الرأي

تركيا وسياسة التعطيش

ليلى موسى
كما هو معلوم أن الأتراك ليسوا من شعوب المنطقة الأصلاء إنما استوطنوا فيها عن طريق الغزو والاحتلال وخاصة ومنذ مجيئهم للمنطقة ومروراً بتأسيس الأمبراطورية العثمانية ، وحتى تشكل جمهورية التركية على انقاضها في بدايات القرن العشرين وخلال أعقاب الحرب العالمية الأولى. تبنت كافة الحكومات التركية المتعاقبة عليها وحتى الآن سياسات التغيير الديمغرافي والتطهير العرقي والإبادة بكافة أشكالها، كاستراتيجية انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على أمن واستمرارية الوجود التركي يبدأ عبر إنهاء شعوب المنطقة الأصلاء، وهذا ما شاهدناه من إبادات الأتراك بحق الأرمن والسريان واليونانيين والعرب والكرد ما زالت تمارس بحقهم عمليات الاقصاء والتهميش والمجازر على قدم وساق.
وحتى تتمكن الدولة التركية من تطبيق استراتيجيتها وانطلاقاً من ذهنيتها القائمة على الغزو، سخّرت جميع إمكاناتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، وكذلك الموارد الطبيعية من جغرافيا ومحتوياتها خدمة لمشاريعها الاستيطانية التوسعية. ومن هذه السياسات التي مارستها الحكومات التركية تطبيقاً لاستراتيجيتها القائمة على الهيدروبوليتيك (السياسة المائية)، عبر إرهاب شعوب المنطقة وابتزاز دول الجوار واستخدامها كوسيلة لإقامة علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية لدول أخرى مستغلة احتياجاتهم المائية.
وتركيا كخطوة استباقية لإدراكها أهمية الماء في المستقبل وفي ظل التغييرات المناخية التي يشهدها العالم والتي ستتحول إلى أهم مصدر للصراع بين القوى ما بعد النفط، وكما أشار صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى تقرير دولي: “يثير احتمال جفاف نهري دجلة والفرات عام 2040 نظراً للتغييرات المناخية وانخفاض كميات المياه والاستخدام المكثف لأغراض الصناعة والاستهلاك المنزلي”. وكون تركيا تقع في جغرافيا تعتبر من أغنى المناطق بالثروة المائية سارعت إلى إقامة مشاريع ضخمة لتخزينه واحتكاره بذريعة تأمين أمنها المائي. وبالرغم أنه تقدر الموارد المائية في تركيا بنحو 203 مليار متر مكعب في السنة والمستخدم من هذه المارد تقدر بنحو 15.6 مليار متر مكعب فقط، وهذا ما يتضح لنا ما تقوم به الدول التركية ليس نابعاً من حاجتها لتأمين أمنها المائي، إنما هي سياسة لإرهاب وابتزاز الشعوب والدول الأخرى.
ومن المشاريع التي اتبعتها الدولة التركية تطبيقاً لسياساتها المائية مشروع GAP “مشروع جنوب شرق أناضول والذي انتهت من بناءه عام 1992م ” حيث يتكون المشروع من سبعة عشر سداً على نهر الفرات، وأربعة سدود على نهر دجلة، مع إقامة سبعة عشر محطة كهرمائية على النهرين وروافدهما.
ويعد سد أتاتورك الذي تم تجهيزه عام 1990 م رابع أضخم سد في العالم، وأكبر خزان في مشروع GAP، وسعته التخزينية فتقدر بـ 70 مليار متر مكعب.
وسد كركميش والذي يبعد عن الحدود السورية – التركية بمسافة 4كم فقط وسعته التخزينية 0.153 مليون متر مكعب، وسد أليسو وهو من أضخم المشاريع على نهر دجلة والذي يبعد عن الحدود العرقية –التركية بمسافة 65 كم و45كم عن الحدود السورية التركية وسعته التخزينية تقدر بنحو 11.4 مليار متر مكعب.
ولتبرير الحكومات التركية لمشاريعها المنافية للمواثيق والعهود الدولية عبر إضفاءها صبغة قانونية تحاول جاهدة التسويق على أن نهري فرات ودجلة كأنهما نهرين عابرين للحدود، وليسا من الأنهار الدولية وهو ما يخالف الاتفاقية الدولية الخاصة باستخدام المجاري المائية في الأغراض غير الملاحية والتي أقرتها الجمعية العامة لأمم المتحدة عام 1997م.
بالرغم من تذرع تركيا ببناء مشاريعها تأتي في إطار حفظ أمنها المائي والغذائي والاقتصادي والأهم الأمن الإنساني وذلك عبر تأمين احتياجات مواطنيها الأساسية من المياه والانتاج الزراعي والطاقة الكهربائية، ولكن في الحقيقة الدولة التركية تسعى بأن تتحكم عبر مشاريعها استغلال المياه من خلال تقليل أو منع تدفقها إلى كل من سوريا والعراق بوضع الدولة المشاركة معها بالأنهار تحت رحمتها وبالتالي تكون تركيا المصدر الأساسي للمنتجات الزراعية والطاقة الكهربائية والمياه وجعلهما سوقاً لتصريف منتجاتها واستخدام سلاح الماء مقابل النفط، وهذا ما عبر عنه الرئيس التركي الأسبق سليمان ديميريل عندما قارن الثروة المائية في تركيا بالثروة النفطية لدى العرب وطرح مفهوم النفط مقابل الماء، ومن جهة أخرى بيعها للكهرباء والماء للدول التي تعاني من مشكلة نقص حاد في المياه، بذلك تسعى تركيا بأن تتحول إلى قوة إقليمية عظمى.
وتركيا غالباً ما تصطاد في المياه العكرة وتستغل أدنى فرصة خدمة لأجنداتها التوسعية العنصرية، وذلك عبر استغلال الظروف الداخلية للدول وخاصة أثناء الأزمات التي تعيشها وهذا ما عبر عنه الرئيس توركت أوزال عبر تصريحه “لولا الحرب العراقية – الايرانية لما كان المشروع (GAP) وخصوصاً سد أتاتورك لن يبصر النور” ولم تتوقف استغلال تركيا عند هذا الحد بل كانت من الدول السباقة بالتدخل في معظم الدول التي شهدت ما تسمى بالربيع العربي وفي مقدمتها سوريا، ضاربة جميع الاتفاقيات السابقة بخصوص محاصصة المياه عرض الحائط وسرعان ما كشفت عن وجهها القبيح بقطع المياه عن سوريا وخاصة مناطق شمال وشرق سوريا حيث خفضت كميات المياه المتدفقة منذ تاريخ 27\ كانون الثاني \2021م من 500م3 \ثانية إلى 200م3 .
وممارسة سياسة الإرهاب المائي على سكان المنطقة، وخاصة أنها تعتمد في اقتصادها بالدرجة الأولى على الزراعة والثروة الحيوانية وتهديد السكان لخطر خط الفقر المائي، هذا الإرهاب الذي تزامن مع موجات الجفاف التي تتعرض لها المنطقة وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الهطولات المطرية، حيث خسرت مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية هذا العام ما يقارب 80% من انتاجها للقمع والشعير بسبب شح الأمطار وعدم توفر المياه. وجدير بالذكر أن المناطق تشهد تزايداً سكانياً نتيجة حالات الهجرة والنزوح للسوريين من المناطق الأخرى إليها نتيجة الاستقرار النسبي التي تحظى بها هذه المناطق والتي تقدر عدد سكانها بنحو خمس ملايين نسمة، وممارسات دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها لم تتوقف عند هذا الحد، إنما تسعى بين الفينة والأخرى إلى تعطيش سكان منطقة الحسكة وتل تمر والبالغ عددهم ما يزيد عن مليون نسمة عبر قطع مياه محطة علوك التي احتلها أثناء عملية ما تسمى نبع السلام ولكنها في الحقيقة نبع لتصدير الإرهاب والمرتزقة.
فالسياسات التركية هذه لا تندرج فقط لجعل هذه المناطق سوقاً لتصريف منتجاتها فقط إنما لإجبار سكانها على الهجرة والنزوح وبالتالي تسهيل سيطرتها واحتلالها وتغيير ديمغرافيتها.
والدولة التركية بسياستها الممنهجة تسعى إلى إبادة الشعوب عبر طمس تاريخها وآثارها عبر بناء السدود كما تفعل في منطقة حسن كيف تلك المنطقة الأثرية في شمال كردستان، وكما تتسبب بذلك عبر تخزين كميات المياه الزائدة إلى تنشيط حركة الزلازل، بالإضافة تشجيعها وسماحها لحفر الآبار الارتوازية على الحدود السورية التركية وبالتحديد على الحدود الموازية لمنطقة سري كانيه والتي تأخذ اسمها بكثرة الينابيع التي كانت تشتهر بها حيث يقول العالم الجغرافي شريف الأدريسي بأن عدد أنهارها بعدد أيام السنة جميع هذه الينابيع جفت في السنوات الأخيرة وكانت أخرها عين الكبريت عام 1990م، وكما يتسبب استنزاف المياه الجوفية بحدوث تكهفات وانهيارات وهذا ما حدثت في الأعوام الأخيرة خاصة داخل مدينة سري كانيه، بالإضافة إلى تسبب قلة المياه إلى انتشار العديد من الأمراض والأوبئة وانحسار الثروة الحيوانية والزراعية.
وكثيراً ما استخدمت الدولة التركية المياه كسلاح ذو حدين حيال شعوب مناطق شمال شرق سوريا تارة لتعطيشهم ودفعهم للهجرة، وتارة اطلاق كميات كبيرة من المياه لتوقف تقدم العسكرية لتحرير مناطقهم من داعش ومرتزقة المدعومة تركياً كانت المرة الأولى بتاريخ 14\8\2013م أثناء حملات تحرير وحدات حماية الشعب والمرأة ريف سري كانيه بإطلاق نهر رزكان والذي كان في حالة جفاف تاماً قبل التاريخ المذكور، وكما فعلت ذلك أثناء حملات تحرير منبج وبعد تمكن قوات سوريا الديمقراطية بتحرير سدي طبقة وتشرين خفضت تركيا كميات المياه وبالتالي حرمان شعوبها من الزراعة والطاقة الكهربائية والقيام بمشاريع تنموية، وكما تسعى من وراء ممارستها تلك العمل على تحريض شعوب المنطقة على الإدارة اتهامها بالتقصير والاهمال وعجزها عن تأمين احتياجات مواطنيها وبهذه الحرب الخاصة هادفة إلى نشر الفوضى وتأليب الشعب على الإدارة وخلق ذرائع بالتدخل في شؤون المنطقة والتحكم بها.
مآل القول، استمرار الدولة التركية بسياساتها هذه بالتزامن مع صمت دولي وإقليمي مطبق ستكون المنطقة أمام كارثة إنسانية من حيث انحسار في الانتاج الزراعي والحيواني وانتشار المزيد من الأمراض والأوبئة، وربما في المستقبل تتطور إلى صراع على المياه بينها وبين سوريا والعراق. وكما هو معروف عن الدولة التركية وسياساتها التوسعية الاستيطانية لن تتوقف عند هذا الحد بل ربما تجد فرصتها في ظل انشغال كل من العراق وسوريا بمشاكلهم الداخلية، وخاصة بعد احتلالها لمناطق من شمال وغربي سوريا، بتحقيق مشاريعها التي لم تتمكن من انجازها كمشروع أنابيب السلام، ومشروع المياه التركي-الإسرائيلي وغيرها من المشاريع التي كان من المفترض أن تمر عبر الأراضي السورية قوبلت حينها بمعارضة كبيرة من قبل العديد من الدول وخاصة سوريا.
إذا نحن أمام سينار يوهين أما قيام المجتمع الدولي القيام بمسؤولياته الأخلاقية والإنسانية والقانونية بالوقوف في وجه التمدد التركي الذي ينتشر ويتغلغل في العديد من المناطق كالسرطان ولجمها. أو في حال قوبلت هذه السياسات بالصمت وغض الطرف عنها وخاصة من قبل الدول المستفيدة حينها ستكون العديد من الدول وخاصة سوريا والعراق محكومة بسياسات الدولة التركية، وهذا ربما ستكون بمثابة دفع معنوياً وتشجيعاً لدول أخرى للمضيء قدماً بتحقيق مشاريعها الاستفزازية مثل ما تفعل اثيوبيا تماماً الآن وملأها لسد النهضة على سبيل المثال وليس الحصر وبالتالي تعريض الملايين من البشر للعيش وجهاً لوجه أمام خطر التعطيش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق