الرأي

الدولة التي تشكلت على مبدأ الإبادة

لدى العثمانيين ميراث كبير في التاريخ يدل على نهج الإبادة بحق شعوب ومكونات المنطقة دون تفريق، حيث لم يسلم الكرد والعرب والأرمن والسريان وكذلك الآشور، وكل من طالتهم يد العثمانية، من الإبادة والظلم والقمع والتطهير؛ هذه السياسة التي لم تمحها حتى الآن الدولة التركية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى، منذ عام ١٩٢٣ حيث ولادة الدولة التركية بشكلها الحالي، وهي تحاول عبر نهجها القومي المتعصب إتمام سياسات أجدادها العثمانيين من جهة وكذلك استعادة الهيمنة والتسلط وكل ما خسرتها العثمانية البائدة من حدود ومساحات، حافظت تركيا في عصرها الحديث على الموروثات التاريخية للعثمانيين لكنهم يريدون استعادة جغرافيتهم أيضاً ليكون وحسب اعتقادهم الشكل الأمثل لتاريخها القديم.

لذا فإن حالة العداء اليوم ضد الكرد من قبل تركيا حالة ليست بجديدة فقد سبق وأن قام العثمانيون بسلسلة من المجازر ضد الكرد، أشهرها مجزرة ديرسم وزيلان وطور عابدين وتم قمع عشرات الانتفاضات الكردية على مر التاريخ ضد سياساتهم بين عامي ١٥٧٤ وحتى عام ١٩٨٤، تجد تركيا اليوم بأن وجودها مرتبط بالفناء الكردي، حيث هذه المعادلة التي تراها تركيا هي المعادلة التي تحافظ على وجودها ودورها في المنطقة. من هذا المنطلق ومن أجل إعادة الحدود التي خسرتها إلى الهيمنة، وخاصة كردستان، لا بد لها من أن تقوم بالإبادة ضد الكرد بالدرجة الأولى حسب فهمها؛ لذا كانت انطلاقتها اليوم من المدن الرئيسة في تركيا سواء أنقرة أو إسطنبول والحد من الدور الكردي وسياسات القمع والتنكيل بحق الساسة والبرلمانيين مرتبطة بما تتخذه تركيا من ممارسات ضد الكرد خارج تركيا كذلك. مع أن السياسات المتبعة داخل تركيا ضد الكرد لهذا الهدف هي سياسات لا جدوى منها؛ لأن القضية الكردية قضية تحتاج إلى حل في تركيا، ومهما تم التعامل معها بعنف لن تستطيع تركيا أن تقضي على حقيقة وجود هذه القضية.

في روج آفا- شمال وشرق سوريا تتبع تركيا السياسة ذاتها، حيث احتلت عفرين ولاحقاً سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض بهدف التوسع والوصول إلى مشروعها المذكور وإعادة هيمنة الأجداد للأحفاد، في باشور تعمل بذات المستوى في العمل على جر قوى باشور كردستان إلى مخططاتها وألاعيبها، وتريد العمل بكل الأشكال لضمان أي جهة كردية تساند توجهاتها ضد الكرد الذين يشكلون وسواساً قهرياً لتركيا عبر بناء إرادتهم والعيش في جغرافيتهم.

على النطاق الإقليمي اليوم تتحرك تركيا وتريد تطبيع العلاقات مع كل الدول التي قاطعتها وتضع على رأس جدول أعمالها عملية تقييد الحراك الكردي في المنطقة وإتمام سياساتها ضد الكرد مهما لزم من تنازل تركي لهذه الدول، وسعي تركيا نحو مصر اليوم يتمثل بهذا الشكل. المغزى الرئيسي الذي لا بد أن يفهمه الجميع بأن تركيا ترى وجود الكرد فناء لها، وهي تحارب الكرد وتريد القضاء عليهم لأنها بمفهومها تريد الحفاظ على وجودها. لذا؛ فإن الاكتراث من قبل البعض حول أن بعض الأمور على سبيل المثال في روج آفا ـ شمال وشرق سوريا تعطي الدوافع لتركيا بالهجوم عليها منطق غير صحيح وكلام لا ينم عن العقلانية في التكفير، تركيا تحارب أي دور وأي وجود للكرد أينما كان وبأي شكل.

أما عن شكل استهدافها قبل مدة لمناطق كاري وقبلها حفتاتين وزيني ورته والآن مناطق آفاشين وزاب ومتينا وقاشوره فهي ردة فعل واضحة على الفشل الذي يلاحق تركيا بكل سياساتها ضد الكرد، حيث تريد وبشكل مباشر القضاء على الأسس التي تحقق الأمل في تحقيق تطلعات الكرد، من هذا المنطلق ما يتم من ممارسات بحق القائد عبد الله أوجلان وحالة التجريد المفروضة عليه هي بهدف الحد من دوره وتأثيره في هذا الإطار، وعندما لم تنجح المحاولات في ذلك اليوم يتم استهداف حركة الحرية بوصفها العمود الفقري في ترجمة أهداف القائد أوجلان والجهة التي تشكل اليوم الجبهة الحقيقية التي تسعى لتحقيق إرادة الكرد في كردستان.

تركيا تريد إبادة الكرد بوصفهم خطراً عليها وخاصة من يمثل اليوم الحراك الحقيقي نحو ضمان الاستحقاقات الكردية الوطنية، لأن تركيا تراها استحقاقاً لكل الكرد، من هذا المنطلق لا بد من الفهم بأن شكل استهداف حزب العمال الكردستاني اليوم هو نتيجة ما يريده هذا الحزب والمكاسب التي يسعى لضمانها؛ ما يؤكد أن القضية الكردستانية هي المستهدفة، وبالتالي فصل أي جزء من كردستان عن هذه القضية يجعل الكرد في خطر وأمام إبادة مباشرة من قبل تركيا، بالإضافة للإبادات التي تفعلها اليوم. ومن يمثل الأمل لدى الكرد اليوم والذي تراه تركيا عدواً لها لا بد من أن يُتم رؤيته بأنه يمثل الطريق الصحيح نحو تحقيق تطلعات الكرد، وبالتالي لا بد من دعمه ومساندة مواقفه، وأي شيء مغاير لذلك هو دعم لتركيا وسياساتها الإبادية ضد الكرد وكردستان عامةً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق