الرأي

سلوك الدولة التركية و مقاربتها للقضية الكردية والقضية القبرصية نموذجاً

بقلم: أحمد شيخو

من أهم المرتكزات المحلية والإقليمية لنظام الهيمنة العالمية على المنطقة وكذلك التحكم بشعوبها وتياراتها السياسية كانت ومازالت الدولة التركية التي تم قبولها في النظام العالمي بعد تخليها في أعوام 1923_1925 عن ثقافة المنطقة القائمة على التنوع والتعدد والتقاليد الديمقراطية المجتمعية التاريخية وخضوعها أمام النفوذ المادي والسياسي للبرجوازية اليهودية العالمية ذات التأثير الهام في النظام العالمي.
مرت تركيا الدولة وشكل سلطاتها بمرحلتين هامتين الأولى ما تم تسميتها “العلمانية الكمالية” عندما كانت مطلوبة لتقديم نموذج علماني للمنطقة ، والثانية “الإسلامية السياسية” التي تم التحضير لها منذ أعوام الثمانينات بعد ثورة ثورة إيران أو ما سمي الثورة الإسلامية ودخول السوفيت لأفغانستان، وكان مطلوب منها تقديم نموذج ما قيل أنه الإسلام المرن أو المعتدل التركي الذي تحول مؤخراً إلى العثمانية الحاوية للقومية الطورانية .

رغم مرور حوالي قرن من تشكيل القومية التركية النمطية المتجانسة لزوم الدولة القومية التركية على دماء شعوب ميزوبوتاميا والأناضول، إلا أنها مازالت تمتلك نفس العقلية والذهنية وبالتالي السلوك ذاته الذي أباد الكثير من شعوب المنطقة.

لفهم الدولة التركية وسياسات سلطاتها ومقاربتها للقضايا والأزمات و علاقاتها مع المحيط، وكذلك لفهم مستقبل التحركات التركية وسياساتها في المنطقة وخصوصاً بإتجاه الدول العربية وشعوبها علينا قراءة وإدراك مقاربة وتفاعل تركيا الدولة وسلطاتها مع قضيتين أساسيتين:

1_القضية الكردية وهي القضية المركزية في كل استراتيجيات وسياسات الدولة التركية بمختلف حكوماتها، لأن المنطق القوموي الطوراني في تركيا تعتبر حصول الكرد على حقوقهم الطبيعية كباقي شعوب العالم تعني انتهاء الدولة التركية أو على الأقل فقدان أكثر من نصفها، مع العلم أن هذا الرؤية غير صحيحة وبل مريضة وتخدم سلطاتها الاستبدادية فقط دون شعوبها. وعلى العكس في حال إنجاز حل ديمقراطي للقضية الكردية سيزداد تركيا قوة وحضوراً في الإقليم والعالم.

ولذلك تسعى الدولة التركية ارتباطا بدورها الأداتي والوظيفي لتحقيق الهيمنة للنظام العالمي وبقاء القضية الكردية بدون حل في أي مكان حتى لو خارج تركيا و الحفاظ عليها كبؤرة للتوتر وكورقة للضغط والتحكم بمصير المنطقة. وحتى كل مقترحات الحل الديمقراطي التي قدمها الجانب الكردي ممثلاً بالقائد عبدالله أوجلان وبحزب العمال الكردستاني تم رفضها من قبل تركيا ومن ورائها وأبقوا فقط على التعامل الأمني والعسكري أو الإبادة والتطهير العرقي والإضعاف قدر الإمكان، حسب الممكن تجاه الشعب الكردي، ومن أراد من المسؤولين الترك أو بعض الأجزاء من المؤسسات التفكير بحل القضية الكردية كان يتم التخلص منه كما تركوت اوزال ونجم الدين أربكان وغيرهم الكثير، وكان من بديهيات تركيا ارتباطها بمنظومة الناتو وعدم حل القضية الكردية حتى لو كانت الحكومة علمانية أو إسلامية شكلاً لكن مضمونها لم تختلف في الطورانية القومية النمطية الدولتية.

وما يحصل مؤخراً في مناطق الدفاع المشروع في مناطق متينا وزاب وآفاشين وما حصل ويحصل بشكل يومي في عفرين وسري كانية وكري سبي من هجمات إبادة تركية بحق الشعب الكردي و شعوب المنطقة يبين بكل وضوح حقيقة السلوك التركي تجاه اهم قضية وطنية وديمقراطية في الدولة التركية.

2_ دخلت تركيا عام 1974 نتيجة ظروف متوترة في قبرص وتخاذل المجتمع الدولي، ورغم كل الانتقادات الغربية، التي إنهالت عليها. إلا أنها بقيت في قبرص وفرض الجيش التركي تواجد كامل على قسم من قبرص ورغم مرور كل هذا الوقت مازالت الأزمة القبرصية بدون حل، والأهم علينا معرفة السبب. حتى أن تركيا تقول الآن أن الحل في قبرص هو عدم الحل وتعني تركيا تجسيد الانقسام وإعطائه بعد رسمي وتشكيل دولتين وفرض الانقسام وتفتيت قبرص.

وهنا تبادر إلى فكر الإنسان هل ستكون تركيا عائقاً امام الحل في سوريا والعراق وليبيا والصومال وغيرها حتى تمضي الأيام والسنيين وتقول تركيا أنها تريد في كل هذه الدول دولتين واحدة تركية وأخرى ضعيفة، إن لم تستطع السيطرة على كل تلك الدول.
إن ما تمارسه تركيا في مناطق احتلالها وتواجدها أو تواجد نفوذها عبر العديد من الآليات والوسائل الناعمة تحاول إعاقة أية حلول جدية لبقاء الفوضى والاضطرابات والتوتر والإرهاب حتى تستمر هي بتعزيز وتمكين نفوذها وتجعلها تصل لمرحلة تقول في الدول العربية كما تقول في قبرص الآن أن الحل هو اللاحل ودولتين وتقسيم بدل دولة وطنية واحدة.

آنياً يمكن للبعض القول أن الدول مصالح و ومطامع وربما الكثير من دول المنطقة والعالم وحتى بعض من تياراتها السياسية تقول كما قال رئس وزراْء إيطاليا قبل فترة “إن أردوغان دكتاتور لكن علينا التنسيق وبل التعامل معه من أجل مصلحة بلادنا” ، لكن أين هي المصلحة لشعوبنا ودولنا ومجتمعاتنا إذا كان هدف تركيا وسلطاتها السيطرة والتحكم بموارد شعوبنا ودولنا وابتلاع اقتصادنا ودوام الفوضى والإرهاب في مجتمعاتنا. أين هي مصالحنا إذا كانت تركيا تريد تقسيم وتفتيت دولنا وأخذ أبنائنا وجعلهم مرتزقة وكلاب صيد لديها لخدمة مشاريع وهيمنات تتجاوز حتى مشروع العثمانية الجديدة إلى الصهيونية التي تتجسد في حارة الشيخ جراح وكيفية تعاملهم السلبي مع الشعب الفلسطيني، من يهاجم الشعب الفلسطيني ويمنعه من الصلاة هو نفسه من يهاجم على الشعب الكردي في متينا وزاب وآفاشين وإن اختلفت الأدوات من الأردوغانية الإسلاموية الإخوانية إلى الصهيونية، وتبقى إدراك هذه الحقائق مهمة للمنطقة ولشعوبها.

من يريد معرفة صدق نوايا تركيا ومقارنتها الكلام بالأفعال وحقيقة تغيير تركيا لخطابها تجاه الدول العربية ومن يمتلكه التفاؤل بخروج تركيا من الدول العربية ومن التدخل في شؤون المنطقة ودولها، عليه عدم إغفال وبل رؤية ومعرفة كيفية تعامل تركيا أولاً، مع القضية الكردية وإبقائها بدون حل ومحاولة إنهاء المجتمع الكردي ووجوده على أرضه التاريخية منذ 12 ألف سنة على الأقل و ثانياَ مع القضية القبرصية حتى تكتمل لديه الصورة عن الدولة التركية وسلطاتها وعن احتمالية انسحاب تركيا من المناطق المطلوبة منها الانسحاب، إن تركيا وبالنظر إلى تاريخها وذهنيتها وسلوكها لن تنسحب من أي مكان وحتى لو كان عدد البيانات والتصريحات والإدانات والقرارات الدولية بعدد الكرد والأرمن والسريان والروم والبونتس الذي قتلهم هذه الدولة، إن اللغة التي يفهمها تركيا والتي ستنسحب بها من المناطق التي تحتلها ومن التدخل في شؤون الدول والشعوب والمجتمعات هي لفة المقاومة التي تستخدمها الشعب الكردي وقوات الدفاع الشعبي (الكريلا) في مناطق متينا وزاب وأفاشين، كممثل لكل شعوب ودول المنطقة وقيمها الإنسانية المجتمعية الأخلاقية ومصالحها الحقيقية في مواجهة دولة الإرهاب والاستبداد وأدواة تركيا الفاشية الأداتية للهيمنة العالمية وتحقيق الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق