأخيرة في منطقة متينا الجبلية بإقليم كردستان، أنهم في صدد القيام بخطوات في العراق على غرار ما فعلوه في سوريا! بل إن زعيم الحركة القومية المتطرفة، دولت باهجلي، ذهب أبعد من ذلك بالعودة إلى أسطوانته المعهودة، وهي الزعم أن “شمالي العراق” هي أرضٌ تركية تاريخياً، ويجب أن تعود لتركيا.

وبالرغم من وضوح الرسائل والأهداف التركية، يتفاجأ المرء من وجود بعض الأصوات العراقية، في بغداد وهولير، لا تزال تنجرف خلف أكذوبة أن العمليات العسكرية لا تعدو كونها تصفية حسابات بين أنقرة والعمال الكردستاني.

العراق في ظل تراكم أزماته الداخلية، وعلى كافة الأصعدة، غير قادر على مواجهة الجيش التركي، وهذا أمرٌ مفهومٌ ومبرّرٌ، لكنّ هذا لا يعني التغاضي عن الطريقة الانبطاحية التي يتعامل بها مع الاعتداءات والانتهاكات التركية، التي بلغت أوجها في الآونة الأخيرة، لدرجة أن يُقدم وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، على الدخول للأراضي العراقية، المتفرض أنها ذات سيادة، بدون التنسيق مع بغداد.

ذهاب بعض المسؤولين العراقيين مع الرواية التركية الكاذبة، عبر تحميل العمال الكردستاني مسؤولية التوغلات العسكرية في العراق، ليس سوى محاولة يائسة للهروب من مواجهة الحقيقة، ويأتي من باب المحافظة على المنافع والمكاسب الشخصية، التي قد يُصيبها قول الحقّ بالضرّر، كما أنه بمثابة منح رخصة مجانية للجيش التركي لمواصلة غزواته واعتداءاته.

إن نزعة التوسع والهيمنة هي المحرّك لجميع الصراعات التي يخوضها النظام التركي، ليس فقط في العراق، بل أيضاً في سوريا وليبيا وغيرها، ومن غير المتوقع أن يطرأ أي تغيير على نهج وطريقة تعامل أنقرة مع المحيط الإقليمي، في ضوء غياب ضغوط إقليمية ودولية فعلية.

من الغباء الانجراف خلف المزاعم التركية في الهجوم على العراق، بالنظر إليه كمجرّد حلقة جديدة من الصراع مع العمال الكردستاني، والتصديق بأنه لا ينطوي على أية أهداف ومآرب أخرى، لكون الحقائق على الأرض تُثبت أن جميع العمليات العسكرية التركية، داخل أراضي الدول الإقليمية، هي ذات طابع توسعي استعماري، وأن القاسم المشترك بينها هو الرغبة في توسيع نطاق النفوذ، جرياً وراء أحلام استعادة أمجاد السلطنة العثمانية البائدة.

ولو افترضنا جدلاً صحة أكاذيب أنقرة فيما يخصّ عملياتها في العراق، فكيف يمكن تفسير احتلالها لأجزاء واسعة من الأراضي السورية، بحجة حماية حدودها وأمنها القومي، دون أن يُسجَّل أي خرق أو تهديد لسيادتها وأمنها، طيلة أعوام من الصراع السوري؟ وأي تهديد شكّله الصراع الليبي لحدودها وأمنها القومي، لتتدخّل بكلّ زخمها العسكري فيه، وتُجهّز في الوقت ذاته لوجود دائم هناك، مع رفضها لجميع دعوات الانسحاب؟

هذه هي حقيقة النظام التركي، إذ إنه وبذريعة حماية الأمن القومي لبلاده، يُعطي لنفسه الحق في التدخّل بشؤون الدول وتهديد أمنها وسيادتها، وتحت هذا العنوان العريض لم يترك ساحة صراع في المنطقة إلا وعبث فيها، سعياً وراء أحلام وأمجاد وهمية. يا لها من مفارقة عجيبة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق