الرأي

الخطاب العربي والقضية الكوردية

إن المتتبع لأحداث ومشكلات الشرق الأوسط يلاحظ أنه وفي السنوات الأخيرة احتلت المسألة الكوردية مواقع متقدمة؛ إن كان على الصعيد الإقليمي أو الدولي وأصبحت واحدة من أكثر المسائل المطروحة على الساحة السياسية وما يترتب عليها من حلول ومشاكل وتباينات في وجهات النظر حول عدالة هذه القضية وما ألحق بها من غبن وإجحاف وخاصة من جانب الشركاء و”الأخوة الأعداء”؛ شركاء التاريخ والدين والثقافة، وذلك عندما تم التقسيم الثاني لكوردستان حسب اتفاقية سايكس – بيكو والتي على أساسها وزعت كوردستان بين أربع دول؛ تركيا، إيران، العراق وسوريا.

ومنذ ذاك التاريخ – وحتى قبلها – والثورات الكوردية لم تهدأ والشعب الكوردي يحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم على الخارطة السياسية أسوة ببقية شعوب المنطقة، ولكن ولعدم نضوج وتوفر كل من الشرط الذاتي والموضوعي ومجموع المصالح الدولية وسياسة القطبين وما كان يترتب عليها من الإفراط بحقوق الشعوب والأقليات العرقية والدينية حفاظاً على مصالحهم الاقتصادية والسياسية مع هذه الدول التي تقتسم كوردستان كغنيمة حرب أو كـ”مستعمرة دولية” كما يسميها إسماعيل بشكجي، لم يقم للكورد كما لغيرهم كيان سياسي مستقل. ولكن وبعد انهيار القطب الاشتراكي والتوازنات الدولية الجديدة في العالم، لاحظنا تغير نظرة مراكز القرار إلى مجمل القضايا والمشاكل العالقة في العالم وخاصة ما يتعلق منها بمسائل حقوق الإنسان، ومن هذه القضايا كانت القضية الكوردية؛ فبعد سنوات طويلة من المعاناة والجينوسايد من قبل جل هذه الأنظمة الغاصبة لكوردستان كانت منطقة الحماية في جنوب كوردستان ومن ثم وبعد سقوط الطاغية في بغداد، كانت الحكومة الفيدرالية في إقليم كوردستان العراق.

وهكذا احتلت المسألة الكوردية مساحة مهمة في الساحتين السياسية والإعلامية وأصبحت من القضايا التي تجذب الأقلام للوقوف عندها دراسة وتحليلاً ونقداً، وفي أغلب الأحيان للتشهير بها والهجوم عليها على أنها مشكلة جديدة مفتعلة من قبل الغرب، وذلك لخلخلة الشرق وإضعافه وبالتالي هي شكل من أشكال الصراع والتنافس على الهيمنة على خيرات هذه البلدان من قبل الغرب الاستعماري، الإمبريالي، الرجعي. متناسين إنها قضية أكثر من أربعين مليون إنسان يعيش على أرضه التاريخية وهو محروم من أبسط الحقوق الإنسانية والسياسية والتي أقرتها مجموع القرارات والبنود والمواثيق الدولية والمتعلقة بشرعة حقوق الإنسان والشعوب في حياة حرة كريمة.

ومن هنا، من هذا المنطلق؛ بأن للناس حقوق متساوية في الحياة والحرية والعيش الكريم ودون تعسف وإكراه، فإننا سنتناول بعض النماذج من الخطاب العربي والذي يقترب من القضية الكوردية، إما من منطلق الجهل بها وبالحقائق التاريخية وبالتالي تظليمها والإجحاف بها أو من منطلق عنصري وقومجي حاقد على كل ما هو مغاير ومختلف معه وعلى اعتبار إنه هو صاحب الحق الطبيعي والإلهي في امتلاكه للحقيقة والتاريخ والجغرافية والعرق النقي، وإن مهد التاريخ بدء به وكل هذه الأقوام والأعراق الأخرى المتواجدة على هذه الجغرافية الكئيبة ما هم إلا غرباء ومستوطنين فيها من قبل الغرب الإمبريالي؛ إسرائيل نموذجاً. أو هم من أفخاذ هذه الأقوام السائدة وخير من يمثل هذا النموذج هم الكورد؛ فهم إما “أتراك الجبال” أو “أعراب الفرس” أو من “قبيلة بكر” العربية، وأحياناً يلحقوننا بالعفاريت والجان. ولم يبقى وخاصة في عصر غزو الفضاء إلا أن يقولوا لنا: إنكم أتيتم من الفضاء الخارجي بعد أن طردكم قبيلة أخرى من مجرتها وهكذا ليس أمامنا إلا أن نعد العدة ونعود إلى ديارنا الأصلية، وهكذا تحل هذه المشكلة وينعم القوميون العرب والفرس والترك بالخير والسلام وأيضاً بكوردستان وعربستان وتركستان وفرستان و.. .

والآن سوف نقف عند بعض هؤلاء النماذج والذين يحاولون التشويه والتشويش على المسألة الكوردية، وذلك إما من جهل بالحقائق – كما قلنا سابقاً – أو من منطلق حقد قومي وغل شوفيني وسوف نحاول وبهدوء وبذهنية منطقية عقلانية أن نجيب على مغالطات البعض وأن نرد على بعض الآخرين، الذين يحاولون أن يجعلوننا “مشروع استعماري – استيطاني” يحاول زرعه في المنطقة وذلك على غرار ما يدعون من أنه؛ تم زرع الدولة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط من قبل الغرب الإمبريالي متناسين – أيضاً – تاريخ هذا الشعب وقدم تواجده في المنطقة أسوة بغيره من شعوب هذه الجغرافية التي نتقاسمها.

ونبدأ بداية مع الأستاذ فايز سارة حيث ينشر مقال له في جريدة الحياة عدد 18-4-2006 وأيضاً تعيد نشرها موقع كلنا شركاء في نفس اليوم وذلك تحت عنوان “اكراد الشرق الاوسط وعذابات المرحلة” حيث يقف عند نقاط عدة مهمة نتفق بدورنا معه ولكن ما لفت انتباهنا هو محاولته أن ينفي الجغرافية الكوردستانية عن الوجود وذلك عندما يقول: “وباستثناء العراقيين الاكراد الذين تتمركز غالبيتهم شمال العراق في حال شبه كيانية، فإن أكراد البلدان الاخرى لا يشكلون مثل ذلك التمركز الكياني من ناحية الانتشار الديمغرافي، ولا من ناحية اخذهم ملامح كيانية. وامر كهذا يجد تعبيره الواضح في حال السوريين الاكراد الذين يمتد حضورهم الرئيس على معظم خط الحدود السورية – العراقية والحدود السورية – التركية في شمال شرق وشمال سورية مع تموضعات ذات غالبية كردية خصوصاً في القامشلي وعفرين”. وهكذا علينا أن نستنتج؛ بأنه لا يحق للكورد أن يطالبوا بكيان كوردي في دولة ذات سيادة واستقلالية.

بداية لا نعلم هل هذا استنتاج لقراءاته لبعض المغالين العرب، أم هو كامن في العقل الباطن والإلغائي لدى الأستاذ فايز، أم عن جهل بالجغرافية الكوردية؛ فالوقائع والقرائن وكل الدلائل تشير إلى تواصل وامتداد الخارطة الكوردية وتشكيلها لكيان جغرافي محدد ولن نقول طبيعي، حيث كل الكيانات الجغرافية هي جغرافيات جيوسياسية تتعرض للمد والتقلص والانكماش وذلك حسب قوتها وفاعليتها التاريخية. أم القول والادعاء بأنه؛ أي جغرافية كوردستان، فقط في “شمال العراق” – وطبعاً لا يسميها بكوردستان _ هي “شبه كيانية” هو قول يجافي الواقع والحقيقة؛ فالكورد ومن خلال أماكن تواجدهم وسكناهم الحالية وعلى الرغم من ما تعرضوا له سياسة تهجير وتعريب وتتريك و.. فإنهم لا يزالون يحافظون على جغرافيتهم وبالتالي يشكلون كيان جيوسياسي ولو على شكل “مستعمرة دولية”.

وأما بخصوص الجغرافية الكوردية في الدولة السورية وعلى الرغم من تواجدهم في الشريط الحدودي مع كل من تركيا والعراق، فإذا نظرنا إلى الجغرافية الكوردستانية فسوف نلاحظ إنه امتداد طبيعي لباقي الجغرافية الكوردية والمقسمة بين هذه الدول، وهذا يثبت لنا بأن هذا الكيان الجغرافي قد تم تقسيمه واستلابه من قبل هذه الكيانات الموجودة حالياً ووفق تقاطع مصالح وأطماع كل من الدول الغربية آنذاك مع مصالح هذه البلدان التي تغتصب كوردستان كأرض وبشر.

أما ما يتعلق بالجانب الديموغرافي لمنطقتي الجزيرة وعفرين وقوله بأن هناك “تموضعات ذات غالبية كردية خصوصاً في القامشلي وعفرين” فهو قول خاطئ تماماً؛ فإننا كأحد أبناء منطقة عفرين ومن خلال معايشتنا اليومية نقول بأن الوجود الكوردي ولغاية ما سمي بمشروع “الإصلاح الزراعي” كان التواجد الوحيد في المنطقة إلا ما ندر من بعض البيوت العربية والتي فرت من الطغيان التركي، إبان الدولة التركية الحديثة، وكانت لا تتجاوز أصابع اليدين مع بعض البيوتات العربية الأخرى والذين تم جلبهم من قبل الإقطاعيين الكورد كيد عاملة رخيصة للعمل في الحقول الزراعية العائدة لملكيتهم. فأين هذه الحقائق من قولك ذاك، ومع ذلك لا ننكر أن هناك تواجد عربي في بعض البلدات والمدن الكوردية مثل القامشلي وعفرين وكوباني التي تناسيتها وأيضاً لا ننسى الوجود التاريخي للأخوة السريان – الآشوريين وغيرهم من مكونات الشعب السوري والذي يوجب علينا مراعاة حقوق الجميع في دولة مدنية ذات مؤسسات قانونية ودستورية، وليس كيانات أمنية ومزارع قروسطية، الحق وكل الحق مع القوي وكأننا نعيد إنتاج مجتمع الغابة وقوانينها.

جندريس-2006
الخطاب العربي والقضية الكوردي

(2)

وأيضاً ينشر الأستاذ نضال نعيسة مقال له في نشرة كلنا شركاء يوم 3-3-2006 وذلك تحت عنوان “الحراك المذهبي والسنيّة والشيعيّة السياسية”، ومع إننا نتفق معه في غالبية ما يطرحه من أفكار وقناعات حول المواطنة والدولة الحديثة، إلا أننا نختلف وإياه في بعض المسائل ومنها ما يتطرق فيه إلى بوادر حرب أهلية في المنطقة وتحديداً في الجوار العراقي فيكتب: “كنا ننتظر جميعا محرضات، ومحفزات، وحراكاً علمانيًا وليبرالياً ديمقراطياً، لكن يبدو، وبكل أسف، فإذ بنا نفاجئ بأن السنية والشيعية السياسية وملحقاتها التفتيتية، وباقي التصنيفات العرقية والمذهبية الأخرى، قد تصبح هويات جديدة في هذه المنطقة الحاملة لكل أسباب التشرذم والتفتيت والانقسام، في ظل المشاريع الديمقراطية التي تحوم، كالبوم والغربان، فوق المنطقة، ويصبح الولاء للطائفة، والمذهب، والعشيرة، والفخذ بعد أن كان سابقا للدول، والجغرافيا، والأوطان، ولا سيما بعد كل ذاك الصخب الطائفي الدموي المقيت الذي شهدناه في العراق، ما لم يتصدى لهذا العقلاء. وقد تنتقل بعد ذلك عدوى الحمى الطائفية وتنتشر في عموم المنطقة، التي لا تقبل أي “هزل” أو “مزاح” من هذا القبيل وتكتنز كل أسباب الانفجار، بعد أن كرستها، وأذكتها ممارسات سلطوية فاجرة شنعاء في كل مكان”.

إننا لا نعلم لما يوصف “المشاريع الديمقراطية بـالبوم والغربان التي تحوم فوق المنطقة” فكما نعرف الأستاذ نضال ومن خلال كتاباته إنه أحد دعاة الديموقراطية وحقوق الإنسان؛ ألئن هذا المشروع يرتبط “بالتدخل” الأمريكي في المنطقة وبالتالي أصبحت عنده مرفوضة وشبيهة بالبوم والغربان – و”رب الكعبة” هذه ستكون كارثة حقيقية لكل الفكر الإنساني الحر وتدفعنا إلى الانزواء في مغاراتنا الحرائية؛ من “غار حراء” – هذه من ناحية أما من الناحية الأخرى، فهو يدعي بأن الولاء سابقاً كان ” للدول، والجغرافيا، والأوطان” وليس ” للطائفة، والمذهب، والعشيرة، والفخذ”، ولا ندري سابقاً هذه تعود إلى متى، هل هي لزمن صدام حسين وطغيانه وجبروت أجهزته الأمنية والتي كانت تركع البشر والحجر لصنم الدولة الوحيد؛ الرئيس المفدى، أم هي لأزمنة ما يعرف بالاستعمار؛ إن كان العثماني أم الأوربي، أم لزمن الخلفاء – الراشدين منهم وغير الراشدين- وحروب “الردة” والمذاهب وسيادة أحد الإثنيات والأعراق وهم الأخوة العرب على باقي الشعوب والأمم وجعلهم ذميين وموالي لا يحق لهم ما يحق للمسلم العربي. وهكذا كان الأفضل أن يبين الغايات بطريقة أكثر صراحة ووضوحاً، لا أن يلتف حول قضايا فكرية لا تحتاج إلى هذا القدر من الغموض والإلتباس.

وأيضاً ما يؤخذ على الأستاذ نضال نعيسة إنه يرفض كل الهويات الأخرى من عرقية ومذهبية؛ فها هو يكتب: ” .. وبكل أسف، فإذ بنا نفاجئ بأن السنية والشيعية السياسية وملحقاتها التفتيتية، وباقي التصنيفات العرقية والمذهبية الأخرى، قد تصبح هويات جديدة في هذه المنطقة” وبالتالي فهو يجعلها بمرتبة الجريمة السياسية لمن يطالب بها وذلك عندما يقول: “ومن هنا، أيضا، تبرز الحاجة وعلى الصعيد الدستوري والسياسي لاعتماد دساتير علمانية تجرّم أي خطاب إثني، وطائفي، ومذهبي، أوتمييز عنصري وخطاب تعبوي وتحريضي”. إننا لا نعلم متى كانت الخصوصيات العرقية والمذهبية منافية وناهية لتشكيل دولة المواطنة وهو الذي يؤتي بالتجربة الأوربية كشاهد ومثال على هذه الحالة وذلك عندما يقول: “ولقد عانت الكثير من الدول، والشعوب، والحضارات، من أنواع كثيرة من الصدام، والتنافر، والعداء، والحروب الدينية، والطائفية الطاحنة، ولا يزال بعضها مستعرا وتحت الرماد، في بلاد يعتقد أنها وصلت قمة الحضارة والرفاهية، كما هو الحال في بريطانيا العظمى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بين “الكاثوليك والبروتستانت “، ولكن، وبشكل عبثي، وبعد كل جولة من العنف والصدام، يعود الجميع لطاولة المفاوضات. ومخطئ وواهم كل من يعتقد بقدرته على تغيير طبيعة الناس والانتماء، وتطويع ميولهم ورغباتهم وتكوينهم، وكل الحركات السابقة في التاريخ، التي حاولت السير في هذا الاتجاه، انتهت وولت مهزومة، وإلى غير رجعة كالفاشية، والنازية، والشيوعية بوجهها الدموي القمعي والاستبدادي حالك السواد”.

إذاً فنحن متفقان على أنه لا يمكن لنا أن نلغي هذه الخصوصيات والتي تؤكد هوياتنا؛ فالواحد منا يحمل أكثر من هوية وخصوصية، فأنا بهوية علمانية كوردية سورية وهناك من هو بهوية كوردية مسلمة شيعية وأنت ولربما بهوية عربية مسلمة سنية لاذقانية – قلنا ربما ولم نؤكد – وبالتالي فهناك هويات متعددة للواحد منا وهي تميزنا عن الآخر وإن كل المحاولات والتي صبت في هذا الاتجاه من “فاشية ونازية وشيوعية” – كما نوهت أنت – كانت مآلها الهزيمة والاندحار؛ وبالتالي ليس أمامنا إلا أن نحترم هذه الخصوصيات، بل ونؤكد عليها مع احترام خصوصيات وهويات الآخرين وحقهم بالوجود وممارسة جميع حقوقهم والتي أقرتها مجموع البنود والمواثيق الدولية والتي وقعت عليها جميع الدول بما فيها بلداننا، وذلك ضمن دولة القانون والمؤسسات الدستورية وليس من خلال قانون السيد والعبد وممالك الطغيان وجمهوريات الخوف.

ونقول أخيراً أنه ليس التأكيد على هذه الهويات والخصوصيات هي التي تدفع بمنطقتنا إلى حافة الهاوية، وليست هي ” الحاملة لكل أسباب التشرذم والتفتيت والانقسام” في المنطقة، بل تلك العقلية الإقصائية، الإلغائية والتي تجد في الآخر المغاير تهديداً لوجوده ولذلك فيدفعه إلى إحدى الخيارين التاليين؛ إما الاستلاب والذوبان داخل “كانتوته” الثقافية الفكرية والسياسية المذهبية أو شن الحرب عليه وإفنائه وإلغائه من الوجود وفي الحالتين يكون مصير الآخر هو العدم والنفي. وهذه تذكرنا بـ”مأساة إبليس” وطرده من الجنة؛ فإما الخضوع لإرادة الآخر أو عليك اللعنة ومصيرك الطرد من الجنة – الوطن. فهذه العقلية الإقصائية هي التي ستدفع بمنطقتنا إلى كارثة التفتيت إن لم ننتبه لها ونعالجها وكما قلنا مراراً من خلال دولة المؤسسات والقانون.

جندريس-2006

الخطاب العربي والقضية الكوردية

(3)

بداية لا بد من تقديم الشكر والامتنان للآنسة هدى حوتري وذلك لمشاعرها الطيبة والرقيقة تجاه المسألة الكوردية وتحديداً في كل من شمال وغرب كوردستان؛ أي في الجزئين الملحقين بتركيا وإيران، فهي تكتب في مقال لها تحت عنوان “أكراد العراق: لعنة الحلفاء” والمنشور في نشرة كلنا شركاء ليوم 26-4-2006 ما يلي: “تكاد تكون القضية الكردية من أنبل قضايا الشعوب في العالم ومن أكثر القضايا العادلة التي تستحق الإنصاف بعد أن تعرض غالبية الشعب الكردي في مناطق كردستان التاريخية لحملات منظمة من الاضطهاد والتمييز القومي مشابهة إلى حد ما تعرض له الشعب الأرمني قبيل إعلانه قيام الدولة الأرمنية الموحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي”.

ولكن وبعد هذه المقدمة الطيبة تعود الآنسة لتقف عند القضية الكوردية في جنوب كوردستان؛ أي الملحقة بدولة العراق الحديث، وذلك بعد تناسيها للجزء الملحق بالدولة السورية تماماً، وها هي تقول: “ولعل في التوصيف المذكور شيئاً من التعميم الذي لا يلامس التخوم والتفاصيل والقائمة وفق خارطة التوزيع الجغرافي والبشري لمناطق كردستان على المثلث العراقي ـ الإيراني ـ التركي”. وهكذا يمكن أن نقول بأن إحدى الغايات من مقال كهذا؛ هو طمس حقيقة أن هناك جزء من كوردستان قد ألحق بالدولة السورية وذلك حسب إتفاقية سايكس – بيكو، وعلى طول الحدود السورية من جهة والتركية العراقية من جهة أخرى.

لكن هذا ليس بمحور الموضوع وإنما وحسب قراءتنا لمقالها واستنتاجنا له، وخاصة ما يتعلق بإقليم كوردستان العراق، فإنها تريد التشويش عليها وربطها بمشروع غربي استيطاني وذلك عندما تكتب في سياق مقالها؛ “وزاد من معانات الشعب الكردي مجموع الأخطاء السياسية على المستويين التكتيكي والاستراتيجي التي حكمت تاريخياً سلوك قياداته التي ابتلي بها وتحديداً في مناطق شمال العراق حين بادرت القوى التقليدية إلى شق التحالف التاريخي والاخوة العربية ـ الكردية فارتمت في أحضان المشاريع المعادية لوحدة العراق أولاً، والمعادية ثانياً لوحدة المصير المشترك الذي يجمع العرب والكرد في سياق نسيج يكاد يكون واحداً، وطغى على سلوكها السياسي نمط التقلب والتحالفات الخارجية غير النزيهة، وبالتالي دفعت بأخطائها السياسية مجموع الأكراد شمال العراق إلى أتون حروب الانتحار بديلاً عن خط العمل من أجل الحقوق القومية للأكراد في إطار عراق موحد.
وفي المقابل لا يبرر القول المشار إليه السياسات العراقية المنفعلة التي تعاطت أحياناً مع القضية الكردية بلغة القوة ، مع أن الحالة الكردية في العراق نالت من حقوقها في الحكم الذاتي الكامل ما لم يحظى به أي من باقي مناطق كردستان التاريخية”.

إن ما ترمي إليه الآنسة هدى من خلال مقالها هذا هي نقاط وأهداف محددة، نستطيع أن نعددها بما يلي؛ فهي من جهة تريد أن توهم القارئ بأن الشعب الكوردي قد أبتلي بهكذا قيادات وتحديداً في جنوب كوردستان. وهي ثانياً تريد أن تقول: بأن هذه القيادات ارتكبت العديد من الأخطاء التكتيكية والاستراتيجية بتعاملها واعتمادها على الغرب المعادي للعرب وبقية شعوب المنطقة بمن فيهم الكورد أنفسهم، بل هي “التي بادرت.. إلى شق التحالف التاريخي والاخوة العربية ـ الكردية”؛ وهكذا تكون هذه القيادة قد خانت شعبها وخسرت قضيتها. وثالث الأثافي أنها تبرر للنظام العراقي جرائمها ومجازرها بحق الشعب الكوردي وذلك عندما تقول: “وفي المقابل لا يبرر القول المشار إليه السياسات العراقية المنفعلة التي تعاطت أحياناً مع القضية الكردية بلغة القوة ، مع أن الحالة الكردية في العراق نالت من حقوقها في الحكم الذاتي الكامل ما لم يحظى به أي من باقي مناطق كردستان التاريخية”. إذاً كل ذاك الجور والتنكيل من نظام عروبي – بعثوي لم يكن إلا عبارة عن “سياسة عراقية منفعلة” ولم يكن بطريقة ممنهجة ومخططة لها في دوائر القرار البعثي – الأمني العفلقي، وهكذا وبجرة قلم تحرف التاريخ؛ وتريد أن توهمنا بأن الكورد كانوا قد نالوا “الحكم الذاتي الكامل” في العراق ولكن وتنفيذاً للمخططات الاستعمارية فإن القيادة الكوردية هناك ونتيجة لسلوكها السياسي المتقلب وتحالفاتها “الخارجية غير النزيهة” قد دفعت بـ”مجموع الأكراد شمال العراق إلى أتون حروب الانتحار بديلاً عن خط العمل من أجل الحقوق القومية للأكراد في إطار عراق موحد”.

وهكذا ينكشف المستور والمخفي من مقال الآنسة هدى حوتري وكما يقال: “السم في الدسم”. أن الآنسة هدى لا تبرر للنظام العراقي كل مجازره وحروبه العرقية تجاه الكورد وغيره من مكونات العراق فقط، وإنما تحمل وزر هذه الحملات الإبادية للقيادة الكوردية. مع العلم إننا لا نبرر بعض الأخطاء التي وقعت بها القيادات الكوردية إن كان في جنوب كوردستان أو شمالها؛ وذلك باعتمادها على الأنظمة الغاصبة لكوردستان، ولكن هناك سؤال ونعتقد أنه مهم؛ فمن وما الذي دفع بهذه القيادات أن تطلب المساعدة من وراء الحدود وهي على يقين أن هؤلاء هم أيضاً من “الأعداء” والخصوم، أليس الموت والاختناق هي التي تدفع بالغريق إلى التمسك بقشة وهو يعلم علم اليقين إن خلاصه سراب بسراب.

قليل من الموضوعية والإنصاف أيها المثقفون القومجيون، فما زال الدم الكوردي طازجاً في حملات الأنفال وحلبجة، بعد أن جعل نظام الطاغية العراقية من كوردستان العراق منطقة عمليات عسكرية، لا يكتفون بقتل البشر فقط وإنما الشجر والحجر تعرض للقلع والهدم؛ تم تدمير أكثر من أربعة آلاف قرية كوردية في ظل ذاك النظام وقتل أكثر من مئة وثمانون ألف كوردي في حملات الأنفال ناهيك عن المجردين والمرحلين من مناطق سكناهم إما إلى الجنوب أو إلى المنافي ومن دون أن نتعرض لمسائل وقضايا التعريب والحزام العربي – الأمني كما حصلت في كركوك؛ بتغيير الطابع الديموغرافي للمدينة وتفريغها من الكورد وغيرها الكثير.. الكثير من المسائل التي تخزي جبين البشرية وليس فقط النظام العراقي، وكفانا هذه المقابر الجماعية والتي تكتشف يومياً كشواهد على مدى حقد هكذا نظام للحياة. وبعد كل هذا وتقولين: إنها “سياسة منفعلة” من جانب النظام العراقي؛ أي قراءة مغلوطة لتاريخ ما زال نعيشه ونعاني منه وأي إنصاف للحقائق وحق الآخر في الحياة.

وهكذا نستكشف تلك العقلية العروبية والكامنة وراء هكذا مقال؛ فهي عقلية تبريرية انتهازية بامتياز. وليكن في علمك يا “سيدتي” إن من مصلحة كورد العراق أن يبقوا ضمن عراق فيدرالي ديموقراطي حر، وهذه ليست تقية سياسية من جانب الكورد، وهم لا يعتمدون – وكما تدعين – تماماً على الأمريكان وإن تقاطع مصالح الاثنين في الوقت الراهن؛ بحيث جعلك تتوهمين بأن الكورد نسوا الروابط المشتركة بين مجموع شعوب منطقتنا وكأن الكورد هم من يغتصبون الآخر أرضاً وشعباً وليس هم المعرضون لفعل الاغتصاب من قبل “إخوة الدين والتاريخ”، فالذي يذكر بهذه الروابط حري به أن يدعو نفسه وقياداته السياسية إلى احترام تاريخ الآخر والمختلف عنه، وليس إلى تزوير هذه الحقائق التاريخية، كما فعلتها الآنسة هدى حوتري.

جندريس-2006
الخطاب العربي والقضية الكوردية

(4)

ومن المحسوبين على التيار الليبرالي وجماعات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وذلك بعد أن زاوجوا بين التيارات الفكرية الثلاث؛ القومي واليساري والإسلاموي ليخرجوا إلينا بتوليفة جديدة من شخصية المفكر العروبوي – الإسلاموي أو ما يمكن أن نسميهم “بالقويسلاميون”– من القوميون اليساريون الإسلاميون – وهم يتحفوننا بين الحين والآخر بإحدى مقالاتهم والتي تحمل قدراً لا بأس به من الحقد والضغينة ومحاولة إلغاء الآخر أو على الأقل تخوينه وربطه بالمشاريع الغربية “الاستعمارية”، هو الشيوعي السابق والمعارض اللاحق؛ الأستاذ ميشيل كيلو. فهذا الرجل ومنذ فترة وبين الفينة والأخرى يقترب من المسألة الكوردية من خلال منظاره العروبوي والذي يجد في الآخر ونمو قوته خطراً عليه وعلى مشاريعه القومجية؛ وإننا لنتذكر مقال له في إحدى الدوريات اليسارية وإبان تحرير العراق من ديكتاتورية الطاغية صدام حسين وزبانيته، حيث تهجم فيه على القيادة الكوردية في جنوب كوردستان، أي كوردستان “العراق” وجعلهم طابور خامس في الجسم العربي وعملاء للغرب وإسرائيل، مما جعل بأحد الأخوة أن يرد عليه ويجعله نصف كيلو وذلك عوضاً عن الكيلو الذي يحمله كنسب ومكنى.

ولكن يبدو أن “حليمة” تعود بين الفترة والأخرى إلى عادتها القديمة؛ فها هو الرجل يحاول مرة أخرى أن يجعل من إقليم كوردستان “العراق”، هدفاً لسهامه المسمومة؛ فهو ينشر مقال له في نشرة “كلنا شركاء” ليوم 20-4-2006 وتحت عنوان “أين ذهب العرب” حول ما يسميه بالدرك الأسفل للانحطاط العربي، فيكتب: “واستهداف العرب ليس جديدا، فقد لاحظناه ككثيرين غيرنا من أبناء هذه الأمة وكتبنا عنه مرات عديدة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، التي تلت فشل المشروع القومي الوحدوي وبروز حقبة من التمزق والتناحر طالت مكونات الأمة السياسية وأبنيتها المجتمعية في مختلف بلدانها، وأثارت الخوف لدى المخلصين من أبنائها، الذين لاحظوا تزامن هذا التطور مع ظواهر ثلاث مقلقة هي :
حركات تفكيك وانفصال طالت حدود وأطراف دول عربية عديدة، من شمال العراق إلى جنوب السودان فالصحراء المغربية، صاحبها..”.

نلاحظ بداية أنه هو الآخر لا يعترف بجغرافية كوردستان؛ فيكتب بدلاً عنها “شمال العراق” وليس هذا فحسب بل إنه يتوهم ويوهم القارئ بأن هذه الجغرافية؛ إقليم كوردستان “العراق” جزء من الخارطة والوطن العربي ويحاول “الأعداء”، أي الانفصاليون وبمساعدة الغزو الأمريكي مع جيوش التحالف ومن خلال “استهداف العرب” – والذي هو ليس بجديد عليهم – سلخه واقتطاعه. وهكذا يمكن القول: إن هذه الرؤية والتحليل هي ميزة وسمة مشتركة بين كل هؤلاء المغالين والمتطرفين من أصحاب الرؤوس الحامية والمعبأة بالقومجية اليساروية الإسلاموية، فهم مصرون على عدم رؤية الآخر والاعتراف به ويرون في كل تحركاته وفعله السياسي، مشاريع مريبة تستهدف كينونتهم العنصرية؛ وقد لاحظنا أن الأستاذ ميشيل بدء مقاله بهذه النقطة وذلك حينما كتب: “واستهداف العرب ليس جديدا، فقد لاحظناه ككثيرين غيرنا من أبناء هذه الأمة وكتبنا عنه مرات عديدة خلال العقود الثلاثة الأخيرة”.

إنها العقلية المؤامراتية، حيث – وكما قلنا – ترى في وجود الآخر وتحالفاتهم تهديداً له. دون أن يجيبوا على سؤال، نعتقد إنه وجيه، لما هم من دون البشر مستهدفون بهذه المشاريع “المؤامراتية”، بل لما هذه الجغرافية والتي تسمى “بالوطن العربي” مستعدة وقابلة للتفكك والتجزئة، إن لم تكن في الأساس حاملة لأسباب الانفصال وذلك نتيجة لاحتلال وغزو جغرافيات أخرى، إبان الدولة الإسلامية وتوسعها على حساب بقية شعوب المنطقة وجعلهم مواليين وذميين فيها.

وهو لا يكتفي بهذه بل إنه يتباكى على زمن الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية المركزية، صاحبة الشعارات و الأطروحات النظرية القومجية، إن كانت ناصرية أو بعثية، فها هو يكتب: “دخلنا في حقبة جديدة معاكسة للحقبة التي جاءت باستقلالنا بعد الحرب العالمية الثانية، خسرنا خلالها الكثير من قرارنا الحر، وتخلينا عن حلم الوحدة القومية، وطوينا حقبة الرهان على الذات، وأحللنا برامج وسياسات محل تلك التي كانت تبلور مواقف ضاربة للأمة..”. بل إنه يضيف ويقول: “بينما صارت القطرية فضيلة بعد أن كانت رذيلة، وطرد اليأس الأمل من نفوس المواطنين، وتعززت عناصر التفكك والضعف والانحلال، وقابل الاستبداد الرسمي استبداد مجتمعي محا ما كان في بلداننا من تسامح ديني وسياسي”. ولا نعلم متى كان هذا التسامح الديني والسياسي، وتاريخ المنطقة تخبرنا بكل تلك الحروب والمآسي الدينية والعرقية، بل وحتى المذهبية وما هذه الفظائع والتي نراها اليوم في العراق وغيرها من بلادنا إلا امتداد واستمرار لتلك النزاعات والحروب بعد أن كانت قد لجمتها هذه الأنظمة الاستبدادية بقوة مخابراتها ومن خلال جمهوريات الرعب ومزارعها الخاصة، والآن أتت الظروف لتخرج هذه النزاعات ومرة أخرى إلى الساحة؛ فلا يمكن أن تحل المشاكل من خلال الاستبداد والقمع والتنكيل بالآخر، فلربما تتم تأجيل أو تأخير هذه القضايا ولكن لن تموت بالتقادم.

وبالتالي ما على دول المنطقة، عربية كانت أم غير عربية، إلا أن تعترف أن هناك جملة قضايا ومسائل؛ عرقية – سياسية ودينية – مذهبية وأيضاً مواضيع الحريات العامة وحقوق الإنسان ودولة المواطنة وإلى ما هنالك من هذه القضايا، والتي لم تحل بعد وليست قابلة للتأجيل، وإذا لم تحلها وذلك بالطرق السلمية والدبلوماسية فسوف تدفع بالمنطقة إلى المزيد من التوتر و لربما لحروب أهلية نحن جميعاً بغنى عنها. أما سياسة الإنكار ونفي الآخر وتخوينه وجعله وافداً على المنطقة، وكأن العرب ومنذ مولدهم من “سام” وهم يعيشون على هذه الأرض متناسين التاريخ والشعوب التي أقامت حضارات عظيمة على هذه الجغرافية وذلك قبل أن يعرف التاريخ أو الجغرافية “أقوام” وقبائل تعرف باسم العرب، فهو سيدفع الآخر إلى المزيد من التمترس خلف الهويات الماقبل الوطنية، من قبلية عشائرية ومذهبية دينية أو عرقية أثنية، وذلك كما يفعله الأستاذ ميشيل كيلو في مقاله هذا، عندما يكتب: “في هذه الحقبة، التي خضعت أطراف وطننا العربي فيها لعملية قضم منظم.. ونهشت أيد متنوعة الهوية والمطامع أوطانها وكيانها واستهدفتها بصفتها العربية، فهذا يطلق يطالب بجزء من العراق، وذاك يزعم أن القومية العربية حركة صهيونية.. ويا ليت الأمور توقفت هنا، فقد ظهر في نهاية المطاف قوم يريدون بعث الهويات ما قبل العربية، منهم.. ” وكأن الهوية العربية هي بداية التكوين والخلق وخاتمة الهويات والأعراق، ولاحظوا أيضاً تلك المرادفات والتعابير التي يستخدمها، من قبيل؛ قضم و.. نهش، وإنها لتعبر عن ثقافة هذا الرجل العدائية والبدائية المتوحشة ونترفع أن نقول الحيوانية.

وأيضاً يضيف: بأن “رأي واسع الانتشار” يقول: “أن شيعة العراق ليسوا عربا بل شيعة، وأن الأكراد أمة، والعرب مجرد أقلية سنية، فليس العراق عربيا وليس جزءا من الأمة العربية، بل إن أحد المنتمين إلى أقلية وفدت إلى سوريا في مطالع القرن قال إن هذه البلاد لم تكن عربية يوما، وأنها مجرد تجمع أقليات تتعايش مع بعضها البعض دون أن يشدها رابط أو يجمعها انتماء مشترك !”. نلاحظ أنه لا يكتفي بالقول: على أننا غرباء عن هذه الجغرافية وإننا نحاول أن ننهش فيها، بل ينفي عنا حتى صفة الأمة، ولا ندري على أية شروط وموازين أعتمد السيد كيلو وأخيراً ليكشف عن عبقرية فذة بحيث يستنتج: أن الكورد ليسوا بأمة، وبالتالي ليس لنا إلا أن نتسول بعض الشروط والمقومات من عند السيد ميشيل كيلو حتى يتكرم علينا ويجعلنا في مصافي الأمم والأقوام و إلا فلا يحق للكورد أن يطالبوا بحقوقهم وجعلهم مساوين لغيرهم من شعوب وأمم الأرض.

وللأسف إنه لا يكتفي بسياسة إنكار ونفي الآخر بل يقوم بتحقيره وتقزيمه، وذلك كما يفعل الكثيرون من المحسوبين على الحقلين الثقافي والسياسي وخاصة هؤلاء الليبراليون “القويسلاميون”. وإننا نقول لهم: إن خطابكم هذا لن تحل هذه القضايا بل ستزيد من هذه الضغائن والفتن والنار المشتعلة بين هذه الأطياف المختلفة، وذلك كمن يصب الزيت على النار، فمثل هذه الأطروحات أو الأحقاد أو النعوت والصفات الغير لائقة والتي لا نستحب أن يطلقها الآخرين علينا، وبالتالي فالأولى بنا أن لا ننعتهم بها، وكفانا فخراً أهوجاً واستعلاءً على الآخرين ونعتهم بالخونة والأقزام وغيرها من النعوت والتي نجدها غير لائقة بحق كاتب وسياسي قضى جل عمره في الحركة الشيوعية السورية؛ حيث إنه يقول في سياق مقاله ويكتب: “ولا ريب في أنهم يتعرضون (أي العرب والتوضيح من عندنا) لتهديد متعدد المصادر والقوى يريد اقتلاعهم من أوطانهم وتغيير هويتها وهويتهم. ومن يتأمل حملة الكراهية المنظمة التي تتهم مثقفي العرب بتأييد الديكتاتورية والاستبداد مقابل أموال تقدمها لهم النظم الحاكمة، وترميهم بالعرقية والتعصب القومي، وتتهم العربي العادي بالعداء للديموقراطية وللتقدم وللآخر، وترى فيه سليل أمة غازية معتدية احتلت المشرق والمغرب بقوة السلاح وتمارس اليوم الاستيطان في أراض ليست لها كالجزيرة السورية اسمها إلى اليوم ديار بكر وتغلب وربيعة وهي جميعها قبائل عربية، سيضع يده على معنى ما يجري، وسيدرك أن العرب تعامل اليوم كأمة دارسة، وأننا إذا لم نفتح أعيننا قبل فوات الأوان فقد نقتلع من أوطاننا، التي تتعاون عليها قوى عظمى وأقزام وفدوا البارحة إلى ديارنا وليس لديهم اليوم من همّ غير الانقضاض عليها”.

برافو أيها المناضل الشيوعي اليساري القومي الإسلاموي الليبرالي المدني والحاقد على كل الأقوام والثقافات والمبتلي بداء الاستعلاء والعنجهية والذي لا يرى في الآخر إلا أجيراً عبداً ذميياً موالياً – من الموالي وليس الموالاة – فلم يبقى للسيد ميشيل كيلو إلا أن يفتي فتوة “زرقاوية”؛ بقتلنا جميعاً أو رمينا – أيضاً – في البحر وهكذا يبقى “الوطن العربي” خالي من “الشوائب والأقزام”. فالجزيرة وحسب رؤيته ومنطقه القومجي هذا، أرض عربية منذ الخليقة وينسى أن هذه الجغرافية وبالفعل تعرض للغزو أو “الفتح” – سمي ما شئت فالمغزى واحد – الإسلامي ولم يتم إخضاعها بالكلمة الحسنة وإنما بفعل القتل والسلب وكانت تلك هي لغة العصر.

وينسى أيضاً الحقائق على الأرض؛ على أن التوزيع الديموغرافي لها هي التي تحدد هوياتها وليست رغباته ومطامعه القومجية، ولا ندري هل غير الأستاذ ميشيل كيلو قناعاته عن الخلق والكون من إنسان علماني ماركسي – لينيني؛ يؤمن بأن البشرية ابتدأ وحسب نظرية دارون في الارتقاء من القردة إلى الإنسان، أم غير تلك القناعات أيضاً وأبدلها بمبادئ وقناعات الغنوشي والقرضاوي والزرقاوي بحيث أصبح يؤمن بالنظرية المقلوبة التوراتية – القرآنية والتي تدعي بانقلاب الإنسان ومسخهم إلى قردة وخنازير، وهكذا يكون قد مثل الخطاب “القويسلاموي” بامتياز والذي لا نحسده عليه. أما التسميات التي ذكرتها بالنسبة إلى الجزيرة؛ على أنها “ديار بكر وتغلب و وربيعة وهي جميعها قبائل عربية”، فإننا نحيلك إلى الكتب المدرسية الابتدائية في التاريخ وكيف تتم تعريب وتفريس وتتريك وتهويد وتكريد الأماكن والجغرافية وذلك حسب قوة الفعل السياسي وامتلاك السلطة وبالتالي الجغرافية والمسمى.

جندريس-2006

الخطاب العربي والقضية الكوردية

(5)

إن هذه النماذج من الخطاب العربي، والذين نتناولهم في مجموعة مقالاتنا هذه، لها حامل أيديولوجي وفكري متشابه أو تنتمي إلى فكر شمولي – عقائدي؛ إن كان هذا الفكر الشمولي دينياً – إسلامياً أم أيديولوجياً – ماركسياً أم قومياً – عربياً، ولها جذورها التاريخية وأرضيتها الشعبية الواسعة، أي أنه هناك شرائح واسعة ومن كافة القطاعات الشعبية، تتلقف هذه الأطروحات على أنها حقائق وبديهيات، بل على اعتبار أنها جزء من كينونتها ووجودها الأثني الحضاري، وبالتالي فأي مس بهذه المكونات الحضارية لها تعني الاقتراب من مناطق الخطر ويعتبر تهديداً لوجودها وهي مستعدة للتضحية والدفاع عنها، واعتبار ذاك الآخر والذي ينادي بتميزه وخصوصيته “عدواً” ودخيلاً على المنطقة أو في أحسن الأحوال عميلاً وطابوراً خامساً وجزءاً من المشروع الاستعماري – الإسرائيلي في المنطقة العربية، وذلك بعد أن آوتهم هذه الجغرافية وسمحت لهم الأخلاق العربية السمحة والحميدة بالاستيطان في “جغرافيتها” العربية، بعد أن كانوا ملاحقين ومطرودين من قبل دولهم وخاصة من قبل الخلافة العثمانية والدولة التركية الحديثة، مع أن هذه الأخيرة لا تعترف بخصوصية الكورد، بل تعتبرهم “أتراك الجبال”.

وفي هذا المقال سوف نتناول كاتبان ينتميان إلى ذاك النموذج “القويسلامي” وسنحاول أن نوضح بعض نقاط الالتباس لديهم، ونبدأ بداية مع “د. ثائر الدوري” في مقاله: (هل كان أكرم الحوراني ورفاقه على خطأ عام 1941؟). نشرة “سورية الغد”، العدد 29/11/2005 وأيضاً نشرة “كلنا شركاء” ليوم 3-12-2005. حيث يتناول فيه؛ فكر وحياة أكرم الحوراني، ومن خلالهما الفكر العروبي – البعثي إجمالاً.

ومن جملة ما يتطرق إليه وعلى لسان “أكرم الحوراني” نفسه؛ موضوع وحدة ومصير القضية العربية والموقف من الاستعمار وحق وواجب الدفاع عن أي “قطر عربي” في حال تعرضه للغزو والاحتلال، ولا يخفى على القارئ أن للموضوع علاقة مباشرة بالموضوع العراقي ووجود قوات التحالف الدولي، وهو أي “د. ثائر الدوري” ينطلق أساساً من هذا الواقع الراهن ليربطها مع تاريخ الدولة العراقية الحديثة واحتلالها من قبل القوات البريطانية في بدايات القرن الماضي، فيكتب وذلك نقلاً عن “أكرم الحوراني”: ((خرجنا من بغداد متوجهين إلى الموصل، ومعنا كتاب من الجيش لتزويد سياراتنا بالوقود أثناء الطريق، ولما وصلنا إلى بلدة كركوك الجميلة راجعنا المحافظ بشأن الوقود فقابلنا بالشتائم المقذعة- فقلت له: هل تعرف من تخاطب أنت؟ نحن لسنا “ثرثرية” كما تقول بل نحن مجاهدون أتينا لنشارككم في تحرير عراقنا العربي. إنني أغلقت مكتب المحاماه كما ترك رفيقي هذا وظيفته لهذا الهدف… وأشرت إلى الأستاذ نخلة كلاس الواقف بجانبي. فقال المحافظ: ومن قال لكم إن العراق عربي؟.. إن العراق وطن القوميات. وعليكم أن تحرروا بلدكم من الافرنسيين أولا)). وهنا ينتهي كلام “أكرم الحوراني” ليقوم الدكتور ثائر بالتعليق عليه، فيقول: “هذا الحوار جرى قبل أربع و ستين عاماً بالتمام والكمال . و أحفاد ذلك المحافظ مازالوا على نفس الموقف فهم يرددون اليوم كما بالأمس: – العراق ليس عربي بل هو وطن القوميات”. أنهما يرددان نفس المقولة وذلك من دون أن يسميا ذاك المحافظ أو إلى أي جهة وعرق وطائفة ينتمي.

ولكن لا يخفى لكل متتبع للتطورات الحاصلة في العراق، ولكل مهتم بتاريخ العراق الحديث، بأن المعنيون بذاك الطرح هم الكورد من دون غيرهم؛ فكركوك كمدينة كوردستانية وأيضاً الرؤية الكوردية للواقع العراقي عامة؛ على أنه بلد متعدد القوميات وأيضاً إصرارهم، وذلك عند كتابة الدستور الجديد، على أن العراق ليس جزء من الأمة والوطن العربي، كلها مؤشرات واضحة بأن المعنيين بهذا القول هم الكورد وليس سواهم. وبالتالي فهم “مدانون” من وجهة نظر كل من السيدين أكرم الحوراني والدكتور ثائر الدوري وكأن عروبة العراق من البديهيات والحقائق الغير قابلة للجدل والنقاش، وأيضاً كأن ليس هناك بمكونات عرقية ومذهبية دينية متعددة تشكل النسيج الاجتماعي لدولة العراق الحديث وأيضاً و.. أيضاً اعتبار جغرافية العراق وبإقليمها الكوردي جزء من الخارطة العربية.

نحن لن ندخل مع السيدين في جدال تاريخي حول الوجود العربي في دولة العراق ولن نقول إنها تعود إلى فترة الغزو الإسلامي – العربي لهذه الجغرافية، فهذه نتركها للتاريخ والدارسين فيها، ولكن أليس واقعاً راهناً وعلى الأرض، هذا الوجود الكوردي، و أليس جغرافية إقليم كوردستان من الحقائق التي لا يمكن لغربال القومجيين العرب أن تخفيها عن سماء الحقيقة والكينونة. أم نحن من “قبيلة بكر” العربية و”استكردنا” على يد السلاطين العثمانيين كشعوبيين لننخر في الجسد العربي. يا “سيدي” نعم العراق ليس ببلد عربي إلا في إقليمه العربي والشعب العراقي لا ينتمي إلى الأمة العربية إلا بأثنيته وعنصره العربي، أما بقية المكونات العراقية الأثنية من كورد وكلد – آشوريين وتركمان وغيرهم فهم ليسوا بجزء من الأمة والشعب العربي، وإقليم كوردستان ليس جزءاً من الوطن والخارطة العربية، وبالتالي فإن “العراق وطن القوميات”، وهم أحرار في شكل العلاقة التي يحددونها للتعايش مع بعضهم وأيضاً في انتماءاتهم، فلا تخولوا أنفسكم من وراء الحدود كي تحددوا شكل العراق القادم وانتماءاتها الأثنية والجغرافية، كما لا نخول أنفسنا بأن نحدد شكل وانتماء الفيدرالية الكوردية هناك.

وأيضاً وعلى نفس المنوال نجد أن الدكتورة مية الرحبي وفي نشرة “كلنا شركاء” ليوم 21-12-2005 وفي مقال لها تحت عنوان “التحديات التي تواجه المرأة العربية ( 1 / 3)” تنفي وجود جغرافيات مستلبة ومغتصبة ضمن ما تعرف بالخارطة العربية، بل تعتبرنا أقليات عرقية في الوطن العربي فتكتب: “الدول العربية هي الدول التي تشمل شرق البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الخليج العربي وحوض نهر النيل وشمال أفريقيا، وتشترك هذه الدول في عدة خصائص وميزات تجعل من المنطقي، في الدراسات الأكاديمية اجمالها تحت بند عريض باسم الدول العربية أو المنطقة العربية، ويمكن تلخيص هذه الخصائص المشتركة بالنقاط التالية:
– أغلبية سكانها هم من العرب مع وجود بعض الأقليات العرقية الأخرى كالأكراد والأمازيغ وغيرهم.
– يتكلم أغلب سكان هذه الدول اللغة العربية، وهي اللغة الرسمية في جميع هذه الدول، مع وجود لغات أخرى غير رسمية كالكردية والأمازيغية وغيرها.
– يدين معظم سكان هذه الدول بالإسلام، مع وجود ديانات أخرى كالمسيحية وغيرها”.

وهكذا هي الأخرى – وكما قلنا – تعتبرنا أقليات وافدة كما هي حال الجاليات العربية في بعض البلدان الأوربية، وتنسى تاريخ هذه الشعوب في المنطقة، بل وتعرضهم للغزو والموجات العربية والتي توافدت على المنطقة مع “الفتح” الإسلامي لها وبالتالي تعريب الكثير من الأقوام والشعوب وحتى جغرافيتها وتاريخها ومن ثم استلاب حضارتها. وأخيراً فإننا نقول لهذه الأصوات: إن كنتم تريدون حقيقة أن نعيش في بلداننا كشركاء حقيقيين، فعليكم أولاً وأخيراً الصدق مع النفس والتاريخ وكفاكم تجنياً على تاريخ وجغرافية وحضارة هذه المنطقة.

جندريسه-2006

الخطاب العربي

والقضية الكوردية

(6)

مناف جاسم؛ أسم آخر يضاف إلى قائمة من تناول القضية الكوردية وفق الخطاب العربي المغالي وذو الرؤية الأحادية، ولن نقول الحاقدة والعنصرية والقومجية. فهذا الرجل – أيضاً – ينشر مقالاً له في “ميدل ايست اون لاين 9/3/2006” وتحت عنوان: “ما معنى تكريد اسمي مدينتي رأس العين وعفرين السوريتين!”. – لاحظوا إشارة التعجب التي يتحفنا بها، فهو وكما يقال في المثل الشعبي؛ “تغدى به قبل ما يتعشى بك”، وإنه ليجد “خير وسيلة للدفاع هي الهجوم” – نعم.. إنه يلجأ إلى أسلوب الهجوم وتزييف الحقائق والإجهاز على الضحية ومن ثم التباكي عليه وكأنه أشد الناس حباً لها، وحتى لا نبقى في الكلام الإنشائي – الخطابي الجاف، فسوف نتناول مقاله وبشيء من التفصيل، كونه يقوم بتزييف الحقائق التاريخية بشكل غير معقول، وفي كل فقرة من فقرات مقاله.

فهو يسأل بداية، بشيء من الاستغراب والتعجب، عن معنى تكريد أسم المدن السورية، وذلك عندما يعنون مقاله – وكما رأينا – بـ”ما معنى تكريد اسمي مدينتي رأس العين وعفرين السوريتين!”. ونحن نسأل بدورنا: ما هي أسماءها القديمة وهي بالتأكيد ليست أسماء عربية بل آرامية – سريانية، وإنه هو الآخر يعترف بهذه الحقيقة؛ بل أسم سوريا – وكما يقولها الدكتور وديع بشور في كتابه أساطير آرام – هو أسم حثي – آري وهو أسم أحد آلهتهم وذلك عندما وصلت موجاتهم إلى هذه البلاد فغيروا أسمها من بلاد آرام إلى سوريا. هذه المقدمة التبسيطية عن تغير أسماء المدن والبلاد تعطينا فكرة أن هناك عدة أسماء لمدينة واحدة وذلك حسب هيمنة عنصر ومكون أثني عليها، هذا من جانب.

أما الشيء الآخر والذي نستنتجه من تلك المقدمة، إن أسماء هذه المدن هي أسماء سريانية – آرامية أو حثية – آرية وليست عربية؛ فكما يقول نفس المصدر السابق: أنه لم يكن للعرب من ذكر في التاريخ حتى قبل الميلاد بمائة سنة، وأيضاً لم يكن لهم وجود في كل ما تعرف ببلاد الشام أو سوريا الكبرى أثر يذكر قبل الدولة الإسلامية، فهل نقول أن هذه المصطلحات؛ من الجغرافية العربية و الوطن العربي والدول العربية “تسيء إلى اللحمة التاريخية بين الكورد والعرب”، كما هو يفهمها من مصطلحات مثل كوردستان سوريا وكوردستان الغربية وغرب كوردستان على أنها تسيء إلى هذه اللحمة وذلك عندما يقول: “مصطلحات مثل ‘كردستان سوريا’ و’كردستان الغربية’ و’غرب كردستان’ تسيء الى اللحمة التاريخية بين عرب الجزيرة واكرادها”.

ويضيف صاحبنا في بداية مقاله: “منذ أحداث القامشلي الأخيرة وانا اتابع باهتمام أكثر من قبل الخطاب الكردي السوري وما يكتبه المثقفون الاكراد وخصوصا السوريين منهم. ولاحظت ان هؤلاء الكتاب قاموا بخداع المثقفين السوريين بسبب جهلهم لتاريخ شمال شرق سوريا. واقنع الاكراد النخب السورية ان الحكومات السورية قامت بتعريب اسماء بعض المدن وهذا غير صحيح. ويلجأ بعض الاكراد للكذب على السوريين الذي لا يعرفون تاريخ منطقة الجزيرة من خلال تكريد اسماء المدن المهمة في الجزيرة السورية، فمثلا، يقوم معظم الاكراد بتكريد اسم مدينة رأس العين السورية الذي ترجم من لغة سوريا القديمة السريانية الارامية (ريش عينا) الى الاسم الكردي الجديد للمدينة (سري كاني) ويحاول ان يقنع الاكراد السوريين بحقائق غير صحيحة تحت عنوان التعريب.. ولمن يرغب في التأكد من قولنا هذا فليراجع كتب التاريخ وليتعرف على مدى التزوير الذي تمارسه بعض المواقع الكردية تجاه هويتنا وأسمائنا السورية. فالاكراد يحاولون تكريد كذلك اسم مدينة عفرين (بالقرب من حلب) التي هي تسمية سورية اصلية وتعني التراب بلغة سوريا القديمة الارامية، فيكردونها الى التسمية الكردية (كرداغ)، ووجود الاكراد في عفرين يعود الى القرنين الاخيرين وجاؤوا من تركيا الى منطقة حلب وريفها هربا من الاتراك”.

ما نلاحظه أولاً ومن خلال سرده لمقاله؛ إنه يتهم الكتاب والمثقفون الكورد إجمالاً، وكأنهم نسخ فوتوكوبية عن بعضها، بالخداع والكذب على السوريين وذلك بتزوير هؤلاء الكتاب لتاريخ المنطقة وأيضاً لجهل السوريين بهذه الحقائق والتي يمتلكها السيد مناف جاسم لوحده من دون كل السوريين، فأي فرادة وعبقرية لهذا الرجل من دون كل الناس. ثاني الأشياء أنه يقر بسورية هذه المناطق ولا يقول عروبيتها وهذه تحسب له؛ بدليل إنه قال: إن تسمية مدينة رأس العين هي عبارة عن ترجمة التسمية السريانية الآرامية (ريش عينا) وهو لم يقل الترجمة إلى العربية بالطبع، ونسي هكذا فعل الكورد حيث قاموا بالترجمة إلى (سري كانيه) ولن نضيف ونقول: إن من أسماءها القديمة أيضاً (واشوكاني) وكانت عاصمة الميتانيين والذين يعتبرهم الكورد إنهم من أسلافهم السابقين.

نعم.. إنه – وكما رأيناه – ينادي بسورية بل بسريانية وآرامية هذه المدن وهذا حسن، ولكن الملاحظ أنه يحمل أسماً عربياً فهو الآخر إذاً ليس بساكني سورية الأصليين – حسب رؤاه وقراءته للتاريخ وليس قراءتنا – فهو الآخر وافد على المنطقة، وبالتالي وحسب نظريته؛ لا يحق له محاكمتنا، كوننا نحن الاثنين وافدين على سوريا.

وهكذا.. فإنه في النقطة الثالثة؛ يدعي بأن الكورد يقومون بتكريد المنطقة أو أسماء المدن، كونهم – وحسب مفهومه – لم يكونوا يقطنون في هذه الجغرافية أي كوردستان، بل هم وفدوا إليها في هذه السنوات الأخيرة، بل وكأن الكورد هم محتلين لهذه المناطق و يملكون من القوة والسلطان بأن يحوروا ويكردوا أسماء هذه المنطقة، ولعمري هذه كذبة علنية ومكشوفة؛ فأولاً وأخيراً وكما أكدنا في العديد من المقالات؛ أن الوجود الديموغرافي على الأرض تثبت أن هذه المناطق هي مناطق كوردية وأن أسمائها أتت من ساكنيها، وأنه في الفترة الأخيرة وبعد تولي التيار القومي العربي وتحديداً البعث للسلطة في سوريا، قامت بتعريب أسماء المدن والبلدات الكوردية، وسوف نؤتيه بشاهد ومن مئات بل آلاف الشواهد لندحض به أقواله البعيدة عن الواقع والحقائق.

فهو يدعي بأن “وجود الاكراد في عفرين يعود الى القرنين الاخيرين وجاؤوا من تركيا الى منطقة حلب وريفها هربا من الاتراك”. لن ندخل معه في سجال عقيم حول متى سكن الكورد منطقة عفرين ونتركها لعلماء الآثار والباحثين في التاريخ، ولكننا نطرح السؤال التالي عليه: من كان يسكن عفرين وذلك قبل أن يقطنها الكورد الذين فروا من تركيا قبل قرنين، حسب زعمه أيضاً، وهل كان للعرب فيها من أثر، وأين هم سكان عفرين الأصليين ولم يمضي عليها إلا قرنين، كما يدعي؛ فهل أبتلعهم الكورد أم طاروا إلى أفلاك وكواكب أخرى.

ولكن ليس هذا موضع الخلاف والجدل، بل إنه يقول: بأن”الاكراد يحاولون تكريد كذلك اسم مدينة عفرين (بالقرب من حلب) التي هي تسمية سورية اصلية وتعني التراب بلغة سوريا القديمة الارامية، فيكردونها الى التسمية الكردية (كرداغ)”. إننا وكأحد مواطني عفرين، ولن نقول كورد منطقة عفرين، حتى لا يتحسس أخونا “العوري”؛ من العربي السوري – ولا نقصد كل الأخوة العرب ولا الإهانة أيضاً من خلال طرحنا لهذه المفردة، وإنما كاصطلاح تمييزي لهؤلاء الذين يحاولون أن يخفوا عروبتهم المغالية بإطار سوري وهم أكثر من يسيئون إلى سورية السوريين – نعم نقول له: إننا وكأحد ساكني “كرداغ” والتي لا نستخدمها كونها أولاً مصطلح تركي وليس كوردي وهذه تكشف مدى جهل، هذا الرجل، بالموضوع الذي يتناوله وباعتقادنا هذه كافية أن تكشف لنا مدى صدقيته مع نفسه ومع الموضوع الذي يتناوله وأيضاً مع المتلقي – القارئ.

وثانياً هو لا يدرك الفرق بين “عفرين”؛ كتسمية لمدينة عدد سكانها بحدود (60) ألف نسمة – حيث الغالبية المطلقة هم من الكورد مع بعض الوافدين العرب وخاصة في السنوات الأخيرة وبتشجيع من الحكومة، وخاصة بعد مشروع الإصلاح الزراعي وتوزيع قطاعات واسعة من الأراضي عليهم وتشجيعهم للإقامة فيها – وبين مصطلح “كرداغ” والتي تعني بالتركية وليس الكوردية “جبل الأكراد”؛ والتي تضم عفرين كمدينة بالإضافة إلى عدد من النواحي والبلدات الأخرى وحوالي ثلاثمائة قرية ومزرعة أو أكثر بقليل.

وثالث هذه الأثافي أو الأكاذيب أنه يدعي بأن “الاكراد يحاولون تكريد كذلك اسم مدينة عفرين.. فيكردونها الى التسمية الكردية (كرداغ)”. ونحن نقول من جهتنا، بل وثائق الدولة السورية تقول: إننا كمواطني منطقة عفرين متمسكون بهذا المصطلح السوري، ولا نريد تبديل أسماء مدننا وقرانا بالأسماء الجديدة والمعربة؛ كأن يبدل أسم قرينتنا من شيخ جقلي إلى “تل الثعالب”. فهل وصلتك المغزى “سيدي”؛ إن أمثالك من المنظرين والأيديولوجيين القومجيين وفي السنوات الأخيرة قاموا بتعريب أسم مدن وقرى منطقة عفرين القديمة والتاريخية، والتي هي إما آرامية – سريانية أو كوردية – آرية إلى العربية وذلك على عكس ما تدعيه؛ بأن الكورد “يكردون” أسماء المدن السورية، وهكذا نكتشف من الذي يكذب على السوريين ويخادعهم.

ولا ندري كيف تستقيم الأمور عند هؤلاء المغالين؛ فهم يجمعون المتضادات والتي تنفي الواحدة الأخرى وذلك ضمن سياق فكرة واحدة، فها هو الأخ مناف يكتب في مقاله: “اقول رغم تضامني مع نيل الاكراد لحقوقهم الثقافية والادارية والسياسية، لكنني في نفس الوقت اتخوف من سياستهم التي تصب في تكريد اسماء المناطق والمدن السورية. فالجزيرة السورية وبحسب معظم مواقع الاكراد الانترنيتية تكردت الى (كردستان سوريا) مما يعني انهم يعملون في الخفاء على اغتصاب جزء من الارض السورية كما فعلت قبلهما كل من تركيا واسرائيل. والاكراد يقنعون شبيبتهم، ان منطقة شمال سوريا هي ارض كردية وهذا ايضا غير صحيح، لأن الاكراد شعب هاجر من ايران الى تركيا اولا وثم جاء من تركيا الى سوريا ثانيا. وهناك حقيقة مهمة نود تسليط الضوء عليها وهي ان وجود الاكراد في مدن مثل دمشق وادلب وحلب هو اقدم من وجودهم في الجزيرة ومع هذا فهم لا يتجرأون للمطالبة بضم دمشق الى كردستان لان عامل الجغرافية لا يساعدهم، لحسن حظ الدمشقيين طبعاً”.

ما نلاحظه ذاك التناقض السافر في خطابه والذي يكشف عن المستور والمخفي وراء السطور؛ فهو من جهة مع “نيل الاكراد لحقوقهم الثقافية والادارية والسياسية” ومن جهة أخرى يخاف من أطروحاتهم كونهم “يعملون في الخفاء على اغتصاب جزء من الارض السورية كما فعلت قبلهما كل من تركيا واسرائيل”. وهكذا نستنتج من هذا التناقض في الطرح، عند الأخ مناف، إما أنه يجهل معاني المصطلحات السياسية أو يكذب علينا في مسألة تعاطفه مع القضية الكوردية؛ بأن ينال الكورد حقوقهم الثقافية والإدارية والسياسية، وذلك كما كذب من قبل على السوريين عامة في مسألة تكريد المناطق الكوردية. فالذي يكون مع نيل الكورد لتلك الحقوق لا يقول بنفس الوقت أنهم يعملون على “اغتصاب جزء من الارض السورية”؛ كون القبول بالحقوق السياسية والإدارية هو ضمناً اعتراف بأحقية ملكيته للجغرافية التي سيقيم إدارته عليه، مهما كان شكل هذه الإدارة ذاتية أو فيدرالية – كونفيدرالية أو حتى الاستقلال التام. أما أن تكون ولا تكون مع هذه الحقوق وفي سياق نفس الفكرة، لعمري إنها لانفصام بالشخصية واللعب بالألفاظ والضحك على السذج والبسطاء والعامة؛ على أنك مع قضايا حقوق الإنسان كأفراد وشعوب، وأنت بنفس الوقت من أكثر المعادين لتلك القضايا، ولذلك نود من أصحاب هذه الأقلام أن يبدوا آراءهم وقناعاتهم من دون رتوش وتزييف و”ضحك على الذقون”.

والنقطة الأخرى والتي نود أن نقف عندها، رغم تنبيه الصديق والكاتب جورج كتن لنا؛ بأن لا نلجأ إلى التاريخ كي نثبت أحقية الكورد بالأرض التي يقطنونها، كما يفعل بعض الأخوة من المثقفين والكتاب العرب، بل أن نعمل حسب المعطيات الراهنة والوقائع التي على الأرض والتي تثبت كوردستانية هذه الجغرافية وعدالة القضية الكوردية. نقول رغم قناعتنا التامة بهذه الفكرة، سوف نقف عند مقولة الأخ مناف وادعائه بأن: “الاكراد يقنعون شبيبتهم، ان منطقة شمال سوريا هي ارض كردية وهذا ايضا غير صحيح، لأن الاكراد شعب هاجر من ايران الى تركيا اولا وثم جاء من تركيا الى سوريا ثانيا”. إننا وكما أكدنا مراراً لن ندخل في التفاصيل التاريخية؛ متى كانت تلك الهجرات، وهل هي كذلك حقيقة، ومن سبق من في الاستيطان في هذه المناطق وغيرها من الأسئلة الأخرى والتي تتعلق بالجوانب التاريخية، فهي من جهة ملك التاريخ ومن جهة أخرى حقل ثقافي مختلف.

ولكن نتساءل وببراءة؛ هل كان العرب ومنذ الإنسان النيندرتالي أو منذ “آدم وحواء” يسكنون هذه الجغرافية والتي تعرف بالوطن العربي، وليس العرب وحدهم، بل متى جاءت الموجات التترية والمغولية إلى هذه المناطق ومن ثم نعترف بالدولة التركية ونقيم معها أفضل العلاقات، وهذه لا تعني إننا نرفض العلاقات مع دول الجوار، ولكن نسأل: لما نعترف بحقيقة وجود أحدهم على الأرض ونقول عن الآخر على أنه وافد ومهاجر وكلنا نعلم أن الحياة القبلية – الرعوية هي التي كانت السائدة إلى فترات جد قريبة وبالتالي فكانت هناك هجرات وغزوات وإنزياحات في المكان والجغرافية، وبشكل شبه دائم، ولم نعرف الاستقرار والحياة المدنية إلا في مراحل متأخرة جداً، وهكذا فلا أفضلية ولا أسبقية لأحد على الآخر في هذه المسألة وكفانا خطاباً أهوجاً أجوفاً عن أقدميتنا وكأن بقية شعوب العالم لم تعرف المدينة والاستقرار إلا مع الحضارة الإسلامية؛ مع أنها ليست بملك للعرب وحدهم، فجميع شعوب المنطقة ساهمت في هذه الحضارة.

أما لغة التهكم والسخرية في قولك: “وهناك حقيقة مهمة نود تسليط الضوء عليها وهي ان وجود الاكراد في مدن مثل دمشق وادلب وحلب هو اقدم من وجودهم في الجزيرة ومع هذا فهم لا يتجرأون للمطالبة بضم دمشق الى كردستان لان عامل الجغرافية لا يساعدهم، لحسن حظ الدمشقيين طبعاً”. فهي تنم عن نمط أخلاقك وثقافتك في قبول الآخر وتبني قضاياهم، ولا تستحق الرد من جانبنا؛ لأننا ننأى بأنفسنا أن ننحط إلى مستوى الاستهزاء والسخرية من شخصية إنسان كفرد ومواطن، ومهما كنا على خلاف معه، ناهيك عن الاستهزاء والسخرية من قضية أمة تتجاوز تعداده مجموع سكان دول الخليج، وهذا ليس إنقاصاً للإخوة في الخليج وإنما هي حقيقة جيوسياسية وديموغرافية.

ولن نزيد أكثر ولكن نقول أخيراً: بأن الذي يدعو إلى “اللحمة الوطنية”، عليه أولاً وأخيراً أن يعترف بالحقائق كما هي على الأرض ومن ثم يدعو إلى الحوار حول بعض التفاصيل والتي تكون بحاجة إلى الشرح والتوضيح ومن ثم الاتفاق على قواسم مشتركة تراعي حقوق الجميع في دولة مدنية عصرية. أما بخصوص طرحكم؛ “ان الدفاع عن حقوق المواطنين الاكراد السوريين والدفاع عن خصوصيتهم اللغوية والثقافية شيء والاقرار بوجود ارض كردية تاريخية في سوريا شيء اخر كأن نعترف بان الجولان هي اسرائيلية (جولان اسرائيل)..” وبأن الكورد – وهو يوردها بصيغة التملك؛ فيقول أكرادنا – “.. يطمعون باغتصاب بلدنا تحت شعار (الوجود التاريخي للكرد في سوريا) او (حق تقرير المصير) او (الفيدرالية والحكم الذاتي)”.

وأخيراً فإننا نقول لهؤلاء: كفاكم تلميحاً وإيحاءاً للأجهزة الأمنية وتخويف الشعب الكوردي وحركته السياسية ومثقفيه بهذه الأطروحة التي لا تخدم السوريين بجميع مكوناته العرقية – الأثنية والدينية – المذهبية وأيضاً العقائدية – الحزبية والسياسية، ولا تجعلوها فزاعة ترهبون بها الشعب والسلطة في سوريا، ونقولها ككاتب وأحد المهتمين بالشأن الكوردي والسوري عامة، وهذه ليست قناعتنا لوحدنا، بل هي قناعة الأغلبية في الحركة السياسية الكوردية في الداخل والخارج: بأنه لا انفصال عن الوطن وأن سوريا هي بلد كل السوريين ولذلك فلا تزاود علينا بوطنيتك هذه، فكلنا نعمل من أجل سوريا بلداً حراً ليبرالياً ديموقراطياً، ولسنا بحاجة لمن يذكرنا بوطنيتنا و واجباتنا تجاه البلد.

جندريسه-2006

الخطاب العربي

والقضية الكردية

(7)

هل صحيح أننا نود أن نتحاور لنصل إلى نتائج مرضية وواقعية توافقية؛ بحيث “يرضى” الجميع بها وتحقق بالتالي الحد الأعلى – وليس الأدنى – الممكن لكل الأطراف والتي نتشارك مع بعضنا على هذه الجغرافية المتنازع حتى على مسمياتها وليس فقط هويتها وثقافتها الحضارية وبالتالي انتمائها السياسي والحضاري. أم إننا نريد أن نبقى أسيري الفكر السلفي القومي المتشدد وبالتالي أن نتمترس خلف أيديولوجياتنا الجاهزة والمعلبة وهكذا يستمر “حوار الطرشان” بيننا ويبقى الهدف هو “ضرب الناطور وليس أكل العنب” وحل مشاكلنا المستعصية وذلك نتيجةً لثقافاتنا المتوارثة والقائمة على مبدأ الإقصاء والنفي أو الابتلاع والتذويب.

ما دفعنا أن نكتب ما سبق – وحسب منهجية هذه السلسلة من المقالات – هو ما كتبه الأستاذ معقل زهور عدي في نشرة ( كلنا شركاء ) عدد 4/7/2006م. وتحت عنوان: “آفاق التعايش العربي – الكردي في سورية” حيث يشيد في بداية مقاله بالجهود والمساهمة والمشاركة الكردية وإلى جانب إخوتهم العرب في بناء هذه البلدان والحضارات فها هو يكتب: “فالأكراد لن يهاجروا من سورية وكذلك العرب بالطبع، وهم محكومون بالتعايش الذي استمر مئات السنين دون ان نسمع في التاريخ عن اضطهاد العرب للكرد أو الكرد للعرب، ما نعرفه هو تاريخ مشترك لعب فيه الأكراد دورا هاما وايجابيا في الحضارة العربية الاسلامية، وشاركوا فيها في الغنم والغرم، في الدفاع عن الأرض والقتال ضد الغزاة كما فعل نور الدين الشهيد وصلاح الدين الأيوبي وصولا الى ابراهيم هنانو، وفي تبوء الحكم وانشاء الممالك والدول ومنها مملكة حماة الأيوبية التي يعتبر أحد ملوكها الكردي ( أبو الفداء ) رمزا للعدل ومحبة الحضارة والعلم والأدب العربي”.

نود أن نذكر الأخ معقل بأنه صحيحٌ كان هناك تعايش بين هذين المكونين وغيرهم من الإثنيات والأعراق في ظل الدولة الإسلامية ولكن ضمن حامل ثقافي عربي؛ أي بهوية وثقافة عربية وهذا بحد ذاته هو الاضطهاد، بل هو إلغاء وتذويب للآخر ونعتقد بأن الأخ معقل يتفق معنا بأن هذه (أي تذويب الآخر) هي أشد من الاضطهاد بكثير. ولكنه – وللأسف – لا يكتفي بذاك الإجحاف بحق التاريخ وشعوب المنطقة، بل يحاول أن يشوه الحاضر أيضاً وذلك عندما يتعرض لتجربة إقليم كوردستان (العراق) ويكتب في سياق المقال نفسه ما يلي: “حيث لم يكن في ذلك الوقت لحسن الحظ مكان للمتعصبين الأكراد الذين ظهروا ( لسوء الحظ ) في عصرنا أمثال الذين يحاولون في كردستان العراق اليوم محو كل ما هو عربي بدءا من الأبجدية وليس انتهاء بغسل التاريخ من كل ما هو مشترك وثمين بين العرب والأكراد، وفبركة تاريخ آخر يشطب أكثر من ألف عام ليعود لفضاء الألف الثاني قبل الميلاد في رحلة اسطورية على خطى بعض المارونيين المتعصبين”.

حيث نلاحظ أنه يتجنى على تجربة الكورد في الإقليم من عدة نقاط ومواقف: أولها، عندما يحاول أن يوحي للقارئ بأن الكورد يحاولون أن يغيروا معالم ثقافتهم – مع العلم أن الواقع في كوردستان العراق يكذب هذه الافتراءات – وذلك جراء طرح ثلة من النخب الكوردية ونتيجةً لاجتهادات لغوية وليس سياسية بحتة (وإن كان هناك البعض منه) بتغيير الحرف العربي – الآرامي الأصل – إلى الحرف اللاتيني، وهكذا يستبان لنا الموقف السابق والجاهز لديه تجاه غيره وقضاياهم؛ ألا وهو التخوين و(التنكر للأصل) وكأن الكورد قبيلة عربية أو فخذٌ من قبيلة وبالتالي ثقافتهم ولغتهم وأبجديتهم هي عربية بحتة وبأن هذه الثقافة والأبجدية ومن خلال الإسلام لم تقم بعملية الاحتلال والسلب والإقصاء لثقافة الأصل الكوردية والأمازيغية كنماذج حية.

ثانياً نحن من يجب أن يحاسب الثقافة والتاريخ العربي الإسلامي بأنها ثقافة غزو واحتلال وهي قامت بـ”محو كل ما هو (أصيل وأصلي) بدءا من الأبجدية وليس انتهاء بغسل التاريخ” وليس هذه الثقافات وشعوبها التي تعرضت للنهب والسلب واليوم تناضل في سبيل حريتها واستقلالها وبالطرق السلمية الديمقراطية وليس على الطريقة الإسلامية بالإكراه وقطع الرؤوس. ونعتقد بأن هذه – الإبقاء على ما هو قائم وبالتالي هيمنة العنصر العربي على كل المكونات الأخرى- هي بؤرة القلق والأرق لدى السيد معقل زهور عدي، وليس خوفه على الأخوة العربية الكوردية أو مسألة التعايش والجوار وسوف نتأكد من ذلك في الفقرات اللاحقة والتي سنقف عندها من مقاله المشار إليه.

حيث يكتب بصدد المسألة الكوردية في سوريا ومجموعة المشاكل والقضايا العالقة والتي لم تعالج رغم كل هذه السنوات والأنظمة المتعاقبة وبعض الوعود بين الحين والآخر، ما يلي: “باستثناء مسألة تجنيس الأكراد غير المجنسين (وقد كان عدم تجنيسهم بالطبع خطأ غير مبرر)، والسماح للأكراد بالتمتع بلغتهم وثقافتهم، لا توجد في سورية مشكلة كردية حقيقية سوى ما تريد بعض النخب النفخ فيه متشجعة بالحالة الكردية في العراق دون ادراك للفرق الكبير بين وضع الأكراد في العراق ووضعهم في سورية، ومتشجعة – ولنكن صريحين – بالحملة الأمريكية على العراق والمنطقة، معتبرة ان الفرصة قد لاحت للاستقواء بالأمريكان وحلفائهم لانتزاع حقوق غير حقيقية والانقلاب على التعايش العربي – الكردي”.

لاحظ بدايةً مفهوم “حقوق غير حقيقية” والالتباس الذي يقع فيه الكاتب وذلك عندما يكون مأخوذاً بفكر مغلق وقمعي وكيف يلتبس عليه الأمور والحقائق؛ وإننا نسأله هنا: كيف هي “حقوق” من جهة ومن الجهة الأخرى هي “غير حقيقية”، فإما هناك حقوق أو لا حقوق.. وهكذا وبجرة قلم – ولن نقول بإيحاء من جهات معينة حتى لا نقع في مصيدة تخوين الآخر، ولكن بالتأكيد نابعة من عقلية عروبية متشددة – يريد أن يشطب على مسألة تعتبر من أعقد وأهم المسائل السياسية والحقوقية والإنسانية في سوريا، بل لهي مسألة جيوسياسية بامتياز ألا وهي القضية الكوردية.

وليس كما يدعي بأنه “باستثناء مسألة تجنيس الأكراد غير المجنسين (وقد كان عدم تجنيسهم بالطبع خطأ غير مبرر)، والسماح للأكراد بالتمتع بلغتهم وثقافتهم لا توجد في سورية مشكلة كردية حقيقية”. وهكذا فهو يحصر المسألة الكردية في حقوق ثقافية لغوية وبأنها ليست قضية أرض وشعب وكأنهم جالية يعيشون في بلدٍ هاجروا إليه لظروف أمنية سياسية أو اقتصادية معيشية وبالتالي فهم ليسوا على أرضهم التاريخية ليطالبوا بحقوق سياسية، وحتى مسألة عدم “تجنيس الأكراد غير المجنسين” فهو بنظر السيد معقل عبارة عن “خطأ” ولو أنه “غير مبرر” وينسى أو يتناسى بأنها كانت ضمن مشروع قومي عروبي وبعثي أمني وعلى جانبي الحدود ومن قبل النظامين البعثيين في كل من سوريا والعراق.

المسألة الأخرى والتي نود أن نقف عندها وبشيء من الصراحة – كما يطلبها السيد معقل نفسه – هي مسألة “الاستقواء بالأمريكان”. فالرجل يحاول أن يؤلب الرأي العام العربي على الكورد وقضيتهم وذلك بربطها بالمشاريع الغربية الأمريكية وينسى مرة أخرى بأن كياناتهم السياسية العربية – الاثنان والعشرون – ما هي إلا حصيلة المشروع الغربي الاستعماري نفسه؛ اتفاقية سايكس-بيكو وملحقاتها. وبالتالي فهم قد سبقونا إلى هذه المسألة منذ أكثر ما يقارب القرن، هذه من طرف. ومن الطرف الآخر إننا نسأل الأستاذ معقل وبكل هدوء ودون تشنج؛ ما الذي دفع بكورد (العراق) لأن “يتحالفوا” مع الغرب والأمريكان “متناسين” التاريخ المشترك و”الأخوة الكردية العربية”، وبالتالي لأن يقتدي بهم كورد (سوريا) وذلك على خطى إخوتهم العرب؛ لما انقلبوا على الدولة العثمانية وسلاطينهم وجورهم، أليس السبب نفسه أم يجب أن نكيل بمكيالين وفي كل القضايا.

وأخيراً نقول للسيد معقل زهور عدي بأن الذي يقول أنه “لا يمكن تأسيس التعايش سوى على الوضوح، والعقلانية، والتسامح “. فالأجدر به أن يطبق مبدأه أولاً على مقولاته ولا يطلقها جزافاً في الهواء ويدين بها “الضحية”؛ فأي عقلانية وتسامح هذا الذي تدعو إليه وأنت تتنكر لكل ما هو صريح وعقلاني وبالتالي لا تنسف مسألة التسامح فقط وإنما تريد أن تنسف الحقائق التاريخية أيضاً وذلك عندما تريد أن تنفي حقيقة كوردستان كجغرافية كوردية وذلك عندما تكتب: “من وجهة النظر العربية لا يمكن القبول بفكرة كردستان الغربية بأية طريقة” فأي روحٍ تسامحية تحمل وأنت لا تستطيع أن تقبل الفكر (الفكرة) بحد ذاتها وليس واقعاً جيوسياسياً كإقليم كوردي (كوردستاني) في هذا الجزء الغربي.

أما مسألة التاريخ فنتركها للمؤرخين والتاريخ – وهنا نعمل بحكمة الأخ والصديق العزيز جورج كتن – وذلك بأن يجيبوا على السيد معقل ونظريته التي تقول: “.. ان كان في نظرية الحوريين والميتانيين كأصول للأكراد شيء من الحقيقة وهو أمر غير مؤكد علميا حتى الآن”. وأيضاً في مسألة الوجود التاريخي للكورد في هذه المنطقة ونسبهم لأولئك وغيرهم من (الشعوب) والقبائل القديمة وإننا سوف نكتفي بالواقع الراهن كدليل واثبات على الواقع الجيوسياسي في منطقة الشرق المبتلي بنا وبثقافتنا الاقصائية والمبنية على الحقد والكراهية. حيث يريد السيد معقل أن يقلب الوقائع إلى مضاداتها وذلك عندما يدعي بأن الأغلبية السكانية الديموغرافية في الجزيرة ليست بكوردية ونحن ندعوه بدورنا إلى الانتخابات لتكون الفيصل بيننا وعندها ليتم تقرير كل المسائل على ضوء نتائجها وليس فقط حقيقة كوردستان (الغربية).

وآخراً نود أن نقول لكل الذين يريدون حلاً حقيقياً لمشاكلنا العالقة؛ بأن من يريد السير على هذا الدرب؛ درب الحوار للوصول إلى صيغ توافقية تلبي الحد الأعلى الممكن لكل الأطراف فعليه أن يتخلى عن جملة “حقائق” وهمية – على مبدأ حقائق غير حقيقية – أو تخيلية وأن يتمتع بنوع من المرونة السياسية وبالتالي ننسى قليلاً عصبياتنا القبلية القومية العرقية والدينية الطائفية وأخيراً الأيديولوجية السياسية لنصل إلى تفاهمات عامة. فالذي يجمعني بالآخر العربي المسيحي – الإسلامي العلوي الدرزي.. الخ هو إنسانيتي أولاً وسوريتي تالياً.

أما مسألة حقيقة الجغرافية الكوردية والمسمى بكوردستان (أرض الكورد) – وعلى غرار أفغانستان وباكستان وتركمنستان وعربستان و.. غيرها من أرض البشر – فيجب أن لا يكون بعبعاً للأخوة العرب؛ فهؤلاء الكورد لم يهبطوا من المريخ ليستقروا (ويحتلوا) الأرض العربية في الجزيرة – كما يزعم بعض المغالين – وغيرها من المناطق الكوردية وإنما ونتيجة لاتفاقيات استعمارية غربية تم تقسيم كوردستان كباقي جغرافيات المنطقة وألحق جزء منها بالدولة السورية الحديثة، وبالتالي فمن حق الكورد وغيرهم أن يقروا بهذه الحقيقة والتي لا تعني في حال من الأحوال بأنه وبالضرورة سيؤدي إلى تقسيم سوريا إلى دويلات كما يروج لها أصحاب الأقلام الصفراوية، بل كما هناك في سوريا جبل الدروز وجبل العلويين والساحل السوري هناك منطقة يجب أن يعترف بها على أنها كوردستان (سوريا). بما معناه الإقرار بـ”الحقائق” والوقائع التاريخية والجغرافية شيء ومسألة الحقوق وشكل العلاقة بين الأطراف والمركز شيء آخر ولا نريد الإطالة أكثر حيث نعتقد بأن الرسالة قد وصلت.

جندريس-2006

الخطاب العربي والقضية الكوردية

(8)

كنا قد قرأنا للسيد (تركي علي الربيعو) عدد من المقالات يتعرض فيها لقوى المعارضة السورية بشكلٍ عام وعلى الأخص منها ما يتعلق بالمعارضة الكوردية وكنا قد نوينا الرد عليه وقتها وذلك ضمن سلسلة مقالاتنا المعنونة بـ(الخطاب العربي والقضية الكوردية)، ولكن ولأسباب وظروف خاصة تتعلق بنا وعامة تتعلق بالمناخ السياسي العام ارتأينا أن بعض التريث والتروي يكون ضرورياً، إلى أن كان اليوم، لنعود مجدداً إلى مقالين له نشرتا ضمن فترة زمنية قريبة لبعضهما وعلى الشكل التالي: المقالة المعنونة بـ(المعارضة الكردية في سوريا تخطب ود أميركا) نشرت في موقع (الجزيرة نت) وبتاريخ (21/3/2006) والمقالة الثانية كانت بعنوان (المعارضة السورية إلى أين؟) وقد نشرت في دورية (الخليج) وأخذ عنها موقع (سورية الغد) ونشرته بتاريخ (26-6-2006). وإننا سنحاول أن نعود إلى المقالين المذكورين للسيد (تركي علي الربيعو) ونحاول أن نحاوره ونجادله بهدوء ودون مواقف مسبقة ومتشنجة، لكي يكون قراءتنا لما في السطور وليس بين السطور – فالرجل لا يمارس “خطاب التقية” كما تمارسها الحركة الكوردية، حسب رأيه وهو مصيب في ذلك – نعم.. لتكون قراءتنا منصفة وموضوعية وبالتالي سنحاول أن نستبين في تناولنا لمقالتيه السابقتين جملة القضايا والأفكار والمواضيع التي يطرحها من خلال تلك المقالتين.

وسوف نبدأ من العام إلى الخاص وبالتالي سنتناول المقالة المعنونة بـ(المعارضة السورية إلى أين؟) والتي تتعرض لمجمل قوى المعارضة السورية وتتساءل إلى أين تتوجه هذه المعارضة؟ في تساءلٍ لا يخفي الشك والريب بها ومن أنها مرتهنة؛ إما للخارج أو للمعارضة الكوردية! – ونحن هنا لا نخفي تعجبنا – أو للاثنتين معاً؛ حيث يكتب السيد (تركي علي الربيعو) في مقالته هذه، ومن جملة ما يكتب، ما يلي: “من وجهة نظر البعض، أن حالة الارتباك التي تعيشها المعارضة السورية وانقسامها إلى أشطار غير متآلفة هي نتيجة، فجبهة الخلاص الوطن (أي الوطني) التي يقودها عبد الحليم خدام وصدر الدين البيانوني المرشد العام للإخوان المسلمين في سوريا وبحضور أطياف من المعارضة الكردية الراديكالية التي رفضت التحدث بالعربية في مؤتمر لندن الأخير، وذلك في محاولة منها للتأكيد على أن قضيتها هي قومية أولاً قبل أن تكون وطنية، لم تفلح في كسب ود المعارضة في الداخل التي ظلت تنظر بارتياب كبير إلى خدام والبيانوني، خاصة وأن أغلب رموز هذه المعارضة اليسراوية يعيش حالة من الارتياب والخوف من الإخوان المسلمين. وهناك جماعة إعلان دمشق التي رفضت وترفض أن تمد يدها للخارج لكنها وبضغوط كردية من الداخل، حيث يشكل الأكراد حليفاً استراتيجياً لا يمكن الاستهانة به، رفضت أن تأتي على ذكر الامبريالية الأمريكية و”إسرائيل” ولا حتى عن الاحتلال الأمريكي للعراق، أضف إلى ذلك المعارضة الكردية التي تؤكد دائما على أنها جزء من المعارضة السورية بوجه عام مع الحفاظ على استقلاليتها، وهذا ما يفسر خطبها لود الولايات المتحدة في مؤتمرها الذي عقدته في أمريكا بتاريخ 13/4/2006 تحت قبة الكونجرس الأمريكي والذي دعت فيه أمريكا إلى الإطاحة بالنظام”.

بدايةً نلاحظ بأن السيد (تركي الربيعو) يحاول دق الإسفين بين أطياف المعارضة الوطنية وتحديداً بين القوى والأحزاب الكوردية وبقية قوى المعارضة السورية وخاصةً العربية منها؛ وذلك من خلال الضرب على وتر النعرات القومية وهو الذي يحاول أن يوهمنا بأنه ضد هكذا نعرات قومية وطائفية وبأنه تجمعنا الهوية الوطنية السورية وخاصةً عندما يوصف الحركة السياسية الكوردية، وعلى شكل اتهام صريح، بأنها تعمل “للتأكيد على أن قضيتها هي قومية أولاً قبل أن تكون وطنية”. وهنا نود أن نؤكد للسيد (تركي) – ومرةً أخرى – بأنه على الحق والصواب وأن رؤيته هنا صائبة وإننا لن نمارس “خطاب التقية” في هذه المسألة؛ حيث أن القضية الكوردية هي قضية قومية بامتياز وقبل أن تكون قضية وطنية سورية، تركية، إيرانية أو عراقية. بل أن القضية الكوردية في عمقها وبعدها التاريخي الوجودي أسبق وأقدم من تشكل هذه البلدان والدول الوطنية والتي كانت بفعل القوى الاستعمارية وحسب مصالحها واتفاقياتها والتي يتناطح لها السيد (تركي الربيعو) – ليلاً نهاراً وجهاراً ودون تقية – ويرفضها؛ أي تلك الاتفاقات والمعاهدات الدولية مثل سايكس-بيكو وغيرها (جملةً وتفصيلاً) فما باله يدافع عنها اليوم وذلك من خلال تمسكه بهذه الهويات الوطنية التي ما هي إلا تركة الاستعمار القديم وحلفائها في المنطقة آنذاك، حسب توصيف رموزه العقائدية من القوميين العرب.

أما النقطة الجوهرية والتي يحاول السيد (تركي علي الربيعو) أن يؤكد عليها هي قضية (تخوين) الحركة السياسية الكوردية، بل الشعب الكوردي برمته في محاولة منه لتحريض جهات معينة؛ إن كانت في السلطة أو المعارضة، ضد الشعب الكوردي وذلك عندما يكتب: “وهناك جماعة إعلان دمشق التي رفضت وترفض أن تمد يدها للخارج لكنها وبضغوط كردية من الداخل، حيث يشكل الأكراد حليفاً استراتيجياً لا يمكن الاستهانة به، رفضت أن تأتي على ذكر الامبريالية الأمريكية و”إسرائيل” ولا حتى عن الاحتلال الأمريكي للعراق، أضف إلى ذلك المعارضة الكردية التي تؤكد دائما على أنها جزء من المعارضة السورية بوجه عام مع الحفاظ على استقلاليتها، وهذا ما يفسر خطبها لود الولايات المتحدة في مؤتمرها الذي عقدته في أمريكا بتاريخ 13/4/2006 تحت قبة الكونجرس الأمريكي والذي دعت فيه أمريكا إلى الإطاحة بالنظام”. وهكذا نجد إنه يحاول مرة أخرى ضرب الإسفين بين قوى المعارضة السورية، وذلك في محاولة بائسة ويائسة منه بقلب قوى (إعلان دمشق) على بعضها، على اعتبار أن (الطرف أو الأحزاب العربية) المنضوية في الإعلان هي قوى وأحزاب وطنية “ترفض أن تمد يدها للخارج” ولكن وبحكم “الحليف الإستراتيجي”؛ (أي الأحزاب والقوى الكوردية) المنضوية هي الأخرى في الإعلان، وبالتالي “الضغط من الداخل” فإن قوى (إعلان دمشق) “رفضت أن تأتي على ذكر الامبريالية الأمريكية و”إسرائيل” ولا حتى عن الاحتلال الأمريكي للعراق”.

بل إنه يحشر بعض المواضيع في مقاله ذاك ومن دون ترابط منطقي وموضوعي بين تلك القضايا والمسائل؛ فها هو يحاول أن يحشر موضوع “المؤتمر الكوردي” والذي عقد في الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ (13/4/2006) من قبل بعض الأطراف والأحزاب الكوردية والتي هي بالأساس تعمل بين أبناء الكورد في المهجر (الطوعي – القسري). وقد غابت عن المؤتمر الأحزاب الرئيسية في الداخل – وهذا ليس خطاب تقية وإنما هي الحقيقة وبعكس ما يروج له السيد (تركي الربيعو)؛ حيث كان يجب، وبحكم المهنة والأخلاق، أن ينقل الخبر بحيادٍ وصدق – وهو بذلك يحاول أن يحشر الحركة السياسية الكوردية والشعب الكوردي عموماً في الزاوية الصعبة ويضعهم في مربع “التخوين” والشك به، وذلك عندما يؤكد بأن “المعارضة الكردية” والتي عقدت مؤتمرها في أمريكا “دعت فيه أمريكا إلى الإطاحة بالنظام” السوري. أليس هذه دعوة للسلطة وأجهزتها الأمنية إلى محاكمة الكورد، كل الشعب الكوردي و”معاقبته” وزجه في السجون والمعتقلات بحجة الاتصال بالخارج و”خيانة الوطن”، فأية أخلاق يتمتع بها هكذا شخص ناهيك عن أنه كاتب ومثقف وطني.

ونأتي الآن إلى المقال الثاني للسيد (تركي علي الربيعو)؛ حيث يقوم بتفصيل نقاطه بصدد المؤتمر الذي عقد في الولايات المتحدة الأمريكية فيقول: “بعد عامين على أحداث القامشلي 12/3/2004 أو ما سميت بانتفاضة القامشلي، يأتي انعقاد مؤتمر الكرد السوريين تحت قبة مبنى مجلس الشيوخ الأميركي برعاية أميركية، حين (حيث) عقد المؤتمر في الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت واشنطن وذلك في يوم الاثنين 13/3/2006”. إن قضية انعقاد المؤتمر على أنه مؤتمر لكل الكورد وقواها السياسية هي قضية منافية للواقع والحقيقة وقد أوضحنا ذلك سابقاً. أما ما يتعلق بخصوص مسألة (الانتفاضة) أو (الحدث) فهذه نقطة خلافية حتى داخل الكتل والأحزاب السياسية الكوردية، بل داخل الكتلة السياسية الواحدة، ونعتقد إن الخلاف حول هذه النقطة يتعلق بالموقف من النظام السياسي في البلد أكثر مما يتعلق بالمسألة والقضية نفسها وبالتالي الخلاف – في رأينا – ليس على المصطلح السياسي وهل هي (انتفاضة) أم (حدث)، بل – وكما قلنا آنفاً – الموقف من النظام.

ومن خلال الاستمرار في قراءة المقال نصل إلى نقطة مفادها، أن السيد (تركي الربيعو) يرفض حتى تلك القوى والكتل السياسية الكوردية والتي تحاول أن تتقرب من الطرف الآخر بشتى السبل والطرق، حيث تصل أحياناً إلى درجة التنازل عن (بعض) الحقوق القومية لصالح الطرف العربي المهيمن؛ (إن كان في السلطة أو المعارضة). وبالتالي فهو يرفض أن يُخرج حتى تلك القوى والأحزاب التي تتسم بالاعتدال – حسب رأيه – من صف “التخوين” و(الإستقواء بالخارج) حيث يكتب: “المؤتمر لم يكن مفاجئا كما يحاول أن يقنعنا بعض رموز المعارضة الوطنية السورية، أو حتى بعض الأحزاب الكردية على قلتها مثل الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي الذي هو أكثر هذه الأحزاب اعتدالا، وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا الذي جاء على لسان أمينه العام أن لأميركا تاريخا أسود في حق الشعب الكردي. بل إن هذا المؤتمر جاء نتيجة لخطاب قومي كردي ينشد الاستقلال في “أرض وشعب” كما جاء في البيان الختامي للمؤتمر، وبخاصة لدى الأحزاب الكردية الأكثر راديكالية، المأخوذة حتى لبابها، والمؤمنة بتحقيق دولة كردستان التي تمتد حدودها من شمال طهران إلى البحر المتوسط مرورا بالعراق وتركيا كما تظهر الخرائط الكردية التي توزعها هذه الأحزاب”. فالرجل يبدي رأيه هنا – وبنوع من الاستخفاف والسخرية – بالقضية الكوردية والخطاب السياسي الكوردي الذي يطرح القضية على أنها قضية “أرض وشعب” وكذلك بالمفهوم الجغرافي لكوردستان؛ أي أنه يرفض كل ما يدعو إلى الحل على أساس أن القضية الكوردية، وفي الأقاليم الأربعة وليس فقط في سوريا، على أنها قضية “أرض وشعب” وجغرافية مسلوبة و”مستعمرة دولية” كما يقولها الأستاذ إسماعيل بشكجي.

إن السيد (الربيعو) لا يكتفي فقط في محاولاته البائسة (بدحض) القضية الكوردية في أقاليم كوردستان الأربعة، بل يحاول أن يحرض عموم القوى العربية في سوريا وكذلك العالمين العربي والإسلامي ضد الشعب الكوردي وقواه السياسية مستغلاً بذلك المناخ السياسي والأجواء الثقافية العامة في المحيطين العربي والإسلامي المشحون ضد كل ما هو أمريكي وأوربي وضد كل من (يتعاون أو يتعامل) معهما، وينسى رفرفة الأعلام الأمريكية في كل العواصم العربية والإسلامية وكذلك الإسرائيلية في بعض تلك العواصم ومحاولات العواصم الأخرى لكسب رضا أمريكا وأوروبا ولن نقول إسرائيل أيضاً. بل إنه؛ (أي السيد الربيعو) يحاول أن يحرض السلطة السورية وقواها الأمنية ضد الكورد وقواها السياسية وبكل صفاقة مستغلاً الخطاب الشعاراتي التعبوي والسائد في البلد عموماً وذلك عندما يكتب: “.. إن انعقاد المؤتمر تحت قبة مجلس الشيوخ وبرعايته، لم يكن مفاجئا، فتظاهرة القامشلي التي أعقبت أحداث الشغب تلك، قادها اثنا عشر حزبا كرديا، رفعت فيها أعلام كردستان وحجب عنها العلم السوري كشاهد على الوطنية، حيث لم يتجاسر ولا حزب سياسي على رفعه. كذلك رفعت الشعارات التي تحيي الولايات المتحدة الأميركية وتحيي الرئيس بوش الذي أطلق عليه لقب “بافي آزاد” بالكردية وتعني “أبو الحرية” في محاولة لاستقدام أميركا كقوة محررة إلى سوريا لإسقاط نظامها الدكتاتوري وتكرار السيناريو الذي حدث في العراق”.

نقول أولاً: إنه ينافي الحقيقة مرة أخرى وذلك عندما يدعي بأن “تظاهرة القامشلي التي أعقبت أحداث الشغب تلك، قادها اثنا عشر حزبا كرديا”. حيث الحقيقة غير ذلك، بل قاد تلك المظاهرات بعض القوى السياسية الكوردية وغابت عنها البعض الآخر – وللأسف – وكذلك نلاحظ إنه يبدي موقفه الحقيقي تجاه “انتفاضة القامشلي” وذلك بتسميتها “أحداث الشغب” واتهام الكورد أنهم رفعوا الأعلام الكوردية ومن دون الأعلام (الوطنية) السورية، بل إنهم؛ (أي المتظاهرون في شوارع القامشلي) رفعوا (الشعارات التي تحيي الولايات المتحدة الأميركية وتحيي الرئيس بوش الذي أطلق عليه لقب “بافي آزاد” بالكردية وتعني “أبو الحرية” في محاولة لاستقدام أميركا كقوة محررة إلى سوريا لإسقاط نظامها الدكتاتوري وتكرار السيناريو الذي حدث في العراق). لا نعلم من أين يستقي هذا الرجل معلوماته؛ فإذا كان لا يجافي الواقع والحقيقة فهذا يعني شيئين لا ثالث لهما؛ إما أن الشعب الكوردي يعيش حالة الثورة والغليان وقد كسر حاجز الخوف من السلطة وأجهزتها الأمنية، أو أن تلك الأجهزة ومن وراءها السلطة والنظام السوري عموماً يعيش حالة الفلتان والضعف بحيث يطالب هذا الشعب بـ”استقدام أمريكا” من خلال “إستقوائه” بالخارج وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن الواقع الذي نعيشه، بل هو نفسه وفي سياق مقالته عن “المعارضة السورية إلى أين”، ينفي الضعف عن النظام السوري وذلك عندما يكتب: “.. كذلك لم تنجح الميول الاستعراضية للثعلب الألماني ديتلف ميليس إلا في إثارة الزوابع، ومع أن الرهان كان كبيراً عليه في خطاب المعارضة السورية من أجل استثمار الضغوط الأمريكية لفرض تنازلات على النظام ودفعه إلى الاصلاح، أو دفعه إلى الهاوية حيث راح بعض رموز المعارضة وفي لحظة نشوة يعد الشهور القليلة المتبقية للنظام في الحكم، ولكن الرياح لم تجر كما تشتهي سفن المعارضة السورية، فقد استقال ميليس ليخلفه سيرج براميرتس بمهنية عالية في التحقيق ونفس طويل قد يستغرق سنوات ليصل إلى نتيجة، وجاء طلبه بتمديد مهمته سنة إضافية أخرى، ليعري خطاب المعارضة التي ظنت أن أزمة النظام مع المجتمع الدولي على الأبواب”.

إن السيد (تركي الربيعو) يعترف هنا بأن النظام السياسي في البلد ليس ضعيفاً ولكنه بحاجة إلى الإصلاح، بل إنه يقر بأن الضغوط الخارجية وتحديداً الأمريكية ينصب بهذا المنحى والاتجاه، وبالتالي فيحق لنا أن نسأله هنا: هل أنت متفق مع المعارضة السورية، بكل قواها وأطيافها السياسية والعرقية والدينية المذهبية، “من أجل استثمار الضغوط الأمريكية لفرض تنازلات على النظام ودفعه إلى الاصلاح” – على فرض أن ذلك صحيحاً، حسبما كتبته أنت – وبالتالي فإن هذه العلاقة؛ (علاقة المعارضة مع الولايات المتحدة الأمريكية) هي إيجابية ولصالح البلد؛ بحيث أنه يدفع النظام نحو المزيد من الإصلاح، أم إنك ونتيجة إصرارك على أن تكون مدعياً ومنافقاً (كبيراً) ولا نريد أن نقول: محرضاً ومخبراً (كبيراً) لدى الأجهزة الأمنية؛ وذلك بتحريضك لتلك الأجهزة، أصبحت تناقض وتكذب نفسك بنفسك.

يبدو ومن خلال المقطع التالي، أن السيد (تركي الربيعو) مصاب بعقدة (كراهية الكورد)؛ فهو لا يكل ولا يوفر جهداً من أجل زرع بذور الخلاف والشقاق بين القوى السياسية الكوردية وبقية أطراف المعارضة الوطنية السورية، في محاولة منه أن تنقلب تلك الأطراف على الأحزاب والقوى الكوردية، فها هو يدون: “لم تمر أحداث القامشلي بسهولة، بل كانت مناسبة لتعاطف كبير من قبل المعارضة الوطنية السورية المحكومة بفقه النكاية ضد السلطة السورية. وسرعان ما أصبحت القامشلي محجا لقيادات المجتمع المدني في سوريا، ولقيادات الأحزاب السياسية المعارضة التي أعلنت تضامنها التام مع الأكراد، من حزب الإخوان المسلمين إلى حزب الشعب الديمقراطي بقيادة رياض الترك، الذي زار القامشلي على أمل توسيع قاعدة المعارضة للنظام ولكنه عاد خاوي الوفاض من هناك”. إننا نستغرب من هذا (الوطني) والذي لا يتعاطف مع قضايا و(أحداث) أو(مشاغبات) وانتفاضة (وطنية) سورية تذهب ضحيتها العشرات من أبناء الوطن، ناهيك عن الجرحى والمعاقين.

وبصدد الخطاب السياسي للحركة الكوردية يقول: “يدرك الكثير من رموز المعارضة الوطنية السورية، أن الخطاب السياسي الكردي خطاب تقية إن جاز التعبير، فقادة الأحزاب الكردية يضمرون غير ما يعلنون. فهم عبر اجتماعاتهم ولقاءاتهم مع رموز المعارضة السورية التي احتضنتهم قبل وبعد أحداث القامشلي، يؤكدون على الرابطة الوطنية السورية كإطار يجمع جميع قوى المعارضة التي تنشد الديمقراطية والوحدة الوطنية، ولكنهم ما إن يخلوا إلى بياناتهم التي توزع في مقاهي دمشق أو على شبكة الإنترنت، حتى يعطوا الأولوية لما هو قومي بل وحتى انفصالي. فالأكراد كما يقول خطابهم هم القومية الثانية في سوريا، القومية المهيمن عليها من قبل القومية العربية التي توصف بالاستبدادية، والتي تحتل أراضي كردستان الغربية، حيث تطالب بعض البيانات الكردية بإزالة المستوطنات العربية من أراضي كردستان وبطرد السكان العرب من هناك، خاصة من جاءت بهم الدولة تحت حجة الحزام العربي”.

إننا لا نعلم كيف تستقيم الأمور مع هذا الرجل؛ حيث كيف يمكن لقوى وأحزاب الحركة الكوردية أن يعلنوا ويؤكدوا “عبر اجتماعاتهم ولقاءاتهم مع رموز المعارضة السورية.. على الرابطة الوطنية السورية كإطار يجمع جميع قوى المعارضة التي تنشد الديمقراطية والوحدة الوطنية” ومن ثم و”ما إن يخلوا إلى بياناتهم التي توزع في مقاهي دمشق أو على شبكة الإنترنت، حتى يعطوا الأولوية لما هو قومي بل وحتى انفصالي”. وهل المعارضة الوطنية السورية تعيش في كهوف (تورابورا) حتى تغفل عن هكذا “خطاب تقية” ولا تدري “بما يضمره” الكورد وحركته السياسية.

أما بخصوص القضايا والمسائل الإشكالية والتي قال بأن الحركة الكوردية تطرحها من خلال “خطاب تقية” فنؤكد له ولكل أصحاب هذه المدرسة القومجية العروبوية بأن الحركة الكوردية، أو على الأقل معظم فصائلها السياسية تؤكد على هذه النقاط:

أولاً- الشعب الكوردي في سوريا يشكل القومية الثانية في البلاد، من بعد الأخوة العرب، وهذه حقيقة سكانية – ديموغرافية ولا يمكن إخفاءها أو إنكارها من خلال خطاب تعبوي قومجي.

ثانياً- هناك هيمنة من قبل القومية الثانية – بالتأكيد لا نحمل كل الشعب العربي وزر هذه الهيمنة، وإنما قواها السياسية وبما فيها قوى المعارضة السورية – التي لا تقبل فكرة وجود الشعب الكوردي كقضية شعب يعيش على أرضه التاريخية وبالتالي فقضيته هي قضية أرض وشعب.

ثالثاً- إن لم يكن إنكار وجود القضية الكوردية في سوريا ومحاولات طمس هويته وثقافته وصهره ضمن ثقافة وحضارة القومية المهيمنة – وهنا العربية والإسلامية – هي حالة من حالات الاستبداد والسلب فما تعريفها عند السيد (تركي الربيعو).

رابعاً- ترفض الحركة السياسية الكوردية تلك المشاريع العنصرية والتي استهدفت الأرض والشعب الكوردي من خلال القانونين السيئين الصيت ونقصد بهما (الإحصاء والحزام العربي) وبالتالي فإنها تطالب؛ (أي الحركة السياسية الكوردية) بإعادة الحق لأصحابها؛ من خلال إعادة الفلاحين العرب الذين تم استيطانهم مكان الفلاحين الكورد أصحاب الأرض وتعويض المتضررين وذلك ضمن مشروع وطني حقيقي وليس حزام يهدف إلى “الفصل العنصري”.

خامساً- وبخصوص قضية (الانفصال) وعلى حد علمنا ومعرفتنا بالخطاب السياسي الكوردي وبرامج الأحزاب الكوردية؛ فإننا لم نجد عند أحد من المعنيين بالقضية الكوردية في سوريا بأنه يدعوا إلى الانفصال وهذه الكذبة أكبر من أن يخفيها السيد (تركي الربيعو)، بل إننا نؤكد هنا مجدداً بأن الحركة السياسية الكوردية تبحث عن حلول حقيقية وعادلة للقضية الكوردية في سوريا ضمن وحدة البلاد، وهذا ليس بـ”خطاب تقية” يا سيد (تركي) كما ستفهمها – باعتقادنا ونرجو أن نكون مخطئين في اعتقادنا هذا – بل نؤكد ومرةً أخرى بأن هذه “الوحدة الوطنية” هي ضمانة وحماية لشعوبنا وبلداننا إن كنا كورداً أو عرباً أو فرساً أو تركاً وغيرهم من الأقوام والأعراق والأوطان التي تتجاور في هذا الشرق البائس والتعيس والموبوء بهكذا (قيم) وأفكار وأطروحاتٍ سياسية تفوح منها رائحة العنصرية والشوفينية والقومجية المقيتة. وهكذا فإن من مصلحة الكورد أن تبقى هذه البلدان موحدة، على الأقل في المرحلة الحالية.

ومن بعد كل هذا وذاك يأتي السيد (تركي) ليؤكد على كذبة كذبها وصدقها هو وحده، وذلك عندما يكتب في مقاله المذكور سابقاً وبخطٍ عريض ومميز: “من هنا فإن مؤتمر واشنطن الذي حضرته مجموعة من الأحزاب الكردية السورية كالتحالف الوطني الكردي والجبهة الديمقراطية الكردية وحزب آزادي الكردي في سوريا، وممثل حزب الاتحاد الديمقراطي وممثل عن حزب يكتي الكردي في سوريا، بالإضافة إلى شخصيات حزبية وثقافية كردية تمثل الجالية الكردية في أميركا وأوروبا، ليس غريبا أن تنص بعض توصياته على ما يلي”.

ويقوم بسرد تلك التوصيات ويمكن العودة إلى بيان المؤتمر أو مقالته للإطلاع عليها ولكن ما يلفت الانتباه؛ هو أنه يعلق على مسألة بحد ذاتها، ألا وهي التوصية التي تقول: “ضرورة إنهاء النظام الدكتاتوري الحاكم في دمشق” ويبدل مصطلح “إنهاء” وفي غايةً لنفس (يعقوب) بمصطلح”إسقاط”. وليتساءل من خلاله (لا تقول لنا التوصيات كيف يمكن “إسقاط النظام الدكتاتوري الحاكم في دمشق؟” ولكن مكان انعقاد المؤتمر يفصح عن ذلك، فأميركا وحدها بجيوشها وأساطيلها، تستطيع أن تكرر السيناريو العراقي في دمشق).

ونحن بدورنا نتساءل هنا، هل هناك حاجةٌ أكثر من هذا ليكون مبرراً للنظام وأجهزتها الأمنية من أن تشن حملات اعتقال واسعة في صفوف الحركة السياسية الكوردية ورموزها؛ فبحسب ادعاءات السيد (تركي الربيعو) إن كل الأحزاب الكوردية، بل وكل الشعب الكوردي يحاول “إسقاط النظام الديكتاتوري في دمشق” ومن خلال حضوره في مؤتمر (واشنطن) واستنجاده بأمريكا. إننا لا نعلم كيف لا يخجل هذا الرجل من نفسه بأن يفتري على الحركة الكوردية بهذا القدر من الادعاءات الكاذبة المنافية للواقع والحقيقة تماماً والكل يعلم علم اليقين بأن مؤتمر (واشنطن) – وكما قلنا في بداية ردنا هذا – بأنه لم يحضره إلا بعض القوى والأحزاب الكوردية التي هي بالأساس تشكلت في المهجر ولا قواعد لها في الداخل.

أما عن ادعاءه بأن كل من “التحالف الوطني الكردي (والأصح هو التحالف الديمقراطي وليس الوطني، وهذه تكشف مدى جهل هذا الرجل بما يكتب عنه) والجبهة الديمقراطية الكردية وحزب آزادي الكردي في سوريا، وممثل حزب الاتحاد الديمقراطي وممثل عن حزب يكتي الكردي في سوريا”, بأنهم حضروا المؤتمر فهو كاذب وعار من الحقيقة. نعم نود أن نؤكد هنا بأن هذا (الرجل) إما جاهل تماماً بالموضوع الذي يتناوله، ونحن لا نميل إلى ذلك؛ كونه على احتكاك مباشر مع الموضوع والقضية الكوردية – ولربما عن طريق الأجهزة الأمنية – وإما هو يريد أن يؤجج المشاعر القومية العربية ضد الشعب الكوردي وكذلك أن يحرض الأجهزة الأمنية لضرب الكورد في العمق.

حيث أن الرجل لا يخفي نواياه ولا يمارس “خطاب تقية” كما يمارسه الكورد – حسب ادعاءه – وهذه تحسب عليه وعلى الأجهزة الأمنية والنظام السياسي في البلد وكذلك على القومية السائدة برمتها وذلك عندما يلجأ الكورد إلى “خطاب تقية”؛ فهذا معناه أن هناك حالة استبداد واقمع في البلد وبشكل أكبر على الكورد ولذلك يلجأ الشعب الكوردي وقواها السياسية للعمل من وراء الكواليس و”في إطار خطاب التقية الموجه للمعارضة السورية” كما يقوله السيد (الربيعو) في مقاله. ولكن ينسى كل ادعاءاته هذه بشأن “خطاب التقية” والذي تمارسها الحركة السياسية الكوردية ليقول مباشرةً، ومن بعد الفاصلة فقط، أنه “في الوقت الذي ترفض فيه أطراف فاعلة من المعارضة السورية، أي تعاون مع الخارج تحت حجة إسقاط النظام الدكتاتوري، فإن المعارضة الكردية لا تخفي نواياها وهذا ما عودنا عليه الخطاب القومي الكردي الذي لا يجامل في هذا المجال”. ولا نعلم كيف يمارس الكورد “خطاب تقية” من جهة ومن الجهة الأخرى هي “لا تخفي نواياها” فكيف استقام الأمر عند السيد (تركي الربيعو) في هذه المسألة لا نعلم، وإننا نتساءل هنا: إن لم يكن هذا (الرجل) مدعياً ولن نقول مجنوناً أو معتوهاً؛ كيف يمكن أن يقول الشيء ثم يقول نقيضه وعلى لسان الحركة الكوردية.

كلمة أخيرة نود أن نقولها للسيد (تركي علي الربيعو): إننا لن ندخل في سجالٍ تاريخي وإحصائي معكم، وذلك بخصوص الشعب الكوردي ومسألة أنه يعيش على أرضه التاريخية وكذلك في مسائل الجغرافية ومساحة كوردستان والتعداد السكاني للشعب الكوردي، فهذه المسائل نتركها لأصحاب الاختصاص وهم الجديرون بإعطائنا الحقائق بخصوص هذه المسائل والقضايا القانونية والتاريخية والجغرافية. ولكن نود أن نقول لكم ولكل من يُنكر على الكورد حق الحياة والحرية والعيش الكريم: لتكن لكم عربستان وكوردستان وبعثستان (من البعث) وأمنستان ومخابرستان (من الأمن والمخابرات) وكذلك ليكن لكم الأرض والسماء والآلهة والملائكة والرسل والكتب و.. و.. ولكن فقط دعوا لنا الهواء لنتنفس قليلاً ودعوا ابنتيّ؛ (إستر ومايا) واللتان لم تتجاوزا عمر الورد، لا تبكيان وهما عائدتان من المدرسة؛ لأن آنستهم تتكلم لغةً هما لا تدركانها و.. أن لا تفزع أمهما من النوم عندما تسمع ضجيجاً في الشارع وذلك خوفاً على رجلها من عسس الفجر والظلام وبأن تفقده في غياهب السجون والمعتقلات وزنازين القهر والطغيان.

جندريس-2007
الخطاب العربي والقضية الكوردية

(9)

لم و لن نستغرب وجود تلك الأصوات التي تدعوا إلى الانفصال والقطيعة وأحياناً إلى العنف و(الإرهاب) لدى أبناء الأقليات العرقية والدينية المذهبية تجاه الأغلبية السائدة، خاصةً عندما يكون هناك أصوات طاغية لدى الأغلبية تدعو إلى نسف الآخر (الأقليات) وإلغاءها من الوجود ومن خلال عمليات الإبادة الجماعية “الجينوسايد” والأنفال وذلك على غرار ما قام به النظام العراقي البائد (صدام وطغمته الفاشية) بحق الشعب الكوردي في إقليم كوردستان (العراق) وكذلك بحق الطائفة الشيعية من أبناء الجنوب أو على الأقل صهرها (أي صهر تلك الأقليات العرقية والدينية) ضمن بوتقة الأغلبية المتسيدة في محاولات يائسة وبائسة بجعل هذه الجغرافيات التي تتميز بتنوعه الأثني العرقي والثقافي اللغوي والحضاري ذو لون وثقافة وحضارة واحدة إن كانت عربية أو تركية أو فارسية أو.. غيرها من الأعراق والأقوام.

ولكن أن يصل الأمر ببعضهم إلى فصل “كعب آخيل” أو فصل “الجيب العميل” على حد تعبير آخرين ومن باب الإجهاز على شعب وأمة بكاملها فلعمري أنه (قمة) اللاعقلانية واللاإنسانية ناهيك على أنها دعوة عنصرية شوفينية وفاشية وبـ(امتياز). فها هو المدعو (المحامي سليمان الحكيم) – وبالتأكيد فهو اسمٌ مستعار كون الخطاب (خطابه هو) لا يدل على أنه يتمتع بحكمة (النبي سليمان)، وكذلك لا يصلح إلا أن يكون محامياً لأمثاله من القومجيين والمتطرفين وقاطعي الأعناق والرؤوس – فإنه يكتب ومن خلال مقالٍ له بعنوان “مستقبل العراق والعبء الكردي” نشر في صحيفتهم المفضلة (كتابات) وبتاريخ (8 أيار 2006) ما يلي: “استقر عبر السنين قانون ذو طبيعة جدلية يحكم العلاقة بين السلطة المركزية فى العراق وبين مناطقه الكردية اذ كلما ضعفت الأولى توغلت الثانية وبصورة عدائية مستفزة فى مسالك الاستقلالية التى لم تفتصر على الجوانب السياسية والاقتصادية بل وصلت الى الموروث الدينى فاستدعت ومنذ1991 العقيدة الزرادشتية تلك الديانة الفارسية الموغلة فى القدم , ليس بسبب صحوة دينية أعادت الحياة اليها وانما اكمالا للسعى الكردى الحثيث الى التمايز والانسلاخ عن المحيط العربى والمسلم فى معظم افراده والذى يشكّل الأكراد خليجا صغيرا ناتئا على شواطئه”.

وهكذا يفهم من الخطاب السابق للمدعو (سليمان) وكأن القيادة الكوردية في إقليم كوردستان (العراق) تسعى حثيثاً بالعودة بالمجتمع الكوردي إلى الديانة الأقدم للشعب الكوردي ومجموع شعوب المنطقة آنذاك؛ ألا وهي الزرادشتية مع العلم بأن هذه المسألة لم تأخذ الاهتمام اللائق والحقيقي لا من جانب القيادة السياسية الكوردية ولا حتى من جانب المؤسسة الفكرية والثقافية ومراكز الدراسات والبحوث في الإقليم، ناهيك عن الأموال الطائلة والتي تسخر من قبل بعض دول الجوار لفتح كتاتيب تعليم القرآن والفقه الإسلامي ليصل الأمر إلى تمويل جماعات إرهابية داخل الإقليم وتجربة (شيخ زانا) نوردها كمثال على ذلك. وكذلك فهو يُنكر على الكورد أن يكون لهم “استقلالهم” وفي أي جانب من الجوانب، لا السياسية ولا الاقتصادية ولا حتى “الموروث الديني”، مع العلم أن القيادة الكوردية في الإقليم لم تطالب بالاستقلال – وكان ذاك مطلب الشعب الكوردي في الاستفتاء – ولكن ارتضت بأن مسألة الفيدرالية في (العراق) كفيلة بحل القضايا الشائكة والعالقة بين كل المكونات العراقية وضمان حقوقهم بما فيهم الشعب الكوردي.

ويضيف هذا (المحامي) الزائف: “وعندما تشتد شوكة السلطة المركزية تلجأ القيادات الكردية بكل اتجاهاتها الى اللعب على التناقضات الاقليمية ولما تلتقى هذه التناقضات فى نقطة توازن القوى تستدعى القيادات الكردية قوى خارجية مؤثرّة سواء كانت اسرائيلية أو اميركية . وبات واضحا ومنذ تركيب الأجزاء التى تشكلت منها الدولة العراقية الحديثة أن المنطقة الكردية نمثّل كعب أخيل فى بنيانها وأن مصالح الطرفين متناقضة الى حد يحتاج الى قرار عراقى مركزى شجاع يبتر ذلك الطرف الذى ألصقته معاهدة سايكس- بيكو بالجسد العراقى ويتركه لمصيره برغم المخاطر الأمنية التى قد تنتج عن ذلك الا أنها سنكون مخاطر ناجمة من خارج الحدود الجديدة وهى أهون حتما من تلك التى تتهدد الوطن من داخله, كما أنى لا أظن أن انكشافا جديدا سيحدث فى بنية الأمن الأمن الوطنى العراقى لأن هذا الاتكشاف حاصل فى كل الأحوال ومنذ تأسيس دولة العراق”.

ويزيد “..يمر العراق اليوم بأسوأ أوضاعه مما يعتبر سانحة ذهبية قد لا يكررها ظرف تاريخى للقيادات الكردية لاقتناص أكثر حجم ممكن من المكاسب والمناصب والامتيازات ليتم تقنينها بعد أن أتاحتها موازين القوى الراهنة بين مجتمع عربى مفكك يراد له أن يتناحر طائفيا وأقلية قومية تستدعى من أجل تلبية طموحاتها كل الأدوات دونما رادع من جوار أو من رابط دينى أو حتى مصالح مشتركة , ولا شك أن للطرف الكردى مصالح فى تأجيج الفتنة المذهبية فى الصف العربى العراقى ذلك انه كلما اتسعت الهوة بين الطائفتين وفاضت بالدم أمكن للجانب الكردى أن يلعب دور نقطة التوازن بينهما منتزعا التنازلات من كل منهما, ويمنلك الطرف الكردى من الخبرات الأمنية ومن القدرات المالية ما يؤهله للقيام بتأجيج الفتنة الطائفية خاصة وأن الخبرة الاسرائيلية التى لعبت دورا مماثلا فى الحرب الأهلية اللبنانية موضوعة بتصرفه بل أنى أزعم وجود علاقة تنسيق كاملة بين الجهات الاسرائيلية وبين حزب البارازانى بالتحديد وأزعم أن حزب الطالبانى يعرف كل تفاصيلها وان لم يتورط بالجانب العملى منها”. لقد أوردنا النص – المقال؛ مقال المدعو (سليمان الحكيم) والذي يدعو فيه أبالسته وجنيّه للانقضاض على الكورد وإقليم كوردستان (العراق)، كما في سالف الأزمان، حسب ثقافته وتراثه المسعودي – مثلما هو واردٌ في الأصل بأخطائها ومعانيها ومن دون تصحيح، ولكن وفي معرض الرد سوف نقوم بتصحيح تلك الأخطاء المطبعية.

ما نلاحظه أولاً المفردات والمصطلحات العنيفة التي يستخدمها في سياق خطابه التعبوي هذا من قبيل “تشتد شوكة السلطة، قرار عراقي مركزي شجاع يبتر ذلك الطرف (أي كعب آخيل الكردي) و.. ” غيرها من الجمل والتعابير، والتي تنم عن عقلية إجرامية عصاباتية (من العصابات) لا تعرف لغةً غير لغة العسكر والحرب والبارود وهكذا فالقتل والبتر وقطع الأعناق وبأعصاب باردة تكشف لنا شخصية هذا الرجل الحقيقية بأنه (خير) خلفٍ لـ(خير) سلف من أمثال الحجاج وصدام والزرقاوي والقائمة تطول. أما ما يتعلق بالمضامين فإنه يدعي بأنه “عندما تشتد شوكة السلطة المركزية تلجأ القيادات الكردية بكل اتجاهاتها إلى اللعب على المتناقضات الإقليمية ولما تلتقي هذه المتناقضات في نقطة توازن القوى تستدعى القيادات الكردية قوى خارجية مؤثرّة سواء كانت إسرائيلية أو أمريكية”.

وهكذا فهو يعتبر أن التواجد الأمريكي وقوات التحالف في المنطقة قد تم من خلال (دعوة كوردية) لهذه القوات والجيوش العسكرية والديبلوماسية وينسى أو يتناسى الوجود الأمريكي الذي يسبق حربي الخليج الأولى والثانية بعقودٍ وعقود وحتى قبل أن تستدعي التصرفات والحروب الحمقاء للنظام العراقي السابق هذه القوات إلى المنطقة، بل إن الوجود الأمريكي يسبق بعقود وعقود وجود (صدام حسين) نفسه في الحكم، وهو (أي صدام) الذي كان يتلقى الدعم من تلك الدوائر وفي أزمنة (سنوات العسل) بينه وبين تلك الدول والدوائر وذلك عندما كان يراعي مصالحهم. وبالتالي فالكورد براء من تهمة هذا الدعي وبأنهم (أي الكورد) هم من دعوا (أمريكا وإسرائيل) لغزو (المنطقة العربية) وكأن أمريكا وحلفائها رهن إشارة الشعب الكوردي وقياداته.

ولكن ما يحسب لهذا الرجل ومن دون سواه من المتطرفين القوميين المغالين، بأنه يعترف بالجغرافية الكوردية؛ إقليم كوردستان (العراق) وبأنها أُلحِقت بالعراق الحديث نتيجة صفقات واتفاقات دولية استعمارية ولو أنه يعتبرها (أي الإقليم) بأنها “كعب آخيل” ويجب (بترها) من الجسد والجغرافية العراقية (العربية) كونها نقطة ضعف ومقتل فيها، فها هو يكتب: “بات واضحاً ومنذ تركيب الأجزاء التي تشكلت منها الدولة العراقية الحديثة أن المنطقة الكردية تمثّل كعب أخيل في بنيانها وأن مصالح الطرفين متناقضة إلى حد يحتاج إلى قرار عراقي مركزي شجاع يبتر ذلك الطرف الذي ألصقته معاهدة سايكس- بيكو بالجسد العراقي ويتركه لمصيره برغم المخاطر الأمنية التي قد تنتج عن ذلك إلا أنها ستكون مخاطر ناجمة من خارج الحدود الجديدة وهى أهون حتماً من تلك التي تتهدد الوطن من داخله”.

وهكذا فهو يطلب من الساسة والقادة العراقيين، بل من الشعب العربي في العراق الفيدرالي، بأن يتخلوا عن هذا الإقليم (الكعب) – لاحظ التورية هنا؛ بأن الكورد وإقليم كوردستان (العراق) يمثلون الجزء الأدنى والأسفل من الجسد العراقي، وهي دلالة على الدونية والاحتقار والضعف والخيانة، خيانة للجسد والكل العراقي – وذلك عبر (بتر ذلك الطرف)؛ أي إقليم كوردستان و “الذي ألصقته معاهدة سايكس- بيكو بالجسد العراقي” ولكي “يتركه لمصيره” في إشارةٍ لدول الجوار بأن يجهزوا على هذا (الكعب والجيب العميل)، فهل بعد هذا دلالةٌ أكثر تنم عن عقلية الغائية شوفينية حاقدة تجاه شعب وأمة تتطلع لنيل حقوقها أسوةً بغيرها من شعوب المنطقة.

وبخصوص الاقتتال الطائفي – المذهبي في العراق بين مكوني (السنة والشيعة) فإنه يحمل الكورد وزر ذلك ويكتب بهذا الصدد في مقاله المذكور: “يمر العراق اليوم بأسوأ أوضاعه مما يعتبر سانحة ذهبية قد لا يكررها ظرف تاريخي للقيادات الكردية لاقتناص أكثر حجم ممكن من المكاسب والمناصب والامتيازات ليتم تقنينها بعد أن أتاحتها موازين القوى الراهنة بين مجتمع عربي مفكك يراد له أن يتناحر طائفياً وأقلية قومية تستدعي من أجل تلبية طموحاتها كل الأدوات دونما رادع من جوار أو من رابط ديني أو حتى مصالح مشتركة, ولا شك أن للطرف الكردي مصالح في تأجيج الفتنة المذهبية في الصف العربي العراقي ذلك انه كلما اتسعت الهوة بين الطائفتين وفاضت بالدم أمكن للجانب الكردي أن يلعب دور نقطة التوازن بينهما منتزعا التنازلات من كل منهما”.

إن الدعوة هنا صريحة لدول الجوار كي (يردعوا) الكورد وهذه تفسر غبطة الكثيرين من هؤلاء بصدد الأزمة الأخيرة بين تركيا وإقليم كوردستان (العراق) حول دور ونشاط حزب العمال الكوردستاني في المثلث الحدودي. ولكن الشُق الذي يتعلق بادعاء أن للكورد “مصالح في تأجيج الفتنة المذهبية” والطائفية “في الصف العربي العراقي” وبالتالي فلا بد أن يكون لهم يد في عمليات العنف والقتل الطائفي هذا، بين كل من السنة والشيعة في العراق. هذا هو الاستنتاج المنطقي على ضوء ما يطرحه المدعو (سليمان الحكيم).

ولكن نحن نحيله وبخصوص هذه القضية إلى التاريخ ونسأله: هل كان الكورد وراء الخلاف السني الشيعي والذي بدء مع “اجتماع السقيفة” وإبعاد (علي بن أبي طالب) من الخلافة وتسليمها بالقوة إلى (أبي بكر) بعد أن سانده (عمر بن الخطاب) بسيفه وراحت (فاطمة) بنت نبيهم كقربان وضحية لهذا الصراع بعد أن حشرها (عمر) خلف الباب بحيث أنه إلى اليوم لا يعرف المسلمون قبراً لبنت رسولهم وذلك بعد أن تم دفنها سراً وفي ظلمات الليل خوفاً عليها وعلى قبرها من بطش (عمر) وسنته. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بالطبع، بل وصل إلى (معركة الجمل) بين كل من جيش (عائشة) زوجة الرسول والتي قال عنها: “خُذوا نصف دينكم من هذه الحميراء” وجيش (علي بن أبي طالب) بن عم الرسول وأكثر الناس زهداً وإيماناً، بل وصل الأمر بأتباعه (أي أتباع علي) أن أدعو بأن (جبرائيل) قد أخطأ بينه وبين (محمد)؛ فالرسالة والوحي كان له دون (محمد) وهذه حكاية تطول شرحها.. نعم، في (معركة الجمل) هذه فقط راح أكثر من سبعة عشر ألف قتيل من مجموع الطرفين ولا نعرف، إلى الآن، قتلا أي من الطرفين في النار والآخرين يعتبرون شهداء من أهل الجنة ولهم الحوريات مخلدون معهم في تلك الرياض، كون إحدى أحاديثهم النبوية تدعي بأن “الفئة الباغية سوف تكون في النار” فليخبرنا السيد (سليمان) أي من الفئتين هي الباغية؛ جيش (علي) بن عم الرسول أم جيش (عائشة) زوجة الرسول.

وكذلك فإننا نحيله (أي المدعو الحكيم هذا) إلى (موقعة صفين) بين كل من جيش (علي بن أبي طاب) رابع الخلفاء الراشدين وجيش (معاوية بن أبي سفيان) عامل (عثمان بن عفان) ثالث الخلفاء الراشدين والذي قتل وهو كهلٌ وفي أيامه الأخيرة وذلك شر قتلة على يد بعض المسلمين – منهم أبناء الصحابة؛ كـ(محمد بن أبي بكر الصديق) – وعلى مرأى الآخرين ومنهم (علي بن أبي طالب) وبقية الرفاق والصحابة، فما كان إلا “قميص عثمان” الملطخ بدمائه وفتنة أشعلت (صفين) والتي راحت ضحيتها ما بين تسعون إلى مئة وعشرون ألف قتيل بين الجيشين المتحاربين من أجل السلطة والخلافة في أن تكون في يد (علي) أم تبقى في يد الأمويين (معاوية). كل هذا – ومن دون أن نذكر قتل أهل البيت وأبنائهم وأبناء أبنائهم وسبي نسائهم على يد الأمويين وكذلك الأعمال الوحشية التي ارتكبت على يد الخلفاء في الفترة العباسية لتصل الأمور بهم إلى نبش القبور وحرق الجثامين وذر الرماد في الهواء كي لا يبقى للخصوم من أثر – نعم.. بعد كل هذا وذاك ويأتي من يحمل الكورد وزر “الفتنة المذهبية في الصف العربي العراقي” وينسى بأن للمسلمين باعٌ طويل و.. طويل في هذه القضية.

ولا يكتفي الرجل بتحميل الكورد قضية “الفتنة المذهبية” في العراق، بل وكأسلافه ورفاق دربه من القومجيين فإنه يعيد إلى الأذهان تلك الاسطوانة المشروخة؛ بأن للكورد علاقات مع دولة إسرائيل، فيكتب بهذا الصدد: “ويمتلك الطرف الكردي من الخبرات الأمنية ومن القدرات المالية ما يؤهله للقيام بتأجيج الفتنة الطائفية خاصةً وأن الخبرة الإسرائيلية التي لعبت دوراً مماثلاً في الحرب الأهلية اللبنانية موضوعة بتصرفه بل أني أزعم وجود علاقة تنسيق كاملة بين الجهات الإسرائيلية وبين حزب البارازانى بالتحديد وأزعم أن حزب الطالبانى يعرف كل تفاصيلها وان لم يتورط بالجانب العملي منها”. الرجل يزعم وهذا (جيد)، ولربما هناك من سيزعم بأنه منافق ودجال فهل نصدق (زعمه) أم يجب أن نقدم البراهين والدلائل والشواهد على ادعاءنا وزعمنا هذا وأرض إقليم كوردستان (العراق) ليس في المريخ ليصعب عليه وعلى الجواسيس العربية وغيرها من دول الجوار لتكتشف هذه (الخبرات والقواعد) الإسرائيلية المزعومة والموضوعة (بتصرف) تحت أمرة القيادة الكوردية في الإقليم (حزب بارزاني تحديداً) – على حد زعمه – وبمعرفة من “حزب الطالباني”.

وكذلك فإنه ينسى بأن الإقليم الكوردستاني وحسب الدستور العراقي يعتبر جزءً من العراق الفيدرالي وبالتالي فما تجدها القيادة السياسية في بغداد مناسباً، وخاصةً ما يتعلق بالسياسة الخارجية، يكون ساري المفعول في كل الأقاليم ومنها إقليم كوردستان (العراق) وقد قال الرئيس (مسعود بارزني) وأكد أكثر من مرة بأنه “ليس لهم (أي للإقليم) علاقات دبلوماسية وغير دبلوماسية مع (تل أبيب) ولكن حين تتخذ بغداد إجراءً من هذا النوع وتقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل فإننا – والقول لـ(كاك مسعود) – كذلك سوف نفتح قنصلية لهم في (هولير)؛ عاصمة الإقليم، أما أن نستفرد بعلاقاتنا مع إسرائيل ومن دون (بغداد) فهذا مستبعد”. ونعتقد بأن كلام الرئيس (مسعود) كان واضحاً ولم يوارب شيئاً في حين هناك من يتبجح ليلاً نهاراً بمعاداة إسرائيل وفي الخفاء يفتح قنوات حوارية معه، ناهيك عن السلك الدبلوماسي والتجاري لإسرائيل في الكثير من البلدان العربية والإسلامية ودول الجوار وكذلك من دون أن ننسى بأن أصحاب القضية والمصلحة المباشرة؛ (أي الفلسطينيون) أنفسهم لم ولن يغلقوا باب الحوار والعلاقات الدبلوماسية مع الدولة الإسرائيلية، فلما نطلب وننهي الآخرين عن أمرٍ ونحن السباقون إليه.

أما بخصوص تحليله بتوزيع السلطات بين الكتل الأساسية والرئيسية في العراق؛ (السنة والشيعة والكورد) فإنه يقول: “و يعطى التنازع على المناصب الرسمية بين الأطراف الثلاثة المؤثرة في السلطة العراقية دلالات لا تقبل التأويل على التوجه الاستراتيجي لكل واحد منها فعلى سبيل المثال يقاتل الأكراد من أجل الاحتفاظ بوزارة الخارجية..” ويضيف “انصاع الأكراد الى نصيحة ثمينة اسديت اليهم وتمسكوا بكل الوسائل بوزارة الخارجية بل انهم اصرّوا على تفردها بالعمل الدبلوماسى دون وزارة رديفة ذلك أنهم حال استلامهم لتلك الوزارة نشروا رجالهم سفراء فى دول الاتحاد الأوروبى بالذات والهدف واضح فهم قد سيطروا على الاقليم واستكملوا بناء ركائز الدولة ولا ينقصهم الا مسألتين مهمتين : مورد اقتصادى دائم ومجدى وهو ما يتحقق بالاستيلاء على كركوك وموقف دولى تشكّل اوروبا أساسه وتعطيه الشرعية, وما من أداة يمكن أن تيسّر السبيل الى مثل هذا الهدف كوزارة الخارجية, ولا يفوّت وزير الخارجية الكردى فرصة دون أن بستغلّها لتدعيم الاستراتيجية الكردية”.

وهكذا فالرجل يكشف عن وجهه الحقيقي برفضه الحالة العراقية الراهنة والدعوة إلى أيام زمن (صدام وزبانيته) والتي يقول عنها زمن “شعار دولة الرفاهية” ولا ندري متى كانت تلك الرفاهية، إلا إن كان القصد رفاهية المقابر الجماعية وسحل الجثث في شوارع مدن العراق، ولكن هيهات أن تتحقق أماني هؤلاء بسحق وسحل كل من يخالفهم؛ حيث أن عراق اليوم هو العراق الفيدرالي التعددي الذي يحاول أن يصون حقوق الجميع ويحافظ على كرامتهم من الهتك والسلب والنهب لخيرات البلد.

أما ما يتعلق بخصوص وزير الخارجية العراقي السيد (هوشيار زيباري) واعتراضه على “خلوّ جواز السفر العراقى الجديد من كتابة بياناته باللغة الكردية الى جانب اللغة العربية ورفض اعتماده لدى دول الأمم المتحدة اذ تقتضى الأصول أن يتم تزويد تلك الدول بنماذج من ذلك الجواز ليتسنى اقراره لديها” وادعاءه بأنه “هكذا تعطّل العمل به ورفضت الدول قبوله علما أنه كلّف الدولة مئات الملايين من الدولارات اذ تم تصميمه وطباعته لدى شركة بريطانية والصفقة معروفة بتفاصيلها لدى السيد عمار عبد العزيز الحكيم” فكان الأجدر به أن يحمل المسؤولية لأولئك الذين قاموا بطباعة تلك الجوازات التي “تخلو بياناته من اللغة الكوردية” وقد أقر الدستور العراقي الجديد بأن اللغتين؛ الكوردية والعربية هما لغتان رسميتان للدولة العراقية الفيدرالية ويجب اعتمادهما في كل الدوائر والمحافل وكذلك الوثائق الرسمية والحكومية وقد قام السيد الوزير بما يملي عليه الدستور العراقي ولم يبادر إلى ذلك كونه “وزير كردي” حسب زعمه، بل كونه وزيراً للعراق ويمثل الدبلوماسية العراقية.

وهكذا نتأكد من منا يؤجج الفتن الطائفية والمذهبية وكذلك العرقية في بلداننا، هل هم الكورد أم أمثالك من المتطرفين القوميين والأصوليين المتشددين والذين لا يعرفون غير العنف والقتل (لغةً للحوار) ولا يجيدون غير (دبلوماسية عض الأصابع) ولكن تلك الأزمنة قد ولت مع سيدكم (صدام ورفاقه)؛ حيث أن عراق الغد هو عراق كل المكونات العرقية والدينية وكذلك السياسية الأيديولوجية، بمن فيهم.. التيار الذي تمثله.

[email protected]

جندريسه-2007

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

(1)

ليس خافياً على كل متتبع للشأن السياسي العراقي مدى معاناة الشعوب العراقية؛ بعربه وكورده وبقية أثنياته العرقية الأخرى وغيرها من المكونات الدينية – المذهبية والأيديولوجية السياسية والحزبية والتي تشكل النسيج العراقي المتنوع، وما لاقتها من ويلات ومجازر وتدمير ممنهج للبشر والحجر وذلك على يد الطاغية صدام حسين ونظامه البعثي – الدموي؛ فهو خلال حكمه الذي دام حوالي ثلاثة عقود، روع الشعب العراقي وأذاقه مختلف صنوف القهر والذل والهوان، مما جعل من الشخصية العراقية والإنسان العراقي خائفاً مقهوراً، كما هو حال أكثر مواطني شرقنا المبتلى بأنظمة شمولية – استبدادية، بل وصل الأمر بالقيادات العربية وليس الشعب أو المواطن العربي ناهيك عن العراقي، أن لا يتجرؤوا بأن يطلبوا من رأس النظام العراقي أن “يتنازل” عن الكرسي الجمهوري ويغادر العراق وكأنه ورثها من أجداد أجداده، وذلك بعد أن طفح الكيل وأتفق العرب والغرب على أنه يجب أن يتنحى الطاغية عن رقاب الشعب العراقي المغلوب على أمره.

وليس خافياً على أحد أيضاً ما لاقاه الكورد وإقليم كوردستان من الويلات والدمار والمجازر وحرق وتدمير للقرى؛ إن كان في الأنفال وحلبجة أو قبلها وبعدها وعلى طول عمر الدولة العراقية الحديثة وحتى في زمن الاحتلال البريطاني ومن قبله العثماني، ومنطقة كوردستان لم تعرف الهدوء إلا لفترات وجيزة لتنفجر انتفاضة جديدة في وجه الطغاة والمحتلين. ولكن أشرس وأعنف مراحل الإبادة والتنكيل كانت بلا شك في زمن طاغية العراق ونظامه البعثي – العفلقي؛ حيث الأنفال والمقابر الجماعية وتدمير أربعة آلاف قرية في الإقليم وإبادة حوالي مئة وثمانون ألف من كورد العراق وحوالي ثمانية آلاف فقط من عشيرة البرزان لوحدهم و.. غيرها من الأرقام والإحصائيات التي تخزي جبين البشرية جمعاء وليس النظام العراقي أو العربي والإسلامي لوحده؛ لأن هذه الجرائم وقعت على مرأى من هذا العالم “المتحضر” ودون أن تحرك ساكناً، بل إن الكثير من السياسيين والفقهاء الإسلامويون أفتوا بأن ما يفعله صدام حسين بحق أبناء “الشمال” هو عين الصواب، ناهيك عن الذين ساهموا معه أو دعموه بالمال والرجال والأعتدة والتقنية الحديثة.

وإننا ما نزال نسمع بعضاً من هذه الأصوات وإلى أيامنا هذه، وهم يتباكون على النظام العراقي السابق وطاغيته صدام حسين؛ الرئيس الضرورة وحامي البوابة الشرقية وبطل القادسية الجديدة ووكيل الرب والمتكلم والناطق بآياته وأحكامه على الأرض وحامي حمى العروبة وغيرها من الألقاب والتي تستحق به أن يدخل صدام حسين إلى سجل غينيس وذلك لكثرة ما يحمله من ألقاب ونياشين والتي لم تحميه أو تتشفع له أو تجبره ألا يفر من ساحة الوغى كما أجبرت الشاعر الفارس والمتنبأ على شاكلة هذا الأخير؛ ألا وهو المتنبي وذلك عندما ناداه غلامه وهو يهرب من أمام قطاع الطرق قائلاً له؛ ألست القائل: “الخيل والليل والبيداء تعرفني والرمح والسيف والقرطاس والقلم”. فعاد المتنبي من فوره قائلاً لغلامه: قتلتني يا غلام. فقاتل حتى قتل.

ولكن وبدل أن نجد هذا “البطل الصنديد”؛ والذي كان يهدد إسرائيل “بجيوشه القدسوية” وفدائيه “الصداميون”، في ساحات الوغى يحارب “المحتل” ويدافع عن الشعب والأرض العراقية – وهو الذي لم يدافع عنها يوماً بل أذاقها المر والأمر خلال عهده الأسود والدامي – نعم وبدل أن نجده في تلك الساحات وكما فعلها الشاعر العربي، وجدناه وكأي آدمي مرعوب يختبئ في حفرة حقيرة تحت الأرض خائفاً ذليلاً فاتحاً فاهه لأول جندي أمريكي يتلقفه، ومع ذلك لا يريد الكثيرون أن يصدقوا إنه لم يكن رمزاً للبطولة والكرامة والاباءة العربية، بل أن العديد يدعي بأنه كان الشبيه – شبّه به – ولم يكن “بالقائد المفدى”؛ صدام حسين “أطال الله بعمره وأفرج عن كربه وأذاق أعدائه الذل والهوان وجعل الله أراضيهم و.. أولادهم ونساءهم وأموالاهم غنائم وسبايا للمسلمين والبعثيين والصداميين والزرقاويين وكل المغالين المتطرفين آمين يا رب المتشددين”.

ومن هؤلاء الذين يحاولون أن يزيفوا الحقائق ويقلبوها إلى معاكساتها وأن يصطادوا في الماء العكر ويجندوا البسطاء من الناس ويؤلبوهم على بعضهم وذلك لأغراضهم وأحقادهم ومصالحهم الشخصية أو القومجية العنصرية وهم يتباكون على العروبة والإسلام وزمن الكرامة العربية وهي “تداس” من قبل قوات الاحتلال الأمريكي و”ذيله” توني بلير؛ رئيس وزراء بريطانيا – على حد قوله – إنه الكاتب والمحلل السياسي العراقي، وهذه أيضاً على حد زعمه، “سمير عبيد”؛ فهذا الرجل ومنذ زمن ليس له هم وغم سوى تدبيج الشتائم للكورد وقياداته ومثقفيه وكتابه ومحاولة الضرب على الوتر الحساس في المسألة الكوردية ألا وهو النزاع الداخلي؛ إن كان بين الفصيلين الكورديين الرئيسيين في الإقليم أو بينهم وبين حزب العمال الكوردستاني وذلك لضرب الإسفين بينهم ومحاولة منه لشق صف الوحدة والإتتلاف بين الكتل السياسية الكوردية وبالتالي إضعافها واختراقها من الداخل. وحتى لا نبقى في الكلام النظري ونكيل الاتهامات المجانية له، سوف نحاول أن نقرأ مقالين له نشرهما في “صحيفة كتابات” الإلكترونية لصاحبها إياد الزاملي، وذلك بأكبر قدر من الهدوء والموضوعية وبعيداً عن تشنجاته العصبوية والعروبية الصدامية.

ففي مقاله “كيف أن تفجيرات كربلاء ردة فعل إنجليزية حاقدة.. عالجها الطالباني بإهانة الشعب العراقي؟” والذي نشره في عدد يوم 9 أيار 2006 ومن خلال العنوان نكتشف أنه يحاول أن ينال من شخصية جلال طالباني؛ رئيس العراق المنتخب من قبل البرلمان والكتل السياسية العراقية وبأن يجعله مرمى لسهامه السامة ومن خلاله يتهجم على الشعب والمسألة الكوردية برمتها. وإننا لنقول ومنذ البداية إننا لسنا موكلين عن الأستاذ جلال طالباني ولا عن غيره من القيادات الكوردية، إن كانت في العراق أو غيرها، للدفاع عنها ولا نقبل هذه المرافعات أو تلك للدفاع عن هذه الشخصية القيادية أو تلك، ولكن أن تحاول من شخصية قيادية كوردية مدخلاً لهجومك الحاقد وأن تنفث من خلال ذاك المدخل سمومك السامة في قضية إنسانية، هذا ما لا نقبله منك أو من سواك، وسوف نحاول أن نكشف عن غيك وحقدك الكامن على القضية الكوردية ومن خلال أقوالك الزائفة.

إنه يؤتي في بداية مقاله بقول للرئيس الأمريكي جورج بوش وذلك بعد أن يسأل من قبل الصحافة: ماذا كان رد فعلك وبلدك يتعرض للاحتلال، فكان جواب الرئيس بوش: “لو كان بلدي تحت الإحتلال فسوف أقاوم الإحتلال”. وهذا جواب منطقي لرجل يجد في نفسه ذرة من الوطنية وفي بلده أنه وطناً حقيقياً يضمن كل حقوقه وليست مزرعة لمجموعة متنفذة في البلد، والآخرين ليسوا بأكثر من حشم وخدم ورعاع في مزرعتهم هذه، وهم عبارة عن وقود لمعاركهم القبلية والحزبية ولا أحد يتذكر الشعب إلا عندما يتعرض الوطن – المزرعة للخطر، إن كان داخلياً أو خارجياً. وعندما يتأكد هؤلاء الزعماء القروسطيين وأصحاب المزارع هذه، من هزيمتهم، تجدهم أول الفارين بجلودهم وهذا ما فعله صدام حسين كما شاهده العالم أجمع على شاشات التلفزيون.

نعم إنه يؤتي بقول الرئيس جورج بوش ذاك؛ ليبرر به الأعمال الإجرامية والطائفية وجرائم البعثيين الصداميين وغيره من فلول النظام السابق والجهاديين الجدد من القاعدة والزرقاويون وغيرهم من قوى الظلام والسلفية، وما تقوم به في العراق وما تجري على يديه من الدم العراقي؛ فها هو يكتب: “لذا فكلام الرئيس بوش عن المقاومة هو إعتراف بما أقرته الأديان السماوية والدساتير الوضعية والتي كفلت حق المقاومة، أي المقاومة حق مشروع، لذا فما نسمعه من بعض السياسيين العراقيين المنغمسين بمشروع الإحتلال، وما نسمعه من السياسيين الأميركان، وكذلك ما نسمعه من الحناجر والأقلام والصحف والقنوات التلفزيونية المؤجّرَه مجرد طنين بعوض لا يؤثر على الرجال الذين قرروا المقاومة”. بل إنه يحاول أن يزيف الحقائق ليقول لنا إن مسلسل العنف هذا ما هو إلا مخطط أمريكي وهم يقفون وراءه. هنا أيضاً لن نكون محامين عن الأمريكان وقلنا في أكثر من موقع أن لهم؛ أي للأمريكان مشروعهم السياسي الاقتصادي والعسكري ولكن نتساءل مع الكثيرين من أبناء الشعب العراقي وغيرهم؛ لولا تدخل جيوش التحالف هل كان بالإمكان التخلص من الطاغية صدام حسين، فلما لا تقولون صراحة إن تباكيكم هذا ليس على العروبة والإسلام وإنما على صدام ونظامه العروبي الإسلاموي الطائفي.

وبعد هذه المقدمة والتي تكشف لنا عن خلفية هذا الرجل وما يحمله من أفكار وعقائد سلفية جهادية بعثوية صدامية، حيث لا يجد في الآخر إلا كافراً ملحداً وزنديقاً وذميياً موالياً وكوردياً عميلاً وطابوراً خامساً وعليه الطاعة فقط؛ طاعة أولياء أمره من أبناء “خير أمة أخرجت للناس” أو أمة “ذات الرسالة الخالدة”، يستنكر على مام جلال بأنه بعث برسالة اعتذار للشعب البريطاني عن أفعال بعض الهمج والغوغاء والتكفيريين في مدينة البصرة والذين هجموا على مجموعة من الجنود البريطانيين، فيكتب: “ولكن المهزلة والإهانة بنفس الوقت عندما يكتب رئيس جمهورية العراق المُعيّن من قبل الأميركان ــ جلال الطالباني ــ برقية إعتذار الى توني بلير عن إسقاط المروحية البريطانية، وإعتذار عن تصرفات الشباب ضد قوات الإحتلال البريطانية في البصرة، فبربكم هل هذا رئيس جمهورية العراق أم هو مدير بلدية في بريطانيا ؟ فهل يجوز له هذا الفعل اللاوطني، والذي يستدعي جلسة طارئة للبرلمان العراقي، والسبب لأنه تجاوز على الشعب العراقي ، وتصرف وكأن العراق مزرعة خاصة له، وإن هؤلاء الشباب مجموعة من العمال في تلك المزرعة، وهو المسؤول عنهم كونهم يعملون عنده!!!!!!؟ فلو عاد جلال الطالباني الى مقولة ولي نعتمه ــ جورج بوش ــ لعرف إن هؤلاء الشباب لم يخطأوا ومارسوا حقهم الطبيعي الذي يريد الطالباني سلبه منهم، وهو الدفاع عن كرامتهم وأرضهم وعرضهم ومدينتهم ومستقبلهم”.

ما نلاحظه بداية تناقض هذا الرجل مع نفسه وخطابه السياسي، كما هو حال كل المهزومين والذين كانوا قد شيدوا أبراجاً من الوهم القومي العصبوي والطائفي وعلى اعتبارهم هم أصحاب الحضارة والإعجازات الخلبية والوهمية، متناسين أين هم وأين العالم المتمدن والمتحضر من بون شاسع بينهما وفي كل المسائل والجوانب. فهو من جهة يقول عن الرئيس جلال طالباني إنه “معين من قبل الأميركان.. ويتصرف وكأن العراق مزرعة خاصة له” ومن الناحية الأخرى يدعو إلى “جلسة طارئة للبرلمان العراقي” وينسى أن هذا البرلمان هو الذي قبل ورشح مام جلال لهذا المنصب الرئاسي. وأن هذا البرلمان والحكومة العراقية الجديدة – بما فيهم رئيس الجمهورية – هم مرشحون من الشعب العراقي وقد نالوا ثقة وأصوات الأغلبية من الشعب العراقي والكتل السياسية العراقية الفاعلة على الأرض وليست كقواك الظلامية والتي تعمل تحت الأرض كخفافيش الليل، وبالتالي فهو لا يتصرف وكأن العراق مزرعة خاصة له كما كان الحال لدى رئيسك المفدى (لا فك الله أسره) وكما هي حال أكثر بلدان أحبتك من الزعماء العروبيون.

ثم قولك بأن “لو عاد جلال الطالباني الى مقولة ولي نعتمه ــ جورج بوش ــ لعرف إن هؤلاء الشباب لم يخطأوا ومارسوا حقهم الطبيعي الذي يريد الطالباني سلبه منهم، وهو الدفاع عن كرامتهم وأرضهم وعرضهم ومدينتهم ومستقبلهم”. أي كرامة يا رجل وأي أرض وعرض ومدينة، وصدام لم يترك شيء من هذه لكل العراقيين بعربه قبل كورده وغيرهم من مكونات العراق، وأن هذه القوات؛ قوات التحالف وفي رأي الأغلبية العراقية وليست فقط الكوردية – كما تريد أن توهمنا – ما هي إلا قوات تحرير، وبهذا الصدد نقول: أنه يجب أن تتغير الكثير من مفاهيمنا السياسية وأيضاً الكثير من قوانين ومصطلحات الأمم المتحدة لتنسجم مع روح العصر ومفاهيم العولمة.

ونقول أخيراً إن نداءك التالي: “هل هناك أصوات عراقية شريفة تعقلن جلال الطالباني وبعض السياسيين الأكراد الذين تمادوا ويتمادون كثيرا على الشعب العراقي وعلى العراق؟” قد وجد صداه لدى أصدقاءك السلفيين ممن ذكرناهم وهم بالمرصاد لكل كوردي لكي يذبحوه على الهوية كما كان وما زال أسيادك العفلقيون والزرقاويون يعملونه وهو ليس بالجديد على الكورد، ومع ذلك نقول لك ولأمثالك من الحاقدين على الشعب والقضية الكوردية: بأنكم وتحت يافطة ومظلة الطعن بالقيادات الكوردية وإقليم كوردستان لن تحصدوا إلا خيبة الأمل وسوف تعودون بخفي حنين ومن دون أن تشعلوا نار الفتنة بين الكورد، وبأن رموزك من الطغاة ستكون مصيرها إلى تلك الحفرة والتي أخرجوا منها “قائدك المفدى”. أما القضية الكوردية فستبقى ما بقي هناك ضمير إنساني حي على هذه الأرض، ولن نقول ما بقي كوردي حي على هذه الخليقة و.. إن للحديث بقية ومقال آخر مع هذا “الرجل”.

جندرييسه – 2006

إقليم كوردستان في الخطاب العربي
(2)

قلنا في المقال السابق بأنه سيكون لنا وقفة ثانية مع هذا “الرجل”؛ سمير عبيد وها نحن نوفي بوعدنا ونعود إليه مرة أخرى ومن خلال مقالٍ آخر له يحمل العنوان التالي: “حكومة كردستان الموحّدة حلم زائل وفريق سياسي يجلس على الخازوق” والمنشور أيضاً في “صحيفة كتابات” لصاحبها إياد الزاملي، ليوم 13 أيار 2006م. إننا لم نكن نعرف “الرجل” إلا من خلال التلفزيون وإطلالة فمه المزبد وهو يرشق كل مخالفيه بشتائمه وزبده المتطاير هنا وهناك، ولكن وبعد لقاءه بالأستاذ فريد الغادري؛ رئيس حزب الإصلاح السوري وفي البرنامج “الديوكي” لمديره ومعده وفارس العروبة الجديد؛ السيد فيصل القاسم وما تلته من ردود على الموضوع واللقاء وطريقة هذا “الرجل” في الرد على “الخصوم” السياسيين، عرفنا أن له مبرره بأن يزبد ويرغد وهو يواجه خصومه الفكريين، وهذه الصفة واحدة من خاصية “المجانين” والصرع و.. وذلك على ذمة الرواة والكتاب الذين تصدوا له.

بعد هذا التنويه بشخص السيد سمير عبيد، سوف نعود إلى مقاله والذي نوهنا إليه قبل قليل. إن ما نلاحظه بدايتاً ومن خلال العنوان؛ تلك السوقية الأخلاقية في خطابه السياسي وهو “يخوزق” الآخرين، أو على الأقل هذا ما يتمناه لـ”حكومة كردستان الموحّدة”. والشيء الآخر الملاحظ عند هذا “الرجل”؛ هو ثقافة العنف والقتل والنفي والإلغاء، فهو يضمر ويضمن في عنوانه السابق؛ “حكومة كردستان الموحّدة حلم زائل وفريق سياسي يجلس على الخازوق”، ما يتمناه من نهاية للشعب الكوردي عموماً وليس لقيادته فقط؛ فها هو يكتب وبعد العنوان مباشرةً: (( يا أكراد العراق الشرفاء إتحدوا وإرفضوا صرح الرمال الذي سيدفنكم بعد حين))، فنعتقد أن هذه رغبة كامنة في اللاوعي عنده وبالتالي فهو يتمنى زوال أو انتهاء هذا “الكابوس”؛ إقليم كوردستان (العراق) المؤرّق له ولأمثاله من القومجيين والمتطرفين.

ليس هذا فقط، بل إن الغل القومي أودى بهذا “الرجل” إلى ما بعد البعثية والكمالية؛ من كمال أتاتورك، والتي يمكن لنا أن نسميها بـ”العبيدية”؛ من عبد وعبيد، فهو يريد منا نحن الكورد إجمالاً أن نبقى عبيداً لديه ولدى أسياده من البعثيين والزرقاويين وبالتالي أن “نترحم” على الطاغية صدام حسين حين أعترف ببعض الحقوق للشعب الكوردي. فها هو السيد عبيد يكتب: “من قال إن صاحب نظرية إكذب إكذب حتى يصدقك الناس، ووزير دعاية هتلر السيد ( غوبلز) قد مات ورحل؟. أنه لم يمت بل وجدناه حيا ويُمارس السياسة في المنطقة الشمالية من العراق، والتي يسميها البعض ( كردستان)، فهو هناك وبنسخ متعددة ملّ منها ومن كذبها الشعب الكردي، بحيث إن آخر كذباته هو الإعلان عن ( الحكومة الموحدة) وكلمة موحدة تعني إتحاد حزب طالباني مع حزب بارزاني، بشرط أن يكون فتى وقمر كردستان نيجرفان رئيسا لها”.

سوف لن نعلق على الجانب الذي يتعلق بالسيد نجيرفان بارزاني حتى لا نتهم بالبوقية؛ من البوق وإننا ندافع عن رموز السلطة والسيادة لنرعى ببعض الاهتمام والحظوة لديهم، فهذه ليست من أخلاقنا ولا نريدها لغيرنا، مع العلم إنه “يكذب” في اتهامه لبرلمان وحكومة إقليم كوردستان؛ بأنه يجب “أن يكون فتى وقمر كردستان نيجرفان رئيسا لها”. فلقد حدد البرلمان بأن تكون رئاسة الحكومة دورية – تناوبية، على الأقل هذه الحكومة الحالية، وبالتالي فرئاسة السيد نجيرفان هي محددة ومنتهية لأجل مسمى؛ سنتان حسب الاتفاق، وهذه الحقيقة يتجاهلها السيد عبيد، ولن نقولها عن قصد وإصرار في طمس الحقائق، ولكن الواقعية والموضوعية السياسية كانا يتطلبان منه نقل الحقيقة كاملة، بل الذي يرفض الكذب كأداة ووسيلة لنقل الخبر والعمل السياسي وذلك على غيره، فالأجدى به أن لا يمارسه هو بنفسه.

ولكن ما نلاحظه ومن خلال خطابه العفلقي بأنه يريد أن “ينسف” حقيقة وجود جغرافية كوردية؛ “إقليم كوردستان (العراق)” وذلك عندما يقول: “.. المنطقة الشمالية من العراق، والتي يسميها البعض ( كردستان)”. بدايةً وقبل الخوض في هذا السجال، نحن أيضاً “نرمي إليه بمزدوجاته، وله الحق في أن يحتفظ بها، في ثنايا فوبياه الكردية، إلى يوم الدين، أو أن يبرأ، ذات يوم – وهذا ما نتمناه له – منها، فتنجرف مزدوجاته مع ما يتخذه من أحكام مسبقة حيال الشعب الكردي وقضيته”، وذلك كما رماها الصديق حسين عمر في وجه أحد المغالين من التيار اليساري العروبي؛ ألا وهو السيد محمد سيد رصاص، وفي مناسبة أخرى. وتالياً نقول لهذا “الرجل” وغيره من القومجيين والعروبجيين بأن “زمن عتونو راح” والشعب الكوردي لن تخيفه هكذا أبواق مأجورة بأن يصرح علنية؛ أحقيته في تقرير مصيره على جغرافيته كوردستان، والتي تريد أن تنفيها، وذلك مهما كان ذاك القرار، بما فيه الانفصال والاستقلال عن المركز بغداد وبالتالي قيام الدولة الكوردية والتي هي حلم كل كوردي.

الشيء الآخر والذي نريد أن نعلق عليه ما هو متعلق بتشكيل “حكومة وحدة وطنية” في الإقليم، حيث أن السيد عبيد وكعادته يتجنى على الواقع وينقل لنا أنصاف “الحقائق” وذلك عندما يقول: “إن آخر كذباته (كذبات الكورد أو على الأقل الكتاب والساسة الكورد والتوضيح من عندنا) هو الإعلان عن ( الحكومة الموحدة) وكلمة موحدة تعني إتحاد حزب طالباني مع حزب بارزاني”. أولاً إنه – وكما قلنا سابقاً – يتجنى على الواقع وذلك عندما يدعي بأن الحكومة الحالية فقط من الحزبين الرئيسيين في الإقليم، ألا وهما الحزب الديموقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني؛ حيث أن ومن خلال الإطلاع على التشكيل الوزاري يستبان لنا بأن حكومة الإقليم قد ضم كل الطيف الكوردستاني وليس الكوردي وحده، والفرق كبير بينهما؛ حيث الأول يعني تمثيل غير الكورد أيضاً في التشكيلة الوزارية وهذا ما تم فعلاً، وليس كما يدعيه سمير عبيد بأنهم فقط؛ أي الوزراء من “حزب طالباني مع حزب بارزاني”. وإننا لنرد عليه ومن خلال كذبه المتكرر في مقاله موضوع البحث، بمقولته هو بأن “هناك وبنسخ متعددة” من أمثالك القومجيين والذين “ملّ منها ومن كذبها الشعب الكردي” وليس كما تدعي بأن الشعب الكوردي “ملّ” من ساسته؛ فهؤلاء الساسة هم يمثلون الشعب الكوردي حقيقة وإن لم يكن بنسبة مئة بالمئة أو (99,99) كما أسيادك السابقون واللاحقون يدعون في انتخاباتهم التهريجية.

ومن بعد هذه المقدمة الإنكارية للجغرافية الكوردستانية يؤتي هذا “الرجل” بألفاظ سوقية “ليسخر” من شخصيات سياسية كوردية، ننأى بأنفسنا من الرد عليه وعلى أوصافه المهينة أولاً وأخيراً بحق الكتابة والتحليل السياسي الموضوعي، ناهيك عن أولئك “الأشخاص”؛ وذلك عندما يوصف كل من السيدين نجيرفان بارزاني وعمر فتاح “بقمر بني برزان وأسد وادي رانيه” وذلك على التتالي وبطريقة ساخرة ومهينة تعبر عن أخلاقه وسلوكياته. أما ما يتعلق بجانب إدارة الحكومة في الإقليم وتشبيها بحكومة صدام حسين إنك لتكذب وتكذب و.. تكذب؛ فعلى الرغم من الأخطاء والتي نقرها وتقرها الحكومة، وبأن المجتمع الكوردي ما زال يدار بعقلية سياسية أقرب إلى القبلية منها إلى المؤسساتية، فإن القيادة الكوردية وعلى رأسهم الأخ مسعود بارزاني وفي أكثر من لقاء ومناسبة دعا إلى تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني ومسألة فصل السلطات والحد من هيمنة الأحزاب بما فيه “حزبه” – على حد قولك – وأيضاً التركيز على البنية التحتية وتحسين المستوى المعيشي للشعب واحترام حقوق الأقليات في كوردستان وغيرها العديد والعديد من الأمور والتي تؤسس بالفعل لدولة مدنية مستقبلية، فأين هذا من ذاك؛ من دولة أسيادك العروبيين.

وأما ما يتعلق بمسألة تعويض الكورد عما لحق بهم من أضرار وكوارث ومحن من قبل نظام الطاغية صدام حسين وزبانيته من العفلقيين فإنه يقول: “بأي حق (الكلام موجه لرئيس حكومة الإقليم والتوضيح من عندنا) تحمل الشعب العربي والتركماني ومن معهم في العراق بأن يدفعون لك ولحكومتك فصل ( ديّة) عن أفعال صدام حسين ونظامه، ومن ميزانية العراقيين؟ فهل كان صدام حسين يحكم باسم السنة أم باسم الشيعة أم باسم العرب أم باسم التركمان أم باسم المسيحيين ضدكم؟”. صحيح بأن كل الشعوب والمكونات العراقية عانت من بطش النظام المقبور إلا أن حصة الكورد منها كانت “حصة الأسد”، ولعلمك نقول: نعم أن النظام السابق حكم تحت شعارات ويافطات الدفاع عن العروبة والإسلام وما صمت وسكوت الدول العربية الاثنا والعشرون وأيضاً مجموع الدول الإسلامية والتي تتجاوز الخمسون دولة، بل ودفاعهم عن النظام السابق وفي أكثر من مناسبة ولمدة ثلاثة عقود ونيف، إلا “خير” دليل على ما نقوله، بل إن دفاعك الغير معلن والكامن في عقلك الباطن عن هذه الأنظمة الفاسدة إلا دليل آخر نرميه في وجهك ووجه كل المغالين والمتطرفين والحاقدين على الكورد وقضيتهم.

ولكن وإن كان “للرجل” حقده الدفين على القضية الكوردية عموماً إلا أننا نشهد له بالدهاء والمكر والثعلبية؛ فإنه يستخدم كل الأساليب للإيقاع بين الكورد وذلك بالضرب على الوتر الحساس في مسألة الخلافات والصراعات الحزبية فها هو يكتب: “.. وماحصل للأهوار العراقية، ناهيك عن مسلسل الدم الذي كان يفوق تضحياتكم بكثير، ولكن لم يذهب الشهيد محمد باقر الصدر أو .. (إلى) حضن صدام حسين مثلما فعلتم أنتم بعد أحداث عام 1991، ولم يطلب أحد شيوخ العراق من العرب نجدة من صدام حسين ليذبح أهله العرب مثلما فعل مسعود البرزاني عندما طلب النجدة من صدام ليذبح أكراد السليمانية، ومن ثم يساندكم بحرب ضروس ضد أكراد السليمانية الذين يمثلهم جلال الطالباني، فهناك (4 آلاف) شهيد كردي لم يُحسم أمرهم سقطوا نتيجة هذه الحرب التي فتحتها أنت وعمك ضد أكراد السليمانية، وها أنتم اليوم تطاردون وتذبحون أبناء جلدتكم في حزب العمال الكردي المعارض لنظام تركيا؟”.

هذه واحدة من الأساليب الثعلبية والتي يستخدمها وذلك في محاولة يائسة منه، لضرب صف الوحدة الوطنية، ليس في الإقليم وحده وإنما على مستوى الوجود الكوردي عموماً. وإننا لنقر معه بأن تلك السياسة؛ “الغريق الذي يتمسك بقشة” أو “الأعمى الذي يتسول على باب الجامع” على حد تعبير الأب بارزاني الخالد، كانت واحدة من أخطائنا الإستراتيجية والتي جعلتنا نحن الكورد ندفع أثماناً غالية جراء فرضها علينا فرضاً وليس إتباعها طواعيةً، ولكننا “نبشرك” نحن بدورنا – وكما “بشرتنا بالعثرات” لحكومة الإقليم أو على الأقل هذا ما تتمناه وتتطلبه من أصدقاءك الزرقاويون والصدريون لتنفيذ عملياتهم الإرهابية في الإقليم – بأن القيادات الكوردية والشعب الكوردي عموماً تجاوز تلك المرحلة؛ وما حماية معسكر قنديل إلا خير دليل على ذلك ولن نزيد ونقول بأن العديد من الحكومات العربية ضربوا الأخوة الفلسطينيين؛ إن كان في تل الزعتر أو أيلول الأسود، ولكن لم يستخدم مثقف أو سياسي كوردي، تلك الأحداث الدموية ليؤجج الخلافات بين الفصائل الفلسطينية أو أن يستخدمها كذريعة وحجة واهية لنسف القضية الفلسطينية، وهذه تعكس أخلاقيات كل “طرف”؛ وضعناها بين مزدوجتين لأنك لا تمثل كل الطرف العربي.

وأما بخصوص استهزاءك بأن الكورد يسكنون الجبال ويريدها – نجيرفان بارزاني – أن “يحولها قصر ملكة سبأ ( بلقيس)؟”. فهذا أيضاً حلم كل الكورد كبيرهم وصغيرهم وقد صرح به الأخ مسعود في آخر مقابلاته التلفزيونية إنه يتمنى أن تصبح كوردستان دبي الثانية في المنطقة، وأما بصدد ما تجده “ناقصاً” في سكن الجبال فإننا نجده وطناً لشعب عانى الكثير من الويلات وعلى أياد أمثالك القومجيين والإسلامويين و.. المتطرفين ولن ننجرف مع خطابكم السياسي البدائي الوحشي لنقول: بأن الجبل عرين الأسد وأننا لن نبدلها برمال باديتكم؛ لأننا نحترم جغرافية الآخرين كما نحترم ونحب جغرافيتنا و.. لتكن لنا جبالنا ولكم جنان أوربا ومواخيرها.

وبصدد مسألة كركوك وضم بقية المناطق الكوردستانية إلى إقليم كوردستان (العراق) والتي تم اقتطاعه بموجب قرارات حكومة الطاغية صدام والتي كان يتبع سياسة التعريب المستوردة من الأشقاء فإنه يقول: “وكذلك بأي حق تتكلم وتوحي بأنك ستحارب من أجل ضم الأرض التي أسميتها ( التي تعرضت للتعريب) فماذا تسمي هذا…هل هي إشارات حرب أم هي تبشير بنظرية كردية مستنسخة من النظريات الصهيونية التي تؤمن بالإستحواذ ونهب الأراضي وعدم الوقوف عند حدود معينة؟” فإننا نحيلك إلى أول من كتب وخطط لمسألة تعريب المناطق الكوردية؛ ألا وهو أستاذك وسيدك محمد طلب هلال، ضابط الأمن في الجزيرة السورية، لتعلم من منا يؤتي بنظريات “مستنسخة من النظريات الصهيونية التي تؤمن بالإستحواذ ونهب الأراضي وعدم الوقوف عند حدود معينة؟”.

وما كلامك الأخير هذا إلى ردة فعل خائبة “لنخبوية” عروبية راهنت على الغرب واستقوت به، بل أسست وبمساعدة مباشرة من الغرب، الذي ترفضه خطاباً سياسياً وتقبله مسكناً ووكراً لك ولأمثالك الثعلبيين وبأن تنعم في مواخيره المعربة، اثنا وعشرون بلداً عربياً وأن تسموا انقلابكم على الخلافة العثمانية بالثورة العربية الكبرى وقتلاكم “بشهداء” أيار – وهنا لا نريد أن يفهم إننا ضد استقلال البلدان العربية، ولكننا نقارن فقط – حتى تأتي أنت وتكتب: “وهل كلامك يعني أنكم أصبحتم دولة كي تقول ( نمد اليد الى دول الجوار ولا نقبل التهديد من أحد) فبمن تستقوي أنت، فهل إستقوائك بالأميركيين أم بقاعدة دوكان الإسرائيلية، أم بترسانة الاسلحة والطائرات والصواريخ والدبابات والأعتدة المختلفة التي سيطرتم عليها وسحبتموها الى المنطقة الشمالية بعد سقوط النظام ( والكاتب شاهد ذلك بعينه ويمتلك صور وشهادات حول هذه المآساة )”.

نعم لتعلم أنت وأسيادك القومجيون بأنكم ومن خلال هذه السياسة الرعناء والغبية قد دفعتم بجيوش التحالف لأن تدخل “عاصمة الرشيد” وأن يجيبوا على نداء الثكالى والمقابر الجماعية وحلبجة والأنفال وغيرها من الويلات والمآسي، ولربما هنا يعيد التاريخ نفسه ويعيد إنتاج بعض الأحداث وآلياته؛ من تلبية نداء شعوبٍ بأكمله وليس نداء امرأة مسلمة وحدها وهي تنادي “وا معتصماه”، و”فهمك” كفاية. أما بخصوص القواعد العسكرية؛ إن كانت أمريكية أو إسرائيلية، فلن نقول أكثر من إنك تزايد بطريقة غبية جداً على الكورد وإننا نوجه أنظارك شطر دولة قطر وقاعدة السيلية؛ أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج وأيضاً إلى السفارات الإسرائيلية والممتدة على الجغرافية العربية علناً أقلها وخفاءً ما أكثرها. وأما بشأن “ترسانة الاسلحة والطائرات والصواريخ والدبابات والأعتدة المختلفة التي سيطر” عليها الكورد وسحبوها “الى المنطقة الشمالية بعد سقوط النظام”، فهذه “غنيمة حرب” وعلى “مبدئكم” وهل كنت تطلب من الكورد أن يتركوها في أيادي فلول الطاغية والزرقاويون ليعيدوا آلة القتل والدمار إلى ربوع كوردستان، نعتقد أن هذا ما تتمناه سراً وعلناً وكفاك بكاءً تمساحياً على الشعب الكوردي.

وأخيراً وليس آخراً نقول لك ولأمثالك: ما تهديدك الأخير؛ “فلو كانت هناك في بغداد حكومة وطنية ورجال وطنيون فعلا، و ينتمون الى العراق لقالوا لكم أن التعويض الذي تريدونه لكم هو عبارة ( إذهبوا وإعلنوا دولتكم الآن.. وإنسحبوا من بغداد.. وسنراهن على الزمن) وحينها أتحداك أن تعلن دولتك يا نيجرفان، لأنك تعرف ستسقط في اليوم التالي، ولن تعمّر طويلا، وعليك سؤال الإستراتيجيين والعقلاء والمتابعين، فحتما سيشرحون لك صدق كلامي”. إن تهديدك هذا ما هو إلا أمنية خائبة “لنخبة” سياسية قد أفلست بعد اندحار رموزها من الطغاة والحكام القومجيين، وإن تحليلك للمسائل والمشاكل الموجودة في الإقليم – والتي تقرها حكومة الإقليم أيضاً – وخاصة من النواحي المعيشية والسكن والتي هي من رواسب أحقاب “رمز” القومجيين العرب؛ “الرئيس الضرورة والمفدى” صدام حسين وسياسة حرق وتدمير كوردستان، نعم.. إن “تحليلك” السابق لا ينم إلا عن فقر فكري وضحالة في قراءة الواقع والمتغيرات الدولية الجديدة.

وآخراً.. فإننا نرمي إليك “بخازوقك” وأنت حر بما تفعل به.

جندريسه-2006م.

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

(3)

يكتب أحدهم “ولست أظن أن ما سيتبقى من الكيان العراقى سيكون معنيا بما يحصل على حدوده الشمالية, فماذا يهم من الأرض المفقودة اذا خرجت من يد كردى ينفث حقدا يوميا على كل ما هو عربى لتؤول الى تركى يحلم باستعادة جزء من مجد امبراطوريته البائدة؟”. بهذه الجمل ينهي المحامي سليمان الحكيم – ونعتقد إنه أسم مستعار – سلسة مقالاته والتي قام بنشره تباعاً في صحيفة كتابات الإلكترونية وذلك تحت عنوان “دور دول الاقليم فى المسألة العراقية – الأخيرة”. حيث قام بطرح رؤيته حول دور القوى والدول المجاورة للعراق وما تأثيرها على كل من الساحة الداخلية العراقية وأيضاً الساحة الإقليمية، وبالتالي مدى تدخل هذه الدول في الشأن العراقي “الداخلي” وتلاعبهم بمصير العراقيين ومصالحهم حتى وإن كان على حساب الدم العراقي المراق وهم يسبحون “فى مستنقع الدم الذى بات يغطى أرض العراق”.

لا نخفيكم إننا نتفق في العديد من المسائل والتحليلات مع الأستاذ سليمان في نظرته وتحليله للأوضاع الجيوسياسية والتي تمر بها المنطقة؛ منطقة الشرق الأوسط عموماً وعلى الأخص ما تشهده جغرافية “الهلال الخصيب وبلاد الشام”. ولكن وعلى الرغم من هذا التوافق في بعض هذه المسائل، فإننا نختلف معه في منطلقات أساسية وهي بالتالي تؤدي بنا أحياناً إلى الحالة التصادمية ولا نقول العدائية؛ ومن هذه المسائل الجوهرية، بل أهمها على الإطلاق، هو ما يلمح إليه في خاتمة مقالاته والذي أشرنا إليه، وذلك من خلال تلك الفقرة الأخيرة والتي أوردناها في بداية مقالنا هذا، حيث وبالعودة إليها نستشف تلك العقلية العروبية القومجية الكامنة وراء هكذا طرح سياسي وفكري.

فها هو يوهم للقارئ وكأن الشعب الكوردي ليس واحداً من المكونات الأساسية في المنطقة ويعيش على أرضه التاريخية، وذلك عندما يقول: ” فماذا يهم من الأرض المفقودة اذا خرجت من يد كردى ينفث حقدا يوميا على كل ما هو عربى لتؤول الى تركى يحلم باستعادة جزء من مجد امبراطوريته البائدة؟”. حيث أن هذا التأكيد على أنه ليس مهماً إن فقدت الدولة العراقية، ومن خلفه الشعب العربي، ذاك الجزء من “الأرض” في “شمال العراق” وأخذته الدولة التركية والتي تحلم بإعادة أمجاد “إمبراطوريتها البائدة”، فهي بالمحصلة الأخيرة لن تكون أرض عربية. وهكذا ودون رادع أخلاقي أو منطق سياسي موضوعي – وبداية – فهو يتنكر للحقيقة الكوردستانية كواقع جيوسياسي وتاريخي وأن الشعب الكوردي يعيش على أرضه التاريخية ولم يقم باحتلاله وسلبه، بل إنه هو الذي ما زال يرزح تحت حراب الدول التي استلبته تاريخاً وحضارتاً وجغرافية.

تلك كانت من ناحية ومن الناحية الأخرى وتأسيساً عليه فهو يقوم بمقارنة جد مجحفة بحق الواقع والتاريخ وذلك عندما يقوم بالمقارنة بين “الجلاد والضحية” ويصفهم بنفس النعوت والصفات؛ حيث عنده لا فرق بين “كردى ينفث حقدا يوميا على كل ما هو عربى” وبين ” تركى يحلم باستعادة جزء من مجد امبراطوريته البائدة”. وهكذا نفهم من السيد سليمان وكأن الكورد يمارسون الاضطهاد والقمع بحق الشعب العربي وهم الذين يتنكرون لكافة الحقوق القومية العربية وأن أرضهم وتاريخهم وثقافتهم تم استلابها على يد هؤلاء الكورد “الحاقدين”، وليس العرب والترك والفرس هم الذين استلبوا وما زالوا الهوية والجغرافية الكوردية.

وهكذا فإنه يسيء وبشكل سافر إلى قراءته والتي اتصفت بالموضوعية في الكثير من النقاط والمسائل، وذلك عندما يقترب من المسائل الجوهرية والمتعلقة بالحقيقة الكوردستانية، حيث يبدو لنا ومن خلال الوقوف عند العديد من القراءات والتحليلات السياسية للمثقف والسياسي العربي عموماً؛ إنهم ما زالوا أسيري ثقافة الاستعلاء والعجرفة وامتلاك “الحقيقة المطلقة” وبالتالي إلغاء الآخر ونسفه، وللتأكيد على هذه المسألة فإننا نحيل القارئ الكريم إلى مجموعة المقالات والتي تنشر في مواقع الكترونية معروفة باتجاهاتها القومية اليسارية الإسلامية، وعندها سيكتشف مدى ديمقراطية وليبرالية هؤلاء المثقفون ودفاعهم عن حق الشعوب في تقرير مصيرها والعيش الكريم دون استعلاء أو إقصاء للآخر.

جندريس-2006

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

(4)

تزايدت عدد المقالات والدراسات والردود حول المسألة الكوردية عموماً وعلى الأخص ما يتعلق منها بإقليم كوردستان (العراق)، وهذا مؤشر عن الحالة والمستوى الذي وصل إليها القضية الكوردية في هذا الجزء من الجغرافية الكوردستانية والتي أصبحت واحدة من القضايا الدولية الساخنة والمؤثرة على الساحة السياسية ومسألة إعادة رسم خارطة المنطقة، وصحيحٌ إنه ليس بمستوى الحلم والطموح الكوردي ولكنها تعتبر مرحلة انتقالية جد مهمة في المسيرة النضالية لتاريخ شعبنا للخروج بمكاسب جيوسياسية، ليس على مستوى هذا الإقليم فحسب وإنما على مستوى الجغرافية الكوردية عموماً؛ ولذلك وانطلاقاً من هذه الحقيقة والواقع الراهن، فإنه يتوجب علينا نحن الكورد ومن كافة القوى والفعاليات، وفي الأجزاء الأربعة من كوردستان، الوقوف وراء هذه التجربة الفتية ودعمها ونقد أخطاءها لتقف على قدميها وتكون بالتالي سنداً حقيقياً للحلم والمشروع الكوردي المستقبلي في قيام الدولة الكوردية.

وهكذا ونتيجة لهذه القناعات والرؤى فإننا حاولنا ومن خلال سلسلة المقالات والردود هذه أن نتصدى لهؤلاء الأبواق العفلقية الصدامية الإسلاموية، مع العلم إننا تغاضينا عن الكثير الكثير من السخافات والترهات التي التقينا بها وفي العديد من المواقع الإلكترونية “المشبوهة” وعلى سبيل الذكر وليس الحصر “مقالات” كلٍ من عدنان طعمة الشطري ومحسن ظافر الغريب و.. العديد من أمثالهم في موقع “صحيفة كتابات” لصاحبها “إياد الزاملي” وإننا لننأى بأنفسنا من النزول إلى هكذا مستويات أخلاقية منحطة، ناهيك عن الطرح السياسي والمعرفي الفكري، وبالتالي فلم نقم ولن نقوم بالرد على هكذا “أناس” مجردون من القيم الأخلاقية والإنسانية والتي لا تليق بهم حتى صفة “الإنسان”.

ولكن وكشاهد على ما يطرحون ويبثون من خلال هذه المواقع فإننا سوف نقتبس هذه الفقرة للمدعو عدنان الشطري والذي “يتصف” ببعض الأخلاق مقارنة بغيره؛ فهو يكتب بصدد أصل الكورد ودور كل من الرئيسين مسعود برزاني وجلال طالباني في إدارة كلٍ من الإقليم والعراق ما يلي: “الظاهر للعيان ان ثعلب الثعالبة ، مسعود البرزاني ، ودب الدببة الطالباني ، لم يرعويان لتعاليم ودروس الزمن والتاريخ ، ولم يقرأن أبجديات الصراع التاريخي والاثني والعرقي ، ونسوا او تناسوا سنين الموت والقهر التي عاشها الشعب الكردي ، قبل ان تلتفت اليه الارادة الربانية التي ضربت بيد أمريكا ، فتخلص الأكراد أو الكورد من الطاغية وازلامه .. فلما خرج الكاكه الكردي من قمقمه الكاكوي المظلم ، شهد الاشور قيامةَ أرضية ، وراحوا البيشمركة يجلدونهم بسياط القهر والموت والتعذيب . اشك ، ومن حق الكائن البشري أن يشك ، ومن خلال قراءتي لوثائق التاريخ وبطون الكتب ، إن مرد ذلك يرجع إلى عقدة النقص التاريخية التي تعاني منها الذات الكردية ، والتي استشعرتها النخب الكردية السلطوية ، إزاء تاريخية الآشوريين والكلدان والسريان ، وحضارتهم الضاربة في القدم ، واصولهم السامية التي لاتشوبها شائبة ، ولاريب فيها او شك ، ولم يجرأ باحث واعٍ او اركيولوجي متمرس ، على نعتهم بأنهم نسل من العفاريت والكرطات والطناطل ، او ان الاراء قد تضاربت حول اصولهم ، والى أي السلالات التاريخية ينتمون ؟ !!”.

وهكذا فلم يبقى إلا هذا “العبقري” والذي يكشف عن أصله ومعدنه وذلك من خلال الخطاب الذي يطرحه، أن يدلوا بدلوه في أصل الكورد على “أنهم من نسل العفاريت والكرطات والطناطل” وذلك اقتفاءً بمعلمه وأستاذه “الباحث الواعٍ و الأركيولوجي المتمرس!!” صاحب “مروج الذهب ومعارف الجوهر”؛ “الحسن بن أحمد المسعودي” فتباً لهذه الأزمنة الرديئة والتي تركت لنا هكذا خلف لمثل ذاك السلف.

وتأكيداً على أننا ما زلنا أسيري الفكر المغلق والقبلية القومجية؛ فها هو آخرُ ُ ومن أصحاب الرؤوس الحامية ومن دون أن يصرح عن أسمه ومدعياً إنه “برلماني عراقي” يحمل الحرفين “ظ. غ” للتعريف عن نفسه، ينشر مقالٍ له في الموقع “المختار” لديهم؛ “صحيفة كتابات” حيث ينفث من خلاله حقده الأسود ليس على القيادة الكوردية فقط وذلك عندما يدعي عن رئيس إقليم كوردستان على أن؛ “طبع قوة الإستمرارية غالب فيزيائيا كما هو غالب طبيعيا لدى أمثال رئيس إقليم شمال العراق بارزاني الذي رحّـل مشكلته طالباني الى منصب رئيس جمهورية العراق حتى يتقاعد بنهاية العقد الأول للألفية الثالثة للميلاد، في إستسهال ممارسة حرفة التصيد بالمياه العكرة، محليا وعراقيا وبما يحيطها اقليميا ودوليا إذ وصل مآل الحال الى عرض خدماتهما سرا وعلانية لكل قادر طامع يريد إضعاف “جمهورية العراق”.

ليس هذا فحسب، بل إنه يتجاوز كل القيم والمبادئ الأخلاقية وذلك عندما يحاول أن يشوه و”يلوث” القضية الكوردية على أنها قضية عصابات وزعامات قبلية لا أكثر؛ “سوف لن نغوص كثيرا في التاريخ البعيد لهذه العصابات العشائرية وممارساتها” وبأن الكورد هم الذين سعوا دائماً لخلخلة الأوضاع في العراق، وكأن الدولة العراقية قد وجدت منذ آلاف السنين ضمن هذه الجغرافية المعروفة اليوم وليست هي بصنيعة استعمارية “سايكس-بيكوية”. وفي الجانب الآخر ومن خلال أطروحات هؤلاء العفلقيين الصداميين نفهم وكأن الكورد سقطوا من المريخ في “ليلة ما فيها ضوء قمر” ليحطوا الرحال على هذه “الأرض العربية” والتي قمنا “بكردستنتها” واليوم نريد نحن الكورد “الحاقدين” باقتطاعها من الجسد والجغرافية العربية، وهكذا فإننا تنكرنا لكرم الضيافة العربية وذلك عندما آوونا في “جغرافيتهم” المنكوبة والبائسة وكأن هذه الجغرافية قد استملموها “ورثوها” أباً عن جد ومنذ “النياندرتالي العروبي” الأول وهكذا وبكل صفاقة يتناسون تاريخ الغزوات والنهب والسلب العربي الإسلامي وبأن هذه البلدان لم تكن يوماً أرضاً عربية.

أما المسألة الأخرى والتي أصبحت واحدة من “الشماعات” الجديدة أو “قميص عثمان” جديد؛ هو مسألة العلاقة مع الدولة الإسرائيلية وعلى أن الكورد يشكلون “الطابور الخامس” في الواقع العربي، فها هو “الداعية العفلقية” يقول “إشتد عداء هذه القيادات للحكم الوطني الجمهوري الأول، بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم وأخذت تتحرك مع أعداء الجمهورية آخر ملوك فارس بهلوي وشركات النفط الاحتكارية وإسرائيل للاطاحة بجمهورية قاسم آنذاك”. وينسى أو يتناسى بأن عبد الكريم قاسم وبعد أن أشتد عوده تنكر لكل الوعود التي تم الاتفاق عليه مع القيادة الكوردية وقبل هذه وذاك فإن هذا “العبقري” الآخر يتناسى بأن عبد الكريم قاسم كان يمثل بالنسبة للشعب الكوردي زعيم دولة يحتل جزء من الجغرافية الكوردية وأن هذه الدولة تتنكر لأبسط الحقوق الإنسانية لهذا الشعب، بل إنها ومن خلال أدواتها ومؤسساتها القمعية كانت تحاول أن تطمس كل المعالم الخاصة بهذا الشعب والجغرافية على بأنها متمايزة عن الجوار العربي.

وهكذا فإن قضية “الطابور الخامس” وبأن الكورد هم “عملاء” الغرب وإسرائيل، ما هي إلا حكاية من حكايات العقلية العروبية الإلغائية العفلقية والتي لا تقبل الآخر إلا عبداً رقيقاً وذميياً موالياً يتبع سيده بذل وخنوع؛ و إلا فما معنى أن تكون كوردستان “مستعمرة دولية” بل إن جزءً كبيراً منها مستلبة ومغتصبة من قبل دولتين عربيتين وفي الآن ذاته أن تأتي وتطلب من الشعب الكوردي أن يتبنى القضايا العربية ومسألة الصراع العربي الإسرائيلي، بل أن يكون المدافع الأول عن هذه القضايا وأن يبز العرب فيها و إلا فإنك خائن وعميل للغرب وإسرائيل.

وبالتالي فإن لم تكن تلك العقلية مرجعيتها فما هي إلا أنها ناتجة عن عقلية مرضية كالتي تدعي بأن “العروبة إناءُ ُ قادرُ ُ على احتواء الأقليات العرقية الأخرى” ويتناسى بأن العروبة كمصطلح ودالة جيوسياسية تعني خصوصية أثنية عرقية و”احتواء”ها للآخر يعني إلغاء ونفي هذا الآخر أثنياً وعرقياً، ولكن ومن خلال هذه السنوات الطويلة من تسيد العنصر العربي في الواقع الإسلامي يبدو أنه كرس فكراً شوفينياً استعلائياً عند العنصر العربي ولا يمكن بسهولة التخلص من هذا الإرث الثقيل والمجحف بحق الآخر؛ فليس الكورد بنظر العرب والمسلمون عموماً إلا ماسحي الأحذية والأوساخ.. حيث ما زالت هناك الكثير من تلك “المزابل” والتي تحتاج لمن يكنسها من تاريخ الفكر البشري.

جندريس-2006

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

(5)

(لا) نعلم من أين يستقي هؤلاء (منطقهم) هذا ولا كيف يفكرون وما هي الدوافع والآليات التي تحركهم وتكمن وراء غلهم وحقدهم الأعمى هذا على كل ما هو مغاير ومخالف لكينونتهم وآرائهم وقناعاتهم (الفكرية) الدينية المذهبية والإثنية العرقية وأيضاً الأيديولوجية السياسية. فتجد الواحد منهم وهو يحمل لقب الدكتور – وبالمناسبة لقد أزداد عدد هؤلاء (الدكاترة) الخلبيين في الآونة الأخيرة، بل نجد من هو طبيب ويضع أمام أسمه حرف الدال مع النقطة (د.) دلالة على أنه دكتور في أحد الاختصاصات وهكذا وبدون أدنى احترام للمسألة وللقارئ ولن نقول لنفسه؛ فهو يستولي على لقب ومهنة ليست له وبالتالي يدخلنا في متاهات لا حصر لها ويطرح من (الأفكار) والمسائل ما تتعجب لها وبلغة (سوقية) لا يرتقي إلى لغة البائعين المتجولين في أسواق الشرق الصاخبة والتي تتطلب الصراخ العالي لتسمع صوتك للآخر (المشتري).

صحيحٌ إننا قلنا لا نعلم من أين يستمدون مثل هذه الأطروحات والنظريات ولكن وبالعودة إلى التاريخ الإسلامي العربي وتحديداً بعد أن تمكنت الإمبراطورية الإسلامية من بسط نفوذها على رقعات شاسعة من جغرافيات الآخرين وبالتالي – وبقوة السيف والدم – دكت عروش السلاطين والإمبراطوريات الأخرى وأجبرت شعوبها على اعتناق الإسلام، بل جعلتهم موالي وأرقاء وعبيد لديها ولدى سادتها (الأشراف) من أبناء عدنان وقحطان وهكذا مارست عليهم كل أصناف الذل والهوان، مما أعطى للعنصر العربي مفهوم التفوق والسيادة على الآخرين والنظر إلى أولئك على أنهم أقل مرتبةً وشرفً وبالتالي (لا) يحق لهم ما يحق للعربي.

إذاً فإن لهذه العقلية الاستعلائية – (التفوقية أو الفوقية وهي الأصح)، لدى العنصر العربي، جذورها التاريخية والفلسفية والإنسان بطبائعه وغرائزه البدائية يتطلع إلى مسألة (التفوق) والريادة وحتى الهيمنة والسيادة على الآخرين وهو لا يتنازل عن هذا (الحق) الإلهي أو التاريخي الفلسفي بيسرٍ وسهولة؛ حيث التخلي عنها يعني فقدان الخصوصية والامتياز بالمعنى السلبي التسلطي للمفهوم والمصطلح. وما نشاهده اليوم من آراء وتحليلات حاقدة ورافضة لكل ما يـ(سحب البساط من تحت أقدام هؤلاء) إلا تأكيداً على ما ذهبنا إليه؛ حيث يجدون صعوبة بالغة في تفهم مسألة صعود وبروز العناصر الغير عربية من كوردية، أمازيغية أو دارفورية وغيرها العديد من القضايا وذلك في الساحة الإقليمية أو الدولية.

وهكذا فإن هذه الأبواق العنصرية العربية والتي تحاول النيل من قضايا الشعوب والأعراق الأخرى (الغير عربية) وتنظر إلى تطلعاتهم لنيل استقلالها عن الهيمنة والسيادة العربية، على أنها حركات شعوبية (إمبريالية) غربية (معادية) للعرب ومصالحهم ووحدتهم ما هي إلى بقايا ذاك التراث الطويل من تلك الأحقاب والأزمنة التي هيّمن وساد فيها العرب وعلى رقعة جغرافية تمتد إلى حدود القارة الأوربية، بل ضمت جزءً منه بالإضافة إلى كل من آسيا ومعظم أفريقيا. حيث لا يمكن أن يفهم كل ترهات هؤلاء الأبواق خارج هذا السياق التاريخي المعرفي.

ومن ضمن الجوقة وهؤلاء الذين يحملون لقب (دكتور)، ذاك الذي عرّف عن نفسه باسم (د.عصام علي النعماني) حيث كتب هو الآخر في (صحيفة كتابات) – المتخصصة في شتم وسب الكورد أينما كانوا وكيفما كانوا – وذلك في عدد 9 أيار 2006 مقالاً بعنوان “ألا من مغيث : السفراء الأكراد يحتفلون ويرقصون على جثث العراقيين بسفارات العراق بمناسبة إعلان حكومتهم؟”. طبعاً ومن خلال النص يفهم أن القصد هو حكومة إقليم كوردستان (العراق) وليس الحكومة العراقية حيث يقول: أنهم يقومون بذلك “بمناسبة إعلان حكومة برزاني طالباني في شمال العراق”. هكذا وبكل صفاقة يتهم الكورد وسفراءهم بأنهم غير معنيون بالوضع الأمني وجثث الضحايا في العراق، بل وعلى ضوء ما يعلنه؛ بأن السفراء الكورد “يحتفلون ويرقصون على جثث العراقيين” وبالتالي فهم أيضاً يتآمرون مع القوى الظلامية والتكفيرية الإسلامية الإرهابية على العراق وشعبها وكأن الكورد ليس بعراقيين أيضاً وقد قدموا القرابين الكثر على هذا المذبح العراقي بما لا يقل عن إخوتهم العرب، بل ربما يزيد. والأكثر دراماتيكياً في هذه المسألة عندما يحاول أن يقول بأن الكورد كانوا عملاء و(رجال) صدام حسين ونظامه البائد وذلك عندما يلفق تهمة أخرى لهم وبأنهم كانوا يرقصون ويتمايلون “في حفلات ميلاد صدام حسين وميلاد حزب البعث!!!؟” وينسى (الأستاذ) بأن الكورد في العراق إلى جانب إخوتهم الشيعة هم أكثر من عانى من الطاغية وزبانيتها.

و(الرجل) لا يناور (ما يلف أو يدور) في هذه المسألة؛ مسألة سبب مأساة العراقيين وإسالة دمائهم في شوارعها، بل يتهم الكورد دون المكونات العراقية الأخرى؛ إن كانت عرقية أثنية أو دينية مذهبية أو قوى سياسية معينة. وهكذا وفي محاولة بائسة ويائسة يجعل من الضحية الجلاد وذلك عندما يقول في سياق خطابه القومجي العروبي ما يلي: “ألا يوجد بينكم من الأحرار الذين ينهون مآساة العراق الحالية, والتي سببها الإستفحال الكردي السياسي؟”. موجهاً نداءه إلى كل من “الشعب العراقي العربي (و) السياسيون العراقيون الشرفاء (و) الوطنيون النجباء (و) الشرفاء من الشعب الكردي” وأيضاً إلى الحكومة العراقية بشخص رئيسها؛ حيث يقول: “لقد وصل السيل الزبى يا أخي يا نوري المالكي”. وبالتالي فليس من حل إلا ما توارثه عن أسلافه العمريين (من عمر بن الخطاب) والمعاويين (من معاوية بن أبي سفيان) والحجاجيين (من حجاج بن يوسف الثقفي) وأيضاً العفلقيين (من ميشيل عفلق) وأخيراً الصداميين (من صدام حسين) أن يلجأ إلى أسلوبهم وطريقتهم في (حل) هكذا قضايا وذلك من خلال القتل الجماعي (الجينوسايد) والسبي والنفي والمقابر الجماعية و.. وهكذا ليحاول هو الآخر أن يجرب ما جربه غيره من (الحلول) بصدد المسألة الكوردية.

وإضافةً إلى التهمة السابقة؛ البائسة والملفقة بخصوص اتهام الكورد بأنهم السبب في مأساة العراقيين، نلاحظ ومن خلال نداءه السابق بأن العرب (كل) العرب هم بريئون بنظره وذلك عندما ينادي عليهم من خلال مقولة “أيها الشعب العراقي العربي” بينما الكورد هم بعيدون عن هذه البراءة وفي أحسن الأحوال هناك بعض الشرفاء منهم حيث يقول في جملته الندائية التالية ما يلي بخصوص ما نوهنا إليه: “أيها الشرفاء من الشعب الكردي” وهكذا فهو يوجه كلامه إلى هذا الـ(بعض) من الشرفاء الكورد. والشيء الآخر والملفت في هذه المقولة أنه أسبق كلمة العراقي على العربي وذلك ليس تفضيلاً لعراقيته على عروبته بل لكي يوحي بأن (كل) العراق هو عربي شعباً وجغرافية وما الكورد إلا أناسٍ (مهجرين ومستوطنين) في جغرافية العراق (العربي) وليس هم بساكني جغرافيتهم الكوردستانية وهو يعرّف المنطقة الكوردية وجغرافيتهم – كما يفعل كل أصحاب هذه العقلية – بـ(شمال العراق) وليس بكوردستان (العراق).

وبناءً على ما سبق فهو ينادي بوقف حدٍ لـ”هؤلاء المرضى بحمى الإنفصال والشوفينية” – طبعاً هؤلاء الكورد وساستهم وسفراءهم – وكأن المسألة هي منة أو هبة منه أومن غيره من المغالين والمتطرفين العرب وغيرهم؛ أصحاب الرؤوس الحامية بالنظريات العرقية والمذهبية والتي لا تجد في الآخر إلا قاصراً تابعاً و(ذميياً موالياً) أو طابوراً خامساً عميلاً (لا) يحق له ما يحق لأصحاب (السيادة) والنفوذ وهم الذين يقررون للكورد وغيرهم من الشعوب والأعراق التي عانت من هؤلاء وسياساتهم العنصرية والشوفينية ما يجب أن يطالبوا به والذي لا يتعدى الموت كسقفٍ لمطالبهم – إن كان مادياً أو معنوياً – فـ(الكردي الجيد هو الكردي الميت) بنظرهم وهذه تعطي صورة واضحة وجلية عن عقلية ونظرة هؤلاء ومدى (تفهمهم) لقضايا غيرهم من الشعوب والتي أوضحناها في مقدمة المقال.

أما مسألة العلاقة مع الأمريكان والإسرائيليين وإلى ما هنالك من الشعوب فنعتقد إننا جاوبنا على هذه المسألة في مقالاتٍ أخرى؛ ولكن ها نحن نؤكد مجدداً بأن من حق الشعوب أن تعمل وفق مصالحها و”الغريق يتمسك بقشة” وأيضاً ومن الأجدى بالنخب العربية السياسية والثقافية أن تسأل نفسها ولو لمرة واحدة: لما هذه الشعوب (المستضعفة) تمد يدها للقوى الخارجية – إن كانت تفعل هذا حقيقةً – وتنسى “الخبز والملح” و(العشرة) الطويلة وما المسوغ والمبرر لذلك، مع العلم إن العديد من الدول والحكومات العربية لها علاقات طيبة مع تلك القوى الخارجية، والتي على خلاف ذلك؛ أي ليس لها علاقات جيدة مع تلك الدول، تحاول أن تمد جسور تلك العلاقة معها وإن كانت على حساب مصالحها وفي أكثر الأحيان، إذاً فلما تحللون لأنفسكم ما تحرمونه على الآخرين يا (دكتوووووووووووووووووووووووور).

جندريس – 2006

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

(6)

بوقٌ قديمٌ (جديد) ينضم إلى جوقة المتعصبين والمتطرفين والحاقدين على كل ما هو كوردي وكوردستاني ومعروفٌ بكيل الشتائم والافتراءات بخصوص المسألة الكوردية حيث ينتظر أقل فرصةٍ (للنيل) من الكورد وقضيتهم، بل لقد قال عنه أحد الزملاء بأنه يشتم الكورد بمناسبة أو دون مناسبة. فلا هم وغم لهذا (الرجل) – علي تركي الربيعو – ولا يؤرقه شيءٌ في الحياة غير القضية الكوردية وتطوراتها في أخذها أبعاداً إقليمية ودولية؛ والتي يمكن القول بأنها القضية الأولى في المنطقة والمطروحة للحل والتداول والتدويل. وها هو ينتهز (فرصة) تصريحات الأخ مسعود بارزاني والمتعلقة بخصوص العلاقات الكوردية الخارجية وتحديداً مع إسرائيل ليفتري على لسان الزعيم الكوردي؛ رئيس إقليم كوردستان (العراق).

حيث ينشر بتاريخ 20\9\2006 في موقع (كلنا شركاء) – بالاسم فقط ومن دون أن تكون هناك مجال للرأي الآخر في هذه النشرة البعثية (المعارضة) والتي ُيشرف عليها المهندس أيمن نور – مقالاً له؛ أي للمدعو الربيعو بعنوان: (زعيم قبيلة البارزاني والعلم العراقي). بل الأصح أن نقول العلم البعثي الصدامي؛ لأنه ومن خلال قراءة تاريخ العراق نتأكد بأن العلم العراقي قد تغير وأستبدل عدداً من المرات – كما هو حال أعلام العديد من دول العالم – وما هذا العلم الأخير إلا هو علم فترة البعث ومن ثم الجمهورية العربية المتحدة وأخيراً و(بامتياز) فهو علم صدام حسين لا أكثر ولا أقل وهو بكل الأحوال ليس بعلم العراق والعراقيين ولا يمثلهم بأي شكلٍ من الأشكال، وبالتالي فأي دفاعٍ عن هذا العلم هو دفاعٌ عن الزمرة الفاشية البعثية وبالتحديد عن الطاغية صدام حسين وجرائمه بحق كل العراقيين إن كانوا في الجنوب أو الوسط وعلى الأخص منهم في إقليم كوردستان.

و(الرجل) يحاول جاهداً (النيل) من الكورد وإن كان من خلال رسمٍ كاريكاتيري لشخصية القائد والزعيم الكوردي مسعود بارزاني – وفي هذه يشارك (بول بريمر) – حيث يكتب في سياق مقاله – ومن دون مناسبة – أنه (أي الأخ مسعود) وبـ”رأسه الأصلع أشبه بقذيفة” وأيضاً على أنه “زعيم قبيلة ..” وليس زعيماً لكل الكورد وكأنه مكلفٌ من قبل الكورد أن يقول لهم من هو زعيمهم، وللعلم أن السيد مسعود بارزاني لم يطرح يوماً على أنه زعيم كل الكورد ولكنه يعمل على ضوء المصالح الإستراتيجية للأمة الكوردية. أما إن كان يقصد من وراء ذلك على أنه ليس برئيس إقليم كوردستان (العراق) فإن القرار؛ قرار رئاسته للإقليم أتُخِذَ من قبل برلمان كوردستان وهذه تُعطيه كل الحق والشرعية لأن يمارس صلاحياته كرئيس إقليم وليس “زعيم قبيلة”، كما يتمناه الربيعو لكل القادة الكورد وليس فقط للأخ مسعود، ولكننا نعذر الربيعو هذا؛ كون مسألة الديمقراطية والانتخابات والحياة البرلمانية بعيدة عن (منهجه الفكري). بل إنه يتهمه؛ أي للسيد مسعود بارزاني على أنه قصير النظر ولا يفقه بالسياسة وإدارة شؤون البلاد (الإقليم) وذلك من خلال مقالٍ سابقٍ له تحت عنوان: (قنصلية “إسرائيلية” في إربيل) والمنشورة في صحيفة (دار الخليج) بتاريخ 19\5\2006 م.

بل إن الـ”تركي” هذا يروج لفكرة بعض (المستشرقين) واللذين أبدوا بعض الآراء وفي مراحل معينة وبخصوص مسائل بحد ذاتها؛ على أن الكورد لا يدركون أحياناً الأخطار المحدقة بقضيتهم وذلك لقلة خبرتهم بالسياسة والمسائل الدبلوماسية، وقد كتب العديد بهذا الخصوص. ولكن ما هو ملاحظ في لهجة هذا (الرجل) أنه يريد أن يجعل من هذا الضعف في الدبلوماسية الكوردية والعائدة لجملة أسباب وظروف جلها تتعلق بواقع الاحتلال والاستبداد؛ احتلال التاريخ والجغرافيا، الأرض والبشر والاستبداد بهم، على أنه (أي ضعف الدبلوماسية الكوردية) عائدٌ للبنية العقلية الدماغية لهذا العرق البشري وهذه لب النظرية العنصرية والتي يمثلها الربيعو بامتياز؛ حيث يكتب في مقاله “قنصلية ..” ما يلي: “من وجهة نظر عديد من الخبراء السياسيين، أن الأكراد وعلى مسار تاريخي معاصر ظلوا يبدون ضعفاً في التحليل السياسي لما يجري حولهم، وهذا ما جعل من كردستان بلاد الألف ثورة وألف حسرة..”. ولكننا نبشر (السيد) تركي بأن ذاك كان زمناً آخر وليمعن النظر – يا من تتهم الآخر بقصر النظر – من هو الآن على رأس الدبلوماسية العراقية ولا نريد أن نعلق أكثر على هذه النقطة.

أما ما يتعلق بخصوص العلاقات الكوردستانية مع إسرائيل فلا نريد أن نخوض في هذا الموضوع مجدداً؛ كوننا قد علقنا عليها في مقالاتٍ سابقةٍ لنا، هذه من جهة. ومن الجهة الأخرى كون الموضوع أصبح سمجاً مائعاً وقد كُتِبَ العديد من المقالات بهذا الصدد، ولا نريد أن نعيد الأقوال والعبارات السابقة والتي أصبحت ممجوجة وبالية؛ وبأن العلم الإسرائيلي يرفرف في العديد من العواصم العربية ناهيك عن العلاقات العربية – الإسرائيلية من (تحت الطاولة) أو (خلف الستائر) ومن جل الأنظمة العربية إن لم نقل من (كلها) ومن دون استثناء. ولكن نريد أن نعلق على العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يكتب بصدد هذا الموضوع وفي المقال السالف الذكر نفسه ما يلي: “إن تصريحات البرزاني مهما كانت مديونية المعنى التي يدين بها ل”إسرائيل”، تأتي في غير وقتها، لتدل على ضعف خبرة الأكراد في السياسة الدولية. صحيح أنهم يتمسكون الآن بالعروة الوثقى الأمريكية، لكنهما يدركون أن العروة الأمريكية مخرومة ولا تزيد على كونها سرابا قد ينقشع بسرعة، وعندها تتضح الرؤية التي غابت عن الأكراد مطولاً لتجعل من كردستان بلد الألف ثورة وألف حسرة”.

بدايةً نقول: ما هذا التكرار والتأكيد من قبل (السيد) تركي علي الربيعو على أن “كردستان بلد الألف ثورة وألف حسرة” – مع العلم أنه لا يقول ولا يعترف بكوردستان إلا في هذه الحالة؛ حالة الموات والتدمير والآهات – ليس إلا رغبة كامنة في عقلية هذا (الرجل) على أن تبقى كوردستان كذلك وأن يبقى الكورد دائماً على تلك الحالة وذاك الواقع الكارثي المأساوي وهكذا فليس له (أي للربيعو هذا) القدرة والتحمل على رؤية الكورد وهم أصحاب شأن وسياسة ودولة (إقليم كوردستان). والنقطة الأخرى والتي نود أن نقف عندها؛ هي مسألة “ضعف خبرة الأكراد في السياسة الدولية” حيث هنا يؤكد مرة أخرى على (نظريته) العنصرية تجاه الكورد. ولكن ليست هنا المشكلة، بل في ازدواجيته وتناقضه مع نفسه والآراء التي يطرحها؛ فهو من جهة – وكما رأينا قبل قليل – يؤكد على عدم قدرة الكورد على التحليل السياسي الدقيق ولذلك فهم “يتمسكون الآن بالعروة الوثقى الأمريكية” ولكن لا تفصل هذه الجملة إلا (،) الفاصلة عن الجملة التالية والتي سنوردها الآن والتي تعبر وبكل وضوح عن التناقض مع السابقة لها، بل إنها تنفيها تماماً وذلك عندما يقول: “لكنهما يدركون أن العروة الأمريكية مخرومة ولا تزيد على كونها سرابا قد ينقشع بسرعة، وعندها تتضح الرؤية التي غابت عن الأكراد مطولاً لتجعل من كردستان بلد الألف ثورة وألف حسرة”.

فكيف يستقيم الأمر مع هذا (العبقري الفيلسوف)؛ فمن جهة – ومن وجهة نظره – الكورد (ونتيجة لضعف قدرتهم على التحليل والرؤية السياسية الدقيقة) “يتمسكون الآن بالعروة الوثقى الأمريكية” وبنفس الوقت هم؛ أي الكورد أنفسهم “يدركون أن العروة الأمريكية مخرومة ولا تزيد على كونها سرابا قد ينقشع بسرعة”. إننا نتساءل: كيف يمكن أن يستقيم هذا التناقض الصارخ؛ فإما أن الكورد ونتيجة (لضعف تحليلهم السياسي) لا يدركون مخاطر هذه العلاقة مع الأمريكان – مع أن (كل) دول العالم، وليس العالم العربي وحده، تتهافت على مثل هذه العلاقة – وبالتالي سوف تكون لتلك العلاقة نتائج كارثية على المسألة الكوردية برمتها. وإما أنهم “يدركون أن العروة الأمريكية مخرومة ولا تزيد على كونها سرابا قد ينقشع بسرعة” وهكذا فنحن الكورد نعمل بالضد من مصالحنا وهذا ما لم نجد له تفسيراً وربما يكمن حل هذه المعضلة في عقلية (السيد) تركي وغله وحقده على القضية الكوردية وبالتالي (حسده) من الكورد بأن لهم علاقات قوية مع مركز القرار العالمي.

أما مسائل ضربه على (الوتر الحساس) في المسألة الكوردية ومحاولة الضغط على الجرح الكوردي القديم – الجديد لعلى وعسى أن ينفجر ذاك (الجرح) وهكذا يسيل لعاب (السيد) الربيعو لمرأى ذاك الدم الكوردي وهو ينزف على أيادي إخوته وبني جلدته، فإننا (نطمئن) هذا (الحريص) على القضية الكوردية بأننا سوف نحاول أن لا تعود تلك الأزمنة مع ما تحملها من ويلات وكوارث على شعبنا وقضيتنا إلى الواجهة. بل إن الواقع وما نعيشه على الأرض في هذه الأيام يوحي بالتفاؤل والخير في هذا الاتجاه وما تصريحات القيادة الكوردستانية في كل من إقليم كوردستان (العراق) ومن الكتلتين السياسيتين تحديداً؛ الإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة مام جلال والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة كاك مسعود وكل رموزها الآخرين، من جهة ومن الجهة الأخرى من الأخوة في حزب العمال الكردستاني وقياداتها ورموزها في الإقليم الشمالي من كوردستان إلا دليلاً وشاهداً على ما نقول و(ليمت) “الأعداء” في غيهم وكيدهم.

بقي أن نعلق فقط على مسألة (كره) السيد مسعود بارزاني لبغداد – مع العلم إننا لم نسمع يوماً بهذه المقولة من الأخ مسعود بارزاني – بأنه “يكره بغداد” كما يورده تركي الربيعو ومستشهداً في ذلك بـ(أستاذه) بول بريمر – وهنا يستوقفنا نقطة أخرى لم نفهمها من (السيد) تركي؛ فهو من جهة يرى في الأمريكان “قوة احتلال” ومن الجهة الأخرى يتخذ من آرائهم وتقييماتهم أساساً ومرتكزاً (لبناء هرمهم الفكري الأيدلوجي) في تقييم المسائل والأمور وحتى الشخصيات السياسية – حيث إنه (الربيعو) يكتب في سياق مقاله (زعيم قبيلة البارزاني والعلم العراقي) بأن “البارزاني.. يكره بغداد” وهذا افتراءٌ محض فكل ما قاله الأخ مسعود – إن لم تخنّ الذاكرة – وفي مناسبة بعينه بأنه يكره الذهاب إلى بغداد ونعتقد أن هذه مسألة شخصية وإن كانت لها أسباب وذيول سياسية ورغم هذه ولو أنه – وعلى سبيل الافتراض – كان (يكره بغداد) فما الذي دفع بـ(السيد) تركي على أن يستنتج ويكتب في سياق المقال ذاته ما يلي: “يقول البارزاني إنه يكره بغداد، وبالتالي فهو يكره العروبة”. أليست هذه فقط محاولة منه لتشجيع الأخوة العرب على استعداء كل ما هو كوردي وكوردستاني. وهذا كل ما يصبو إليه تركي علي الربيعو في مقالاته والتي تتعلق بالمسألة الكوردية وإننا لنقول له في الأخير: أن خنجرك المسموم سوف يرد إلى نحرك و.. لن نزيد أكثر.

جندريسه-2006

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

(7)

إن قانون مجالس المحافظات والتي تم التصويت عليه مؤخراً في البرلمان العراقي قد لاقى من ردود أفعال – إن كان قبولاً وتأييداً أو رفضاً وإستنكاراً – بحيث بات حديث الشارع السياسي العراقي (الكوردي والعربي) وقد أدلى الكثير من الكتاب والسياسيين بأرائهم في الموضوع؛ بعضهم تناولوا القضية بموضوعية وببعد سياسي ليخدم الأفاق المستقبلية للعملية السياسية في العراق وقضية العيش المشترك بين مكوناتها العرقية والمذهبية، وللأسف كان هؤلاء قلة. أما أكثرية الأقلام التي تناولت الموضوع وخاصةً من جانب الأخوة العرب فقد أخذتها الحمية والعصبية القومية ورأت فيها فرصة لكيل ما هب ودب من الاتهامات بحق الشعب الكوردي وقواه السياسية، ومنها المقال الذي بين يدينا والمنشور في (موقع كتابات) تحت عنوان: “الاحزاب الكردية جاهزة للعمليات الارهابية!” حيث يكتب صاحب المقال: “هددت الاحزاب الكردية المتمثلة بحكومة ما يسمى اقليم كردستان كل الاطراف المشاركة في العملية السياسية بالرد بأسلوب آخر إن لم يتم تعديل قانون مجالس المحافظات والذي صوت عليه البرلمان العراقي بطريقة دستورية اذهلت الاحزاب الكردية التي تربطها معاهدات ستراتيجية مع بعض القوى العراقية هدفها تقسيم العراق وتمزيق وحدته!”.

وهكذا تنكشف منذ البداية الخلفية الأيديولوجية والعقلية القومجية لصاحب المقال بأنه رافض لمشروع الفيدرالية والتي أعطت للكورد حقهم في إدارة إقليم كوردستان من خلال حكومة منتخبة وأيضاً فهو يناقض نفسه وذلك عندما يرفض الاعتراف بحكومة الإقليم وهو الذي يأخذ على الأحزاب الكوردية في الإقليم بأنها لا تلتزم بالنتائج الانتخابية التي جرت في البرلمان العراقي بخصوص قضية مجالس المحافظات وينسى، أو يتناسى، بأن مسألة الفيدرالية في العراق والحكومة الفيدرالية في إقليم كوردستان العراق هي إحدى أهم الركائز الأساسية للعملية السياسية في العراق، ناهيك عن أنها جاءت من خلال استفتاء شعبي على دستور فيدرالي ديمقراطي عراقي يمنح الأقاليم وحكوماتها صلاحيات إدارة شؤونها، ناهيك عن الاعتراف والاقرار بها وبصلاحياتها وحقوقها. أما بخصوص ما يقول في الأحزاب الكوردية وكذلك تلك الأحزاب المتحالفة معها – وخاصةً الشيعية منها، على رأي كاتب المقال – بأن لها أجندة سياسية بحيث ترتبط ببعضها من خلال “معاهدات ستراتيجية.. هدفها تقسيم العراق وتمزيق وحدته !”. فنقول بأن الحياة السياسية العراقية وما قامت بها الأحزاب الكوردية – وخاصةً الأساسيتين؛ الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني – من نقل مركز القرار من الإقليم إلى المركز بغداد يدحض كل مزاعم كاتب المقال ذاك.

ولكن ونتيجةً للحقد الأعمى والناتج عن التعصب القومي والأيديولوجي فإن المرء يقع فريسةً لكوابيس يرسمها هو ويصدقها، بل يحول الواقع المعاش واليومي إلى نوع من الهلوسات من خلال خيالٍ مريض متوجس ناتج عن حالة عصابية يعيشها ويحاول أن يجعلها واقعاً ملموساً حتى بالنسبة للآخرين أيضاً، فها هو يكتب بخصوص مدينة كركوك والتي لها علاقة مباشرة بصدد قضية مجالس المحافظات، بل نستطيع أن نجزم بأن القانون ذاك جاء نتيجة للحالة الموجودة في كركوك ومحاولة إخراج المدينة من عنق الزجاجة وإن كان بتحطيمها على رؤوس مكون أساسي في المدينة؛ ألا وهو الشعب الكوردي، حيث يقول: “هذا هو رأي الاكراد مفاده التهديد والوعيد بالارهاب وحرق العملية السياسية الفاشلة منذ انظلاقتها على اسس ومرتكزات المحاصصة الطائفية والعرقية ، وقد تصاعدت وتيرة الارهاب داخل مدن كركوك والموصل وديالى بعد تصويت البرلمان العراقي على القانون ورفضه من قبل الاكراد وانسحابهم من قبة البرلمان ، فيما تعمدت عصابات الحزبين الكرديين وجهازهم الامني الاسوشيس الى تهديد العديد من العوائل العربية والتركمانية في المناطق التي تسيطر عليها هذه الميليشيات الكردية وبخاصة مدينة كركوك.. وبهذه الاعمال والتصرفات التي ترتكبها هذه الاحزاب تكون كركوك اصبحت في خطر كبير وقد يتصرف الاكراد برعونة كما معروف عنهم ويقوموا بترحيل العرب والتركمان من كركوك لتدخل هذه المدينة باحتلال جديد ، لكن ليس من السهولة ان تمرر هكذا تصرفات حمقاء والجارة تركيا واقفة لهم بالمرصاد!” و.. الخ.

وهكذا فالرجل يهدد القوى والأحزاب الكوردية ومن خلالهم الشعب الكوردي بالدولة التركية وجنرالاتها وجندرمتها و.. وينسى الرجل في حمية العمل على (تخريب بيت الأكراد) بأنه عراقي وبأن إقليم كوردستان جزء من الدولة العراقية. وبالتالي فإننا نتساءل من هو مع وحدة العراق ومن الذي يدعو إلى إحتلال العراق وتفتيت وحدته الوطنية والعودة إلى زمن الطاغية صدام حسين والمجازر بحق الشعوب والمكونات العراقية و.. هكذا سنكتفي بهذه الفقرة لنستدل من خلاله على (عراقية) وعروبة المدعو (هادي الحسيني) في مقالته المشار إليه سابقاً.

المهجر – 2008

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

(8)

الكتابة فعل ثقافي تواصلي بين الكاتب والمتلقي (الجمهور) والغاية من عملية التواصل هذه؛ أن تأخذ المتلقي إلى عوالم وسويات فكرية (عقائدية) يعتقد الكاتب بصوابيتها وصدقيتها وأحقيتها في الحياة. ولكن هل هي حقاً – أي الكتابة – هكذا دائماً و(على طول الخط) والمسيرة التاريخية لها تؤكد وكما يقال: “بأن التاريخ سطرها وكتبها المنتصرون” أي وفق رؤاهم وغاياتهم وما يتفق ومصالحهم؛ إن كانت تلك المصالح شخصية ذاتوية أو عامة تتعلق بأيديولوجيا ما (دينية – قومية – سياسية.. الخ). نقول – وللأسف، وكما لكل كينونةٍ ظلالها – فإن للكتابة أيضاً ظلالها ومناطقها الرمادية، بل الرطبة العفنة و.. إنطلاقاً من هذه القناعة، فإننا نحاول أن نلقي ببعض الضوء والحرارة على هذه الأماكن المظلمة، في محاولةٍ منا – ومساهمةً مع الآخرين – لأن نقلص من دائرة هذه الأماكن المتعفنة و.. منها كانت سلسلة مقالاتنا هذه؛ إن كانت سلسلة “إقليم كوردستان في الخطاب العربي” أو “القضية الكوردية والخطاب العربي”.

وها نحن نتناول في هذه الحلقة (كاتباً جديداً) – والجديد هنا بمعنى إننا نتناوله لأول مرة في معرض ردنا على هؤلاء وليس بمعنى الجديد في الفكر والطرح؛ أي بالمعنى التقدمي والمستقبلي – وهو (أي كاتبنا الجديد) يحاول أن يكتب التاريخ والواقع وحقائق الحياة على مقاسه وتحت عنوان “سياسة ان لم تكن معنا فأنت عربي قومجي” منشورة على موقع (كتابات) لصاحبها (إياد الزاملي)؛ الصحيفة المتخصصة بشتم كل من ليس “عروبي قومجي” فها هو (صاحبنا) يبدأ مقاله بمقولة: “اصبحت العروبه بعد 2003 اي بعد احتلال العراق تهمه تلقي بصاحبها الى سجن الجادريه او الى احدى سجون الإحتلال او الى سجن بوكا او ابو غريب او سجن قله جولان” وذلك في إشارة واضحة إلى أن الانتماء إلى العروبة أصبحت تهمة جاهزة وخطيرة في العراق (المحتل)؛ بدليل أنها تودي بصاحبها إلى السجن و.. ما أكثر سجون بلداننا، بل إنها تفوق جامعاتنا ومدارسنا بأكثر من الكثير.

إننا لن نناقشه بصدقية هذه المقولة أو عدمها و.. الواقع السياسي العراقي ليست بدائرة مغلقة، أو (كهف علي بابا وأربعين حرامي) – كما هي محببة للبعض بأن يسمونها بذلك – وبالتالي إلى من (يضرب المندل) لكشف المستور والوقوف على الوقائع والحقائق السياسية وما يجري داخل البلد، بل وبفضل الثورة المعلوماتية بات دواخل بيوتنا مكشوفةً للعالم، على الرغم من المناطق الخضراء والصفراء والخطوط الحمر و إلى ما هنالك من دوائر ومناطق محرمة وممنوعة على (المشاة من الاقتراب منها). ولكن سنناقشه ضمن هذه القناعة المشكوكة أصلاً في مصداقيتها، ونسأله: لما بات العروبة – والإسلام كذلك – من التهم الخطيرة، والتي تودي بأصحابها إلى أقبية الزنازين والمعتقلات من غونتنامو إلى قله جولان – حسب رأي كاتبنا ذاك – ألا يدعوا هذا للوقوف ملياً عندها ومحاولة فهم حيثياتها وأسبابها ودوافعها و.. منطلقاتها النظرية والفكرية (الناصرية البعثية) والتي تذكرنا بالنازية والفاشية والشعب الألماني ما زال يدفع ضريبة تلك الحقبة السوداء من تاريخها و.. للتاريخ عِبَرِها ودروسها، لمن يريد أن يُعتبر.

بالتأكيد هناك بون شاسع بين مصطلحي العرب والعروبة؛ فالعرب كشعب وأثنية تاريخية ثقافية حضارية لا يمكن حشرها وقوقعتها – المقولة والمصطلح وليس الشعب العربي بالتأكيد – في مفردة أو مقولة العروبة وفلسفتها ومبادئها النظرية والتي تمثلها تيارين سياسيين عريضين هما الناصرية والبعثية وكذلك بعض الدول والحكام المعروفين باستبدادهم وقمعهم لشعوبهم – من العرب قبل (الأقليات) العرقية والدينية الأخرى – وذلك ابتداءً بمصر العربية وثورتها الناصرية وانتهاءً بالعراق مع الطاغية الصدامية المقبورة مروراً بسوريا وديكتاتوريات آل الأسد و(الحاشية الأمنية) ومن دون أن يغيب عن الذاكرة جمهوريات القهر العروبي في كلٍ من ليبيا والجزائر والسودان و.. غيرها من الدول التي تُسيّر وفق (نظرية العروبة) ومشيئة (الحاكم/الطاغية) وبالتالي أن تعيش المنطقة أزمات وحروب عدة وبأوجهها المتعددة؛ دينية (طائفية مذهبية) أو عرقية أتنية وحتى سياسية أيديولوجية وها هي بعض التفصيل؛ فمن قضية دارفور في السودان والأمازيغ في دول المغرب العربي والأقباط في مصر إلى الصراع الطائفي السني الشيعي والتي أذكتها العروبية البعثية (الصدامية والأسدية) وناهيك عن القضية الكوردية في كل من سوريا والعراق؛ (حاملي لواء البعث والعروبة).

أمن بعد كل هذا التراكم والإرث الإجرامي بحق شعوب هذه البلدان – وبمختلف أطيافها وتكويناتها العرقية والدينية والسياسية – والتي عاشت وتعيش تحت لواء العروبة والتمجيد لها، أليس من حق تلك الشعوب، بل والعالم بأسره أن يتخوف من هكذا عقلية استبدادية عنصرية وشوفينية وأن تحاصرها وتحاربها، كما حاربت كل من العقلية النازية والفاشية في كل من ألمانيا وإيطاليا والتي كانت من نتائجها الملايين من الضحايا البشرية، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية المالية. وبالتأكيد لا يعنى الخوف من (نظرية العروبة) ومحاربتها أن الشعب العربي مهدد في كيانه ووجوده وهويته العرقية، بل تعني محاربة نظرية وعقلية أًسست وتؤسس للنظرية العنصرية في تفوق عرق وجنس بشري ما على غيره من الأعراق كأي نظرية عرقية أخرى، أي مثلها مثل الكمالية الطورانية في تركيا والنازية في ألمانيا – كما أسلفنا قبل قليل – وهكذا فعلينا وعلى العالم أن تُمحي آثار ونتائج هذه المدرسة والفلسفة العروبوية وما خلفت من كوارث وقضايا عالقة والبحث عن البدائل والحلول لتلك المشاكل.

أما بخصوص ما يكتبه ذاك الدعي بخصوص الكورد ومصطلح “الكوردايتي” وبأنه “ليس بعيداً عن الفرس والأمريكان وعملائهم ممن ينفذون اجنداتهم الخاصه والذي لايؤمنون بشيئ اسمه عراق او عروبه, فإننا نجد (اكراد الحزبين) يمجدون مايسمى (بالكوردايتي) وهي كلمه استحدثوها مؤخراً في مقابل العروبه عند العرب, وقد كتبوا تاريخاً جديداً يتحدث عن اوهام واباطيل وثّقوها ولقنوها للشعب الكردي البسيط ليعتقد بحقه في شيئ هو ليس من حقه, وعلموه تأريخاً لم يكن سوى مجرد هذيانات واوهام مُسَطَره على الورق..”. فإننا نقول له: نعم الكوردايتي هي نوع من التقوقع الأتني الداخلي وفي الهوية العنصرية (من العنصر)، تماماً كمفهوم العروبة في بداياتها القومية، متأثرةً بالمستعمر الأجنبي في بدايات القرن الماضي وأواسطه ومقاوٍمةً له في الآن ذاته وهي حالة ثقافية حضارية مقاومة ومن حق كل الأمم أن تناضل للحفاظ على كينونتها وهويتها وديمومتها؛ أي أنها في الجانب الإيجابي للخصوصية وتكوينات الهوية. ولكن عندما تتحول الحالة من مسألة بلورة الهوية الثقافية الحضارية لعنصر ومكون عرقي ما – الكورد مثلاً ومن خلال الكوردايتي – إلى نوع من مدرسة فكرية وفلسفة عقائدية تحاول صهر كل المكونات العرقية الأخرى في كوردستان كالكلدوآشوريين والتركمان وغيرهم في بوتقتها، وذلك من خلال الأنفال والمقابر الجماعية، فبأس الكوردايتي تلك وإلى بأس المصير وعلى العالم أن تحارب تلك الآفة عندها.

وأيضاً هناك العديد من النقاط الأخرى والتي يثيرها في معرض كلامه من قبيل “كتبوا تاريخاً جديداً (أي الكورد، توضيح من كاتب المقال) يتحدث عن اوهام واباطيل وثّقوها ولقنوها للشعب الكردي البسيط ليعتقد بحقه في شيئ هو ليس من حقه.. الخ”. وذلك من دون أن يوضح ما هي تلك الحقوق التي يطالبها الكورد من هؤلاء العروبيين وغيرهم وهم يستكثرونها على ذاك (الكردي الدعي) و.. هكذا فإن أقل ما يمكن أن يقال هنا: بأننا لسنا بحاجة للرد عليه، بل فقط نود أن نؤكد بأن الكورد في العراق هم جزء من الدولة العراقية الفدرالية ولها (أي للعراق) دستورها الفدرالي المدني الديمقراطي وليس العروبي البعثي، وعلى ضوء ما يقره الدستور والبرلمان والهيئات التشريعية الأخرى، تكون الحقوق وبالتالي فهي المحك العملي لحقوق الكورد وغيرهم من المكونات العراقية ولا يهم الكورد كثيراً ما كُتب ويُكتب بخصوص تاريخه من أمثال هكذا أبواق عروبية تبكي على ماضيها الإجرامي التليد.

وأخيراً يأتي ليتناول إقليم كوردستان ليبث دعايات وأقوال، أقل ما يمكن أن يقال عنها، بأنها إدعاءات غير صادقة، فيكتب: “كما يرفض (اكراد الحزبين) ان يكون العراق عربياً ضمن الامه العربيه بينما يكتبون في ما يسمى بدستورهم ان الكرد جزء من الامه الكرديه, ويقولون ان العروبه هي سبب مأساتهم وهي سبب الغاء هويتهم, في وقت يفرضون على الآشوريين ان يكونوا كرداً من خلال تكريدهم وتهجيرهم من اراضيهم بالقوه والحيله وبكل الوسائل, والرافض منهم لذلك فهو متهم بتهمة موالاة العروبه والعرب, وماحدث اخيراً مع الآشوريون من تهجير وقتل انما ذلك عمل منظم هدفه اخلاء منطقة سهل نينوى منهم ليسهل ضمها الى اقليم مسعود..”.

بدايةً قلنا بأنه غير صادق في ادعاءاته وها هو يؤكد على ذلك من خلال افترائه بأن الكورد يرفضون “ان يكون العراق عربياً ضمن الامه العربيه”. فهو عن جهل أو لغايةٍ في نفسه؛ يعتبر العراق (عربياً)، نقطة على السطر وأنتهى. وهكذا من دون أن يعطي المجال والهواء لغير المكونات أن تعبر عن وجودها وكينونتها وهويتها وبالتالي فالمعادلة العراقية عنده من الدرجة الأولى (البسيطة) بمعنى؛ (أنت عراقي فأنت عربي) وإذاً فالعراق جزء من الأمة والجغرافيا العربية ولا كورد وكوردستان، ولا من (يفرحون) بها. ثانياً: نوضح له ولمن يلتبس الأمر عليهم، بل لكل أولئك الذين يحورون الطرح الكوردي عن قصدٍ ولغايات التشويه والتشويش، ونقول لهم: بأن الكورد يعتبرون الجزء والإقليم العربي في العراق هو جزء من الجغرافيا العربية والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية، كما أن كوردستان جزء من جغرافية كوردستان الكبرى المحتلة والمغتصبة من قبل دول عدة في المنطقة وشعبها الكوردي (أي الكورد في إقليم كوردستان العراق وليس كل الكوردستانيين في الإقليم؛ حيث هناك التركمان والكلدوآشوريين وغيرهم) هم جزء من الشعب والأمة الكوردية، فأين هذا الطرح مما يطرحه هو في مقاله البائس ذاك.

أما ما يتعلق بخصوص (تهجير الآشوريين من سهل نينوى) وما تم إثارته في وسائل الإعلام مؤخراً بخصوص الأخوة المسيحيين في الموصل وغيرهم من المناطق، فإننا كتبنا حول الموضوع – مقالنا: “جهينة في الموصل” – كما كتب غيرنا ولا حاجة للعودة وتكرار الموضوع ولكن فقط نذكره بأن الكورد الأيزيديين والشبك، بل الكورد بشكلٍ عام وقبل غيرهم قد تعرضوا في الموصل وبغداد، مثلهم مثل غيرهم من مكونات العراق، وحتى في الإقليم إلى هكذا أعمال إجرامية للقاعدة والجماعات السلفية، فهل كان الأسايش والبشمركة وراء تلك العمليات الإجرامية، أم أصحاب النظرية العروبية وغيرها كالقاعدية (من القاعدة) والصدراوية (من التيار الصدري) والزرقاوية وقبلهم البعثية الصدامية.

وبالتالي فإن الكورد ومؤسساتهم الأمنية والعسكرية والسياسية وعلى رأسهم حكومة الإقليم براء من تلك الجرائم والمآسي بحق الأخوة المسيحيين وغيرهم، فالكورد وتاريخياً كانوا دائماً الضحية والقربان وليس الجلاد والطاغية و.. يكفي إقليم كوردستان (العراق) بأنها تحتضن كل المكونات العراقية – بمن فيهم الأخوة العرب والهاربين من بقية المناطق العربية ومن جحيم الصراعات الطائفية المذهبية والأيديولوجية السياسية – وإن التعايش الأخوي الذي نجده بين كل المكونات العراقية في (عه نكاوه) بعاصمة الإقليم – مثلاً وواقعاً معاشاً – لكافية بالرد على كل هذه الإفتراءات والإدعاءات الباطلة والعارية من الحقيقة تماماً، ولن نزيد.. فالواقع أبلغ من الكتابة.

هولير – 2008

إقليم كوردستان في الخطاب العربي

(9)

ما يلاحظ في الفترة الأخيرة تصاعد الأصوات التي تهاجم، ليس فقط القيادة السياسية في إقليم كوردستان (العراق) وإنما الوجود الكوردي ضمن المعادلة السياسية – وأحياناً الجغرافية – العراقية وذلك من خلال الطعن بالمشروع السياسي الذي يتبناه التحالف الكوردستاني مع حلفاءه وشركاءه من التيارات والأحزاب السياسية العراقية الأخرى، بل.. والطعن بالهوية العراقية لهذه القوى السياسية وإتهامها بشتى النعوت والصفات التخوينية العميلية (من العمالة) والعزف على الوتر العروبي والإسلاموي في محاولة لدفع العراق – من جديد لصراعات قومية – بعد أن أنهكتها الصراعات الطائفية والمذهبية.

وكمثال عن هذه (النوعية) من الكتابات التحريضية ضد الكورد وإقليم كوردستان (العراق) نورد ما كتبه أحد النكرات (خضير طاهر) في الموقع الالكتروني المجرثم بجرثومة (عداء الكورد)؛ ألا وهو موقع (كتابات) وتحت عنوان “فوز أوباما جعل موقف الاكراد ضعيفا.. وهذه فرصة لطرد ساستهم من بغداد”، حيث يكتب هذا الدعي وفي مقدمة هذيانه: “احدث فوز اوباما ومجيء الحزب الديمقراطي الى الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية تحولات جذرية كبرى في المشهد السياسي العراقي ربما تؤدي الى حلول الكارثة على الجميع وخصوصا الاحزاب الكردية.. فالحزب الديمقراطي وقف بالضد من قرارات جورج بوش بشأن تحرير العراق من نظام المجرم المقبور صدام حسين، ووعد أوباما اثناء حملته الانتخابية بسحب الجيش الامريكي خلال مدة 16 شهرا، ومع حدوث الازمة الاقتصادية موخرا وحاجة امريكا لصرف المزيد من الاموال على احتياجاتها الداخلية، فأن الجدول الزمني للانسحاب ربما يتم التعجيل به واختصاره، وحتى لو تم التوقيع على الاتفاقية الامنية فأن بأمكان اوباما إلغائها وعدم تنفيذها فهي غير ملزمة له”.

وهكذا ومن العنوان نلاحظ ذلك العداء المزمن والمستفحل لدى هذه الفئة القومجية تجاه الشعب الكوردي؛ فـ(الرجل) يحلم بطرد القيادات الكوردية من بغداد معتمداً على الخيال المريض لديه وهذياناته بأن زمن (الضعف) الكوردي بدأ مع فوز باراك أوباما بالرئاسة الأمريكية وكأن الأخير – (أي أوباما) مع حفظ الألقاب – قد فطم على (العداء) للكورد وقضيتهم وليس له من قضايا ومسائل سياسية داخلية وخارجية، إلا (تصفية) الحالة الكوردية في بغداد. وهكذا فإن دلَّت هذه العقلية على شيء فإنما تدلُّ على قصر النظر في التحليل السياسي لدى هؤلاء وإستبدال الأحلام الهذيانية (لهم) بالوقائع والمعطيات السياسية وكذلك لاعتمادهم على موروث ثقافي إستبدادي؛ قائم على فردانية الحاكم المطلقة والحالات الديكتاتورية في العالم العربي كنماذج لها في الحكم. وبالتالي يسقطون (نموذجهم) هذا على واقع مختلف آخر تماماً كالحالة الأمريكية ويتناسون بأن باراك أوباما قد جاء إلى سدة الرئاسة عن طريق إنتخابات ديمقراطية وبأن السياسة الأمريكية لها أجندتها الاستراتيجية والتي ترسم في مراكز القرار ومن خلال الحالة المؤسساتية وليس من خلال سلطة ديكتاتور مستبد ومهما كان هذا أو ذاك الرئيس ذو شخصية كاريزمية كحالة أوباما مؤخراً.

ويضيف هذا البوق القومجي “..وعليه يبدو موقف الاكراد حاليا في منتهى الضعف والارتباك، فهم يعيشون مأزقاً حقيقياً بعد ذهاب ادارة بوش ومجيء اوباما الذي هو غير مستعد للأهتمام بمشاكل العراق وترك مشاكل امريكا الداخلية، ثم ماهي قيمة الاكراد الاقتصادية والسياسية لمصالح أمريكا؟ طبعا الجواب لاشيء ليس لهم قيمة، والديمقراطيون كحزب ليبرالي هم بالضد من توجهات الاحزاب الكردية العشائرية القومية الشوفينية”. وكأن الحزب الجمهوري (حزب جورج بوش) هو حزب “عشائري قومي شوفيني” على حد توصيفه للأحزاب الكوردية والتي كانت مدعومة – حسب زعمه أيضاً – من الحزب السالف الذكر. كذلك فإن الخطاب التعبوي التحريضي للبوق المذكور لا يخلو من حالة الاستهزاء والسخرية والتهكم بالكورد عموماً وليس بالقيادة السياسية الكوردية في بغداد أو في الإقليم وذلك عندما يكتب: “ماهي قيمة الاكراد.. طبعا الجواب لاشيء ليس لهم قيمة”، ذاك من جانب ولن نقف مطولاً عنده، حيث “كل إناءٍ بما فيه ينضح”.

ولكن نود أن نقول له وبصوت مسموع لعله يفيق من حالته الهذيانية؛ بأن أمريكا وقوات التحالف لم تأتي للمنطقة لتغادر على (نغمات) هذه الأبواق ومن وراءهم (أشاوستهم من المقاومة العراقية) بأعمالهم الإجرامية ومحاولاتهم إنهاك الجسد العراقي للوصول إلى مستنقعهم الدموي، بل كانت – وما زالت – لهذه القوات الدولية المتحالفة، وعلى رأسها أمريكا وبقواتها التي قاربت مائتي ألف جندي وضابط أمريكي، مهام إستراتيجية ما زالت تعمل عليه ولم يحن وقت مغادرتهم بعد؛ كون المشروع الأمريكي- الدولي ما زال قيد الإنجاز في المنطقة وما الإتفاقية الأمنية إلا حلقة من حلقات تنفيذ ذاك المشروع.

وتأسيساً على حالته الهذيانية تلك ومن خلال خطابه التحريضي التعبوي فإنه يكتب: “وبناءا على هذه المتغيرات السياسية تبدو فرصة العراقيين الشيعة والسنة والتركمان والمسيحين ممتازة جدا لتوحيد صفوفهم، وتوجيه ضربة رجل واحد قاصمة لظهر الاحزاب الكردية – وليس الشعب الكردي – والعمل على طرد الساسة الأكراد من بغداد وتطهير الحكومة والبرلمان منهم واعلان استقلال مدن: اربيل ودهوك والسليمانية واعتراف الحكومة العراقية بأستقلال الدولة الكردية وقطع كافة اشكال الارتباط المالي والسياسي والاداري معها”. لن نعلق كثيراً على هلوساته هذه ولكن فقط نود أن نهمس في إذنه لنقول له بأن “الطعن في الظهر” هي من (خصال وشيم الجبناء والغدارين) وبأن “إستقلال الدولة الكردية” لن يكون من خلال هذه الأبواق وإن سنحت الظروف الإقليمية والدولية فلن تكون بدون المناطق المستقطعة من كوردستان وعلى رأسها مدينة كركوك وأخواتها.

ويضيف هذه النكرة ليقول بكل صفاقة ومتناسياً تاريخ العراق الحديث: “ان الاحزاب الكردية عدو خطير ودائم للدولة العراقية، وبعد سقوط نظام صدام الاجرامي ونيل الاكراد اكثر من حقوقهم ظهر جلياً للعلن حقدهم ضد الشعب العراقي واثبتوا ان مشكلتهم لم تكن سابقا مع الحكومات، وانما كان لديهم احقاد ضد كافة العراقيين، وهم رغم كل الخيرات والمكاسب التي منحها لهم العراق مازلوا يتآمرون على وطننا ليل نهار، ثم ان العراق لايستفيد من الاكراد بأي شيء، فهم يشكلون عبئاً اقتصاديا وسياسيا عليه، ومن الغباء تحمل معيشة خمسة ملايين كردي ليس لديهم اخلاص وولاء للعراق، لقد انكشفت مؤامرات الاكراد واحقادهم ويجب على (كل) عراقي شريف التصدي لهم بكل حزم وقوة وبتر هذا السرطان من جسد بلدنا فلا نريد أعداءا يعيشون معنا ويتمتعون بثرواتنا ويتأمرون علينا”.

وهكذا فهو يعلن حالة العداء والقطيعة مع كل الشعب الكوردي ويدعوا (بقية) المكونات العراقية للتنكيل بالكورد عموماً وليس فقط ضد القيادات السياسية الكوردية في بغداد و(تطهير)ها منهم كما يزعم في بداية الفقرة وذلك عندما يكتب “..وتوجيه ضربة رجل واحد قاصمة لظهر الاحزاب الكردية – وليس الشعب الكردي – والعمل على..” إلى نهاية الجملة ومن ثم – وفي حالة هذيانية جديدة – يستنكف ليعلن العداء لكل الشعب الكوردي وذلك عندما تكشفه عمائه وغله القومي ومن خلال مقولته “..ان العراق لايستفيد من الاكراد بأي شيء، فهم يشكلون عبئاً اقتصاديا وسياسيا عليه، ومن الغباء تحمل معيشة خمسة ملايين كردي..” الخ. وبالتالي ليكشف لنا عن الحالة الذهنية المريضة بعدائه للكورد؛ حيث أن الأحزاب الكوردية لا تضم “خمسة ملايين كردي” وإنما ذاك قوام الشعب الكوردي في إقليم كوردستان (العراق) بكثيرٍ أو قليل.

وهكذا يتأكد لنا بأن هذا (الرجل) مستوطن بحالة عصابية مرضية تجاه الكورد وقضيتهم ويتناسى بأن الشعب الكوردي مكون أساسي في الحالة العراقية وما ناله من حقوق – وليس مكاسب – لا يرتقي إلا مستوى تضحيات هذا الشعب ولا إلى مستوى مطالبه وحقوقه الشرعية والقانونية وفق القوانين والمعايير الدولية ذات الشأن وما دخول التحالف الكوردستاني في الشراكة الوطنية إلا كانت بمبادرة وطنية ومن برلمان إقليم كوردستان ومن قبلها ما شهدتها المعارضة العراقية من تجاذبات وتحالفات توج بالدستور العراقي المستفتى عليه وطنياً والذي يضمن (أي الدستور) حقوق كل المكونات العراقية وليس فقط حقوق الكورد.. و أخيراً لا نود أن نقول لهذه الأبواق: بأنكم “في إنتظار غودو”؛ كونهم وبكل بساطة يعيشون الحالة الغودوتية.

هولير – 2008

مقالات متفرقة

الآخر بين الاستلاب و الإقصاء

– الكورد نموذجاُ –

إن قراءة التاريخ الإنساني تبين لنا بأن الإنسان أستبد بأخيه الإنسان وعلى مر العصور وبكل أشكال القهر والظلم حيث دفع بالآخر لأن يعاني من كل أشكال الرفض وعدم الاعتراف والإلغاء والإقصاء, فإذا عدنا إلى بدايات الوعي الإنساني وتكوين الأساطير ومن خلال قصة قايين و هابيل نتلمس جذور هذه الفكرة في قتل “قايين” لـ “هابيل” وذلك عندما يتقبل الإله هدية أحدهما ويرفض عطاء الآخر. هذه القصة الأسطورية توضح لنا وفي أبسط صورها ودلالاتها جذور وعمق المشكلة حيث لعبت الجوانب الاقتصادية الدور الأهم في علاقة الأنا بالآخر.

وسوف تتجذر وتتعمق هذه الإشكالية؛ إقصاء الآخر في الفكر الإنساني مع تراكم الناتج المادي بين يدي مجموعة بشرية دون سواها مما يدفعها إلى احتكار جهدهم وتسخيرهم في خدمة هذا التراكم وتحقيق ثرواتهم الطائلة التي تسيدهم في المجتمع وتجعل من الآخر عبداً، كولاكاً وذمّيياً .. الخ. وعلى الرغم من جميع الحركات والثورات والتي قامت ونادت بمبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة والأخوة فما زال “الآخر” يعاني من القهر والإذلال والإقصاء بسبب تعارض المصالح حسب مفاهيمنا وتصورنا للمسألة ومن خلال الإقتداء بالنموذج البدئي، قتل قايين لـ هابيل في حل مشكلاتنا مع الآخر وليس على أساس الإبداع وإنتاج ناتج مادي أكثر تطوراً وقبولاً من “الإله” . وهنا نؤكد على أن الفكر الإنساني ما زال فكراً إتباعياً أكثر مما هو إبداعي وجماهيرية الحالة يبرهن على ذلك.

بعد هذه المقدمة التمهيدية نود الدخول إلى جوهر المسألة والإشكالية الكوردية، حيث أن المتتبع للشأن الكوردي في المشهدين الثقافي والسياسي العربيين يلاحظ أن المسألة الكوردية تتأرجح بين الرفض والقبول, بين من يؤيد الشعب الكوردي في حقه في تقرير مصيره وحتى إنشاء دولته المستقلة “كوردستان”، وهم قلة قليلة، وبين من يرفض حتى قبول فكرة وجود مسألة كوردية ناهيك عن الحقوق القومية المشروعة وبأن هذا الشعب وعلى مر العصور والأحقاب عانى ويعاني الاضطهاد والحرمان والقتل بكل سوداويتها وأشكالها وحتى الإبادة الجماعية “الجينوسايد”، على الرغم أنه قدّم وما زال يقدم العطاء والوفاء للجغرافية وأخوة الدين والمعتقد السياسي.

إن عدنا إلى التاريخ الإسلامي ومسألة الأخوة في الدين نجد ظاهرة أحد “قادة الكورد” وهو صلاح الدين الأيوبي، خير مثال نستشهد به في مسألة التزام الكورد بهذه الرابطة ودفاعه عن الدين الإسلامي والبلاد الإسلامية. ولكن أليست هذه التجربة تحديداً تؤكد على مسألة أكثر خطورة وهي ظاهرة استلاب الآخر والاستيلاء على ذاكرته الوجدانية والتاريخية، ألم يتنكر صلاح الدين لأبناء جلدته عندما نصحوه بأن يقيم كياناً خاصاً بهم، أم إنه كان أبناً باراً وفياً للمنطق التاريخي وللمرحلة التي قاد فيها تجربته.

هذه المسألة وغيرها تستثار عند الآخر “الكوردي” حينما يعود إلى التاريخ ويقرأ ظاهرة الشعوبية في الدولة الإسلامية, وبأنه كان هناك من يفكر ويدعو ويعمل للشعوبية وحتى قبل بروز دور صلاح الدين بينما عمل هذا الأخير بعكس الاتجاه وفي سبيل الكل والمجتمع والمصلحة العليا للدين والدولة الإسلامية، في حين أن أبناء جلدته كانوا يعيشون كـ “يتامى المسلمين”؛ أمامهم إما اعتناق الدين الجديد والتنكر لثقافتهم وتاريخهم وحتى عاداتهم ولغتهم أو القتل والنفي والتشرد .. الخ. وهكذا أليس هذا تأكيداً للمسألة، بأن الآخر يتأرجح بين الاستلاب والإقصاء ولا خيار ثالث أمامه.

وعندما تنتهي الخلافة الإسلامية بانتهاء الخلافة العثمانية وتشكيل الدول والتشكيلات السياسية القومية وبمساعدة الأجنبي أو ما يعرف اصطلاحاً بالاستعمار القديم، ندخل نحن الكورد مرة أخرى دوامة الإقصاء والاستلاب، فبعد اتفاقية سيفر 1920 والتي اعترفت ببعض الحقوق القومية للكورد ونتيجة لتقاطع المصالح بين الدول الاستعمارية والدول “الوطنية” الناشئة بمساعدة منها، تم تجاهل تلك الحقوق وألحق الكورد بأربعة دول اثنتان منها ناشئة وتم قطع جزء خامس ليعطى كهدية رمزية لإرضاء الدولة السوفيتية، وهكذا تحولنا من “يتامى المسلمين” إلى يتامى القوميين. وفي الفترة الأخيرة هناك أصوات تدعو إلى الهوية الوطنية المرتبطة بالجغرافية ويطالب “الآخر” بالاندماج ونحن معهم في مطلبهم هذا ولكن على شرط المسواة الكاملة في الحقوق والواجبات ودون أن نتحول من يتامى القوميين إلى يتامى الجغرافية الوطنية.

وها قد مر على هذه المعاناة أكثر من ثمانون عاماً وأعتقد بأننا لسنا بحاجة إلى من يذكرنا بالحروب والويلات وحتى الإبادة الجماعية والتي مارستها جميع الأنظمة المتعاقبة في هذه الدول تجاه الشعب والأمة الكوردية، وتجربة أخوتنا وأشقائنا في جنوب كوردستان وشمالها “خير” شاهدين على ذلك، فجميعنا يعلم ومن خلال المقابر الجماعية واستخدام الأسلحة المحظورة دولياً والتطهير العرقي وجعل كوردستان منطقة عمليات عسكرية، بأن الأشقاء في كوردستان العراق عانوا وعلى أيدي كل الأنظمة والحكومات التي استولت على السلطة في بغداد، كل أنواع القهر والظلم وحتى الإبادة الجماعية ولم تسلم من همجيتهم لا البشر ولا الطير والحجر.

طبعاً عندما نستشهد بكوردستان العراق لا يعني هذا بأن الأجزاء الأخرى لم تعاني من هذه الويلات والكوارث وإن كانت بدرجات متفاوتة، فإلى الآن وفي الأجزاء الأربعة لا زال الكورد يعانون من سياسة التجاهل والإقصاء والإلغاء، فمثلاً نحن في سوريا وإن جاء على لسان رئيس الجمهورية بأن “الأكراد جزء أساسي من النسيج الوطني والتاريخي” لا زلنا نعاني من سياسة الإنكار وعدم الاعتراف دستورياً وقانونياً بأن الكورد يعيشون على أرضهم وترابهم وبالتالي الحرمان من جميع الحقوق القومية المشروعة، ناهيك عن سياسات التعريب وتجريد أكثر من ربع مليون كوردي من الجنسية السورية بالإضافة إلى مسألة الحزام العربي والإعتقالات الكيفية والفصل التعسفي لأبنائنا من المعاهد والتعامل الأمني– المخابراتي مع المسألة الكوردية في البلد.

والآن وبعد رحيل النظام البعثي في العراق، غير مأسوف عليه، هناك مناخ وحالة سياسية مستجدة في المنطقة، فأصبح الوجود الأوربي– الأمريكي واقعاً لا بد من الإقرار به والتعامل معه –وهنا نود أن ننوه بأن هذا ليس استقواء أو استكباراً من قبل الكورد بالوجود الأمريكي كما تدعي بعض الأقلام المأجورة– وبالتالي أصبحت مسألة الشأن الداخلي وعدم السماح “للآخر”، القوي والمهيمن، التدخل به من ثقافة الماضي، ولذلك لا بد من التغيير والتجديد وعلى كل المستويات، الاقتصادية منها والسياسية والثقافية وحتى الاجتماعية وخاصة بعد الثورة التقنية والمعلوماتية والتي جعلت من العالم ليست قرية كونية صغيرة فحسب بل غرفة صغيرة داخل البيت الكوني.

ولكن وعلى رغم صغر هذه الغرفة هناك زوايا وجغرافيات تتقاطع مصالحها وانتماءاتها ولا بد من الأخذ بها، فنحن نجد بأن العالم وخاصة الدول الصناعية المتقدمة منها، أوربا مثلاً تتجه نحو الاتحادات والتكتلات الاقتصادية لتملك القوة والمقدرة على مواجهة القوة المهيمنة عالمياً ألا وهي أمريكا اليوم، فأمام هذا الواقع الجديد للعالم نحن شعوب الشرق المستضعفة ماذا نملك وأين هي مكانتنا وقوتنا، ليس لإلغاء “الآخر” وإنما لامتلاك القدرة والقوة على التحاور والتأثر والتأثير.

إننا ومن خلال قراءتنا للجغرافية ولمصالح شعوب منطقتنا نجد لا بد من قبول الآخر المختلف والمتميز عنا وليس فقط الاعتراف به، وهذا يستدعي كل النخب السياسية والثقافية لشعوب المنطقة وخاصة العربية منها إلى إعادة صياغة برامجها وأجندتها لتتلاءم مع منطق التاريخ والواقع السياسي المستجد وليس مع المنطق التعبوي والقومجي والشعبوي، ولقد أثبت التاريخ بأن سياسة الإنكار والإقصاء لم ولن تجدي نفعاً بل أنها تجلب كل الويل والدمار ليس فقط للآخر المستضعف بل تقع على رؤوس الجميع وما نعاني منها في الشرق من مسائل الفقر والعنف والإرهاب إلا نتائج لهذه السياسات الخاطئة وعلينا جميعاً أن نراجع حساباتنا وأجندتنا.

وهناك مسألة أخرى نود التطرق لها وذلك من خلال سياق منطق الاعتراف وقبول الآخر، ألا وهي مسألة التدخل الأجنبي أو ما يعرف بالتدخل الأمريكي في المنطقة. فمن المعروف بيولوجياً بأن الجسد الحي له مقاومة طبيعية تجاه الفيروس أو الجرثومة والتي تهاجمها فتقوم بالدفاع عنه ولكن عندما يكون الجسد ضعيفاً أو أستضعف بسبب ظروف المناخ وعوامل عدة أخرى، فإننا نلجأ إلى أمصال حيوية ليساعده على المقاومة. وهكذا هي المجتمعات فلقد تم إنهاك أو انتهكت هذه المجتمعات والشعوب الشرقية بحيث فقدت القدرة على التغيير ذاتيياً بمقاومتها الداخلية ولذلك كان لا بد لها من الاستعانة بالخارج وتجربتكم في العراق يؤكد لنا ذلك، فحسب اعتقادنا كان من المستحيل ولنقل الصعب، أن يأتي تغيير نظام صدام البعثي فقط بالاعتماد على قدرات وطاقات الشعوب العراقية رغم كل التضحيات والتي قدمتموها دون بخلاً على هذا الطريق.

وبالتالي هذا يستدعي منا أن نعيد النظر في قيمنا وقناعاتنا وحتى في خطابنا الثقافي والسياسي وفي الكثير من المسائل إن لم نقل جميعها؛ من مسألة الشؤون الداخلية والسيادة الوطنية وقداسة الجغرافية والتراث ورموزها.. الخ. وهذا لا يعني أن نلغي ذواتنا و”أنواتنا” في الآخر وبالتالي نعكس المعادلة وندخل مرة أخرى في مسألة الإقصاء والإنكار وإن كانت هذه المرة باتجاه الداخل أي إنكار الذات، وهذه واحدة من مشكلات الشعوب المقهورة، ونحن الكورد أكثر من عانى ويعاني من هذه المسألة بحيث جعلت من الشخصية الكوردية تلك الشخصية المهزوزة والدراماتيكية والتي تبحث في قصص “مم و زين” و “درويش عبدي” عن معاني الفداء والتضحية بالذات في سبيل الآخر، مهما كان هذا “الآخر”؛ حبيباً كان أم “عدواً”.

وهنا وبكل تواضع ندعو الأخوة والأصدقاء من النخب السياسية والثقافية وخاصة تلك التي في مواقع المسؤولية بحكم الانتماء إلى الشعوب ذات السيادة والسلطة في المنطقة أن تعيد النظر في جملة وقائع تاريخية ومسائل سياسية، وبداية إلى حقيقة أن الكورد لم يأتوا من الخارج وتم استضافتهم في جغرافية المنطقة مكرمة أو عطفاً ومن ثم انقلب هؤلاء عليهم وباتوا يطالبون بهذه الجغرافية على أنها أرض الأجداد، بل عليهم الاعتراف بأن جغرافية كوردستان هي الأرض والجغرافيا التي عاش وما زال يعيش عليها الكورد وبأنها حقيقة تاريخية وليس وهماً أو تصوراً كوردياً بحتاً.

ثانياً ومن خلال الإقرار ذاك يستوجب منهم الاعتراف وإقرار كامل حقوق الشعب الكوردي بما فيه حقه في تقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة بعيداً عن منطق الوصاية والتسلط عليه والتفكير بدلاً عنه ومن ثم إقرار ما هو في صالحه أو عدمه. وهنا أود أن أشير إلى مواقف مشرفة لبعض المثقفين والسياسيين العرب منهم والأتراك وعلى سبيل الذكر لا أكثر كل من الدكتور منذر الفضل والدكتور عبد الحسين شعبان وأيضاً السيسيولوجي إسماعيل بشكجي.. وغيرهم.

ثالثاً وبعد إقرار المسألتين السابقتين تأتي المسألة الثالثة والتي تتجسد في انتمائنا إلى جغرافيا واحدة لها مصالح مشتركة وبالتالي تستدعي أن يقوم تكتل اقتصادي – سياسي في منطقة الشرق الأوسط بحيث تراعي مصالح جميع شعوب المنطقة بما فيهم تلك التي استبعدت عن الخارطة السياسية في المراحل السابقة مثل الكورد والتركمان والكلد-آشور. والأمازيغ و.. غيرهم. وعندها يمكن الحديث عن الأخوة بين الشعوب دون قهر أو إذلال وعن مسائل الديموقراطية والتعددية وحرية الشعوب والإنسان.

ورابعاً وأخيراً، أن نعيد النظر في منظومتنا الفكرية والسياسية وحتى عاداتنا كما قلت سابقاً، وأن نجفف منابع الإرهاب بحيث لا نجعل من الآخر كافراً، ملحداً، زنديقاً.. وكوردياً متمرداً. ولنجعل من منطقتنا أو نحاول على أقل تقدير لا أن تكون واحة أو فردوساً بل جغرافية سياسية – اجتماعية تتسع الجميع دون نصب أعواد المشانق وقبور جماعية وجينوسايدات بحيث تجعل “ثقافة الخوف” هي الوحيدة القابلة للحياة في المنطقة.

وقبل الختام أضم صوتي إلى كل الأصوات والتي نادت وتنادي بترتيب البيت الكوردي وتوحيد الإدارتين في الإقليم وجعل السيادة للقانون والدستور وأن يكون الولاء للوطن وليس للحزب أو الدين والعشيرة وأن تكون المرجعية الدستورية والقانونية برلمان كوردستان وأن لا نعيد تجربة دول المنطقة بأن يسود حزب أو فئة أو طائفة أو رمز بحيث نجعل منهم قدس الأقداس لا يجرؤ أحد نقدهم أو الخوض في نقاشات حول تجربتهم وهنا يستدعينا أن نطالب بأن تكون السلطة الرابعة غير خاضعة لأية جهة حزبية أو حتى لمؤسسات الدولة لتكون لها القدرة على الحركة والنقد والمراجعة، وبالتالي نجعل من بلداننا ودولنا، دول المؤسسات والدساتير وتكون هي التي تحدد علاقة الدولة بالمواطن والمواطن بالدولة ويرسم سياساتها على تلك الأسس والدساتير والقوانين، وليس على مصداقية ووطنية هذا القائد أو ذاك ويكون المرجعية الوحيدة بحيث نجعل منه إلهاً جديداً يقرر مصير البلاد والعباد ويجعل من ربيع بلداننا خريفاً جافاً.

وحسب قناعاتنا إن هذه المسائل لن تتحقق إلا في ظل دولة القانون والمؤسسات، كما قلنا, وإقامة مجتمعات مدنية ولكن ليس على غرار بعض دعاة المجتمع المدني كما في سوريا بحيث ننكر على الآخر حتى حق الوجود والمشاركة كما كان قد صيغ بيانهم التأسيسي وكما نفهم من هذه المقولة للدكتور عبد الرزاق عيد رغم كل الاحترام له ولجهوده وكتاباته، حيث يقول في إحدى مقالاته والتي يدافع فيها عن الدكتور عارف دليلة، إن “سوريا قلب بلاد الشام وحاملة المسؤولية التاريخية والحضارية والثقافية لعروبة هذه البلاد”. وهكذا وبجرة قلم يقصي ويلغي الوجود الكوردي في سوريا عندما يدعي بوحدانية الصبغة العروبية لسوريا على الرغم من معايشته اليومية مع الحقيقة الكوردية وحتى على مستوى العلاقة الشخصية وهو الماركسي – اليساري ومن دعاة المجتمع المدني بل من الذين صاغوا البيان التأسيسي، فكيف الحال والذين تشبعوا بالفكر القومجي والبعثي وكيف سيكون موقفهم من قضايا الشعب الكوردي ناهيك عن موقف السلطة والأجهزة القمعية والاستبدادية، حيث كان تجربة شعبنا في آذار الماضي “خير” دليل على عقليتهم الشوفينية والاستبدادية.

وفي الختام لا يسعنا إلا أن نقدم الشكر لكل القيمين على إقامة هذا (الملتقى الثقافي-الفكري)* وبالأخص جمعية الصداقة الكوردية-العربية وحكومة إقليم كوردستان, لجهودهم ومسعاهم في التقارب بين الأنا والآخر، بين شعوب منطقتنا بحيث نمهد لواقع ثقافي-حضاري يتسع للجميع لأن يقولوا كلمتهم وذلك مهما اختلفنا معهم.

…………………………………………………………………………………

بدعوة من جمعية الصداقة الكوردية-الفلسطينية والتي يرأسها الأستاذ صلاح بدر الدين وبرعاية من الرئيس مسعود بارزاني أقيم في هولير ملتقى الحوار الكوردي-العربي وكان لنا شرف الحضور والمشاركة.

عيوب الخشب

القومجيون من أنور بيجو إلى فيصل قاسم

يدخل المرء أحيناً في سجالات مع الآخرين وذلك دون أن يخطط لذلك وها إنني أجد نفسي في موقف مماثل في الرد على السيدين أنور بيجو وفيصل قاسم، حيث لم أعلم إنني باشتراكي في نشرة سورية الغد أمهد لهذا الشيء وإنني قد فتحت على ذاتي كوات عدة، لا أقول إنني بغنى عنها ولكن أقل ما يقال فيها إنها تستفذك في أكثر الأحيان عندما تجد من يريد أن يطمس الحقائق أو يلوي عنقها لتكون حسب أهوائهم ومقاساتهم، وهذا ما تلمسناه لدى كل من المذكورين في مقالين لهما على نشرة سورية الغد، وذلك في العدد 27 تشرين الثاني لعام 2005 بعنوان “التأسيس… المضحك المبكي…!!” و “لماذا وحدتهم الوطنية مقدسة ووحدتنا مدنسة” وذلك على التتابع لكل من السيدين.

ما يلفت الانتباه هو محاولة بعض المثقفين والسياسيين العرب والمحسوبون على التيارات الثلاث، القوميون والإسلاميون التكفيريون وأخيراً بقايا التيار الماركسي اللينيني، وحتى لا يمسك علينا بواحدة ويقال: ألست من هذا التيار الأخير وأنت تنعتهم بهذه الصفات، فنقول: بلى ولكن نجاهد بأن لا نكون من التيار الستاليني ذات الفكر الواحد والحزب القائد والزعيم الخالد، بل نحاول أن نقرأ الواقع على ضوء معطيات اليوم وما يرافقها من تغيرات على كافة الأصعدة، والكف عن لغة التكلس، ولم نقل اللغة الخشبية كي لا يتحسس السيد أنور بيجو، مع أن للخشب عيوب كثيرة كما أن له فوائد عدة ولكن عليك أن تعرف كيف تستخدمه، نعم.. إن ما يلفت الانتباه في هؤلاء إنهم يتخندقون خلف متاريسهم الأيدولوجية ويحاولون أن يروا العالم من خلال مناظيرهم فقط.

نبدأ مع السيد أنور بيجو ومقاله (التأسيس… المضحك المبكي..!!) ما يلفت الانتباه هي تلك اللغة التهكمية الشتائمية وهي من المآخذ عليه وهو الذي عنون مقاله باسم التأسيس، فالذي يود أن يؤسس لأمر ما عليه أن يتحلى بأخلاق سمحة وأن يكون صدره واسع للجميع وأن يتقبل الآخر مهما كان هذا الآخر يخالفنا في الرأي والقناعات وإلا فإن كل منا يتخندق في موقعه ويكيل التهم على الآخرين ونبقى ندور في دوامة العنف والتنكيل بالآخر. فهو يكتب في بداية مقاله: ” والتأسيس عملية معروفة أنها ( الخطوة الأولى ) في قيام أي شأن ، وحين تكون هذه الخطوة ، هي الأولى في عملية بناء ، فإن المهندس يخرج مع صاحب المشروع إلى موقع المشروع ليتفقّد الأرض ومدى صلاحيتها للتأسيس ، وغالباً ما يكون الطلب إلى صاحب المشروع أن يجرّف الطبقة العليا من الأرض، لأنها غير صالحة للتأسيس ، وتستمر عملية الجرف حتّى الوصول إلى طبقة تربة قادرة على تحمل أوزان البناء المزمع إنشاؤه . وفي الغالب ، أيضاً ، ما تكون قطعة الأرض هذه مكبّ نفايات للجيران والحي القريب منها ، مما يستدعي عملية إضافية أيضاً ، وهي إزالة هذه النفايات”.

نحن نسأل: هل يمكن التعامل مع هذا الخطاب الذي يصف الآخر المغاير بالنفايات مع أنه لم يتكرم علينا بتوضيح من هو الذي وصفه بالنفايات، ولكن عندما نتقدم خطوات أخرى مع المقال تتوضح لنا الصورة تماماً، وذلك عندما يكتب ويصف كل من شارك في مؤتمر الوفاق الوطني العراقي بـ” فسيفساء النفايات” ، أي كل من له صلة بالعملية السياسية الجارية في العراق، وهكذا لا يبقى في العراق غير البعثيين والزرقاويين الذين لا ينتمون إلى “فسيفساء نفايات” السيد أنور. لسنا هنا بصدد الدفاع عن المعارضة العراقية بكوردها وعربها فلهم أقلامهم وأبواقهم وهم أدرى بما لديهم، ولكن نسأل الأخ أنور ألا تعتقد أنك تدافع عن طاغية حكمت العراق لأكثر من ربع قرن بقوة الحديد والنار وأنك تحكم على أكثر من سبعون بالمائة من الشعب العراقي على أنهم فسيفساء من النفايات، كونهم هم الذين أوصلوا هذه “الطبقة العليا” إلى سدة الحكم وأعطوهم زمام الأمور. ثم ما هو الخطأ في أن يكون العراق ” عربي / كردي / تركماني / آثوري / كلداني / صابئي / سنّي / شيعي / مسيحي / عشائري / قبلي ……..”. أم تريده عراق عربي اللسان والهوية وليمت الحاسدون في “كيدهم” وذلك على الطريقة الصدامية. أليس العراق كان ولا زال هكذا عبارة عن فسيفساء من الأعراق والطوائف والأديان والمذاهب، وما الضرر في ذلك، أم يجب أن يكون هناك عرق واحد وثقافة واحدة وحزب واحد وزعيم أوحد على شاكلة آلهة الأديان السماوية والأرضية.

إذا كنا نأخذ هذه المآخذ على الأستاذ أنور فعلينا أن نعترف بأنه كان يؤسس ببراعة لهذه الخاتمة لمقاله عندما يطرح علينا مجموعة أسئلة أو بالأحرى على المعارضة السورية بشقها العربي ودون أن ينسى أن يحمل تلك الأسئلة مجموعة أفكار ومدلولات وأن يحذرها من “الألغام” التي تزرع في طريقها فهو يكتب: “هل يمكن للشعب السوري في الشام ، أن يتصور مشهداً مماثلاً ( لمندوبي ) طوائفه ومذاهبه وعشائره وقومياته ……. هل نحن كذلك أو يمكن أن نكون كذلك ؟؟؟ هل يدرك الشعب السوري في الشام ، أن ألغاماً كثيرة قد زُرعت في طريقه، وأن ألغاماً كثيرة ستُزرع، فهل سيفوّت الوقت أيضاً وأيضاً حتى يدخلَ حقل الألغام الجهنميّ ؟؟”

أولاً علينا أن نشكر الأخ أنور أنه يقر بأن سورية متعددة المذاهب والطوائف والقوميات، مع العلم، أنه يعود ويستدرك هذه “الهفوة” عندما يتسائل باستفهام: ” هل نحن كذلك أو يمكن أن نكون كذلك ؟؟؟” وكأن سوريا ليس ببلد متعدد القوميات ولأعراق والطوائف والأديان. وإن كان من حسنات هذا العصر إنه حقق لمجموعة “الأقليات”، في الشرق، حق الوجود والاعتراف بها على عكس ما كان سائداً في القرون الماضية ولكن ما يؤخذ على الأستاذ أنور، كما هي صفة كل من يحمل الفكر العقائدي الواحد الأحد، أنه لا يتقبل وجود الآخر على قدر المساواة، فهو وإن كان يقر بالوجود الطبيعي البيولوجي لهذه “الأقليات”، الكورد مثلاً، فإنه يستنكر عليهم مسألة التمثيل السيادي ويجد إن هذه المسألة كبيرة عليهم، فهو لا يتقبل حتى فكرة مندوبين عنهم في المحادثات والمشاورات التي ربما ستجرى في المستقبل، فأي عقلية إقصائية هذه وكيف يمكن التعايش معاً تحت سقف واحد وضمن بلدٍ واحد.

وأخيراً نقول له: لا يا “سيدي” هذه ليست بالغام زرعت في طريقكم ولن يزرع أحد ألغام أخرى في طريقكم، بل هي قضايا ومسائل سياسية شائكة لم تحل على مدى عقود وعقود ومنذ استقلال بلداننا وهي بحاجة إلى وقفة جدية مع الذات والواقع لكي نأخذ العبر والدروس ونتمكن معاً من إيجاد الحلول لمجموعة القضايا هذه، وإلا فسوف تدوم وتدوم دوامة العنف في الشرق، كما ذكرنا سابقاً، وسوف تكون هناك المزيد والمزيد من الضحايا ومن الجانبين وهذا ما لا نريده لأحد مهما أختلف معنا في رأيه وقناعاته. أما إذا أردت أن تبقى على لغة الألغام فنحن بدورنا نقول لك: بأنك أنت من أتيت إلى حقل الألغام برجليك, ولسنا نحن من زرع الألغام في طريقك وفهمك للمسألة كفاية.

أم الأستاذ فيصل قاسم يبدأ مقاله بسرد قصة الوزيرة البريطانية، التي أرادت أن تبين لجمهور من الأصدقاء والصحفيين، كم هي سمجة وذات ظل خفيف، فتلقي عليهم نكتة سخيفة عن الباكستانيين، فتتلقفها الصحافة البريطانية وأخيراً تفقد الوزيرة منصبها بسبب ذلك. ويضيف أيضاً بأن (للحكومة البريطانية وغيرها من الدول الأوروبية قوانين صارمة جداً لمكافحة العنصرية والطائفية والتحزب العرقي والديني، بحيث غدا النيل من الأعراق والطوائف والإثنيات والديانات في البلاد جريمة يُعاقب مرتكبها عقاباً أليما”). دون أن ينسى على التأكيد بأن هذه الحكومات لم تلتزم بقوانينها ودساتيرها (إن التفرقة العنصرية ما زالت متفشية في الغرب بطريقة بشعة).

وهكذا نفهم ومن خلال سياق المقال بأن ذاك ليس أفضل من هذا وأن حالهم كحالنا وأن “كلنا في الهوى سوى” وبالتالي يحاول أن يؤسس، على الأقل هكذا فهمت أنا، لفكرة أن الغرب بما تعنيه من حريات وقوانين تنبنا عليها حقوق الأفراد والمجتمعات ومسائل الأقليات وما تقوم بها مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني من دور في هذه المسائل العالقة، ليس بأكثر من زوبعة إعلامية، ينساها الجمهور مع انتهاء احتسائهم لفنجان قهوتهم. وهو لا يكتفي بهذا فقط وإنما يتلاعب بالألفاظ، وحتى نكون منصفين نقول: إن هذه صفة كل من يشتغل على الكلمة وليست خاصية فيصل قاسم وحده، فهو يكتب: ( لكن الأكيد في الموضوع أن الشحن الطائفي والعرقي والإثني والمناطقي والديني ممنوع منعاً باتاً في الغرب وأن أي محاولة لشق الصف الوطني أو إضعاف التلاحم الاجتماعي جريمة لا تغتفر في الأقاليم الغربية. إن الوحدة الوطنية في أوروبا وأمريكا شيء مقدس والويل كل الويل لمن يحاول التلاعب بها). وهكذا يفهم من المقال بأن كل نشاط قائم على هذه الخصوصيات في الغرب تعتبر جرائم لا تغتفر وهي بمثابة “الخيانة الوطنية”.

أولاً لنتفق ما هو الوطن، هل هو الخريطة المدرسية والتي كانت تعلق في صدر السبورة مع دخول أستاذ الجغرافية إلى الصف، أم هو مجموعة المساحات الشاسعة من الأراضي والوديان والتلال والكثبان الرملية وما يعرف بالمياه الإقليمية وإلى ما هنالك من التضاريس والتعاريف الجغرافية، أم هو مجوع الناس والأعراق والطوائف والاقليات التي تتعايش ضمن هذه الجغرافية، أم هو جملة القوانين والدساتير والأعراف التي تتحكم في سيرورة حياة هذه الجموع البشرية، أم هو… . لعل الوطن هو مجموع كل هذه الأشياء وذاك.

ولكن وحسب فهمنا للوطن، هو ذاك الشيء الذي يحقق لي الكرامة الإنسانية، نعم يا “سيدي”، إننا في هذا الشرق الموبوء بالكراهية بحاجة إلى أوطان حقيقية، تحقق لنا العيش اللائق بكرامة البشر دون الخوف أن نقتل أو نعتقل على الهوية، ودعك من تلك المفاهيم النخبوية والتي استهلكت في أفواه النخب السياسية والثقافية، والدعوة إلى وطن قومي للعرب يضمهم من المحيط إلى الخليج ووطناً لبني إسرائيل من الفرات إلى النيل، وآخر باسم كوردستان، والتي هي غير معرفة حتى إلى الويندوز العربي، ناهيك عن الشعب العربي والإعلامي “المشاكس” فيصل قاسم، “بتنا نسمع عن كردستان العراق” هكذا يستفسر السيد فيصل قاسم وكأن كوردستان كان مارداً مخبأً في قمقم علي بابا وخرج في رمش عين ليفاجأ فيصل قاسم.

ثم هل نفهم أن تلك المقدمة عن الغرب ودجلها وريائها في مسائل الحريات وحقوق الإنسان، كان تأسيساً ومدخلاً للدفاع عن الأنظمة في الشرق المستبد، ولم نقل الأنظمة العربية أو الإسلامية المستبدة، لكي لا نجعلها خاصية شعب أو أمة بذاتها دون سواها في الشرق الغارق في تاريخ من الاستبداد والطغيان. بالتأكيد نحن لا نريد أن نبرأ الغرب تماماً، لا من ما كان لهم من دور في حماية هذه الأنظمة المستبدة بشعوبها ولا من ممارساتها من استبداد تجاه بعضها البعض أو ضد الشعوب المغلوبة على أمرها، ولكن من الإنصاف والحكمة أن نقر ونعترف بأن الغرب قد قطعت أشواطاً بعيدة في جعل بلدانهم ودولهم دول مؤسسات وليس مزارع وملكيات خاصة لهذا القائد والزعيم أو لذاك الشيخ القبلي-العشائري. فمن يعود إلى مقال السيد فيصل قاسم يتأكد مما توصلنا إليه بل هو يقول دون مواربة أو حتى أن يرمش له جفن “لكن في الوقت الذي تحافظ فيه الدول الغربية على نسيجها الوطني واللحمة الداخلية وتحميهما من التفكك بضراوة عز نظيرها نجد أن التلاعب بالوحدة الوطنية في العالم العربي أسهل من شرب الماء. فقد قام الغزو الأمريكي والبريطاني للعراق في المقام الأول على سياسة “فرق تسد” التي كما هو واضح حولت العراق إلى ملل ونحل وطوائف ومافيات متصارعة ومتناحرة بعد أن كان العراق يفخر بأنه لم يعرف التمييز بين عرق وآخر أو طائفة وأخرى على مدى أكثر من ثمانين عاماً. وبينما ترفض أمريكا رفضاً قاطعاً السماح لأي إقليم بالانفصال عن المركز نرى أن واشنطن ولندن لا هم لهما سوى تشجيع مكونات الشعب العراقي على الانفصال والتشرذم بحجة الفدرلة حتى بتنا نسمع عن كردستان العراق والإقليم الشيعي والمثلث السني وغيرها من التسميات الانفصالية البغيضة”.

يقولون بالكوردي “شاباش” وها نحنا بدورنا نقول للأخ فيصل شاباش على هذه القراءة للواقع السكاني والجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط وأيضاً لهذه الرؤية القومجية وليست القومية، فمن وجهة نظره قامت القوات الأمريكية والبريطانية بتفكيك الشرق (العراق أنموذجاً) “إلى ملل ونحل وطوائف ومافيات متصارعة ومتناحرة” وكأن العراق لم يكن كذلك وهو الذي يقول ويؤكد على ذلك، عندما يبرأ الأنظمة العراقية المتعاقبة من الملكية الدستورية إلى الجمهورية البعثية الصدامية، من كل ذاك التاريخ الدموي الإجرامي وبجرة قلم منه وكأن ذاكرة الشعوب من غبار تطمس المعالم والمقابر والأنفال في لحظة نسيان أو غفوة بشرية وذلك عندما يقول: “كان العراق يفخر بأنه لم يعرف التمييز بين عرق وآخر أو طائفة وأخرى على مدى أكثر من ثمانين عاماً”. أي تناقض وأي غبن وإجحافاً بحق التاريخ والشعوب والعوائل العراقية ولا أقول فقط الكوردية أو الشيعية، الذين قضوا نحبهم في الزنازين والمقابر الجماعية إن كان في الأنفال وحلبجة أو في انتفاضة الجنوب، بل وكأن العراق لم تعرف كل تلك الحروب الطاحنة بين الملل والنحل الإسلامية ومن قتل “أهل البيت”، ناهيك عن المعارك والويلات وسياسة الأرض المحروقة والتي كان الطاغية صدام حسين والطغمة المستبدة يشنونها على الكورد وكوردستان العراق بحيث أحرقوا الأخضر واليابس ونادراً ما كنا نسمع صوت إعلامي كفيصل قاسم ينقل لنا الخبر وليس للدفاع عن هذا الشعب المغلوب على أمره.

يا “سيدي” إن كانت “التسميات” من نوع “إقليم كوردستان أو فدرالية الجنوب أو المثلث السني” هي من “التسميات البغيضة” على مسامعكم فهل تدخل المسميات من نوع الوطن العربي وبترول العرب للعرب والجامعة العربية وإلى ما هنالك من المسميات التي تؤكد على الخصوصية العربية ضمن هذه “التسميات البغيضة” إليكم أم هذه من “المقدسات” والتابوات المحرمة و”المنزهة” عندكم. فواحدة بواحدة إما كل منا يؤكد على خصوصيته القومية الإثنية والطائفية الدينية أو يكون الوطن للجميع والدين لله والقومية للبشر، بما معناه سوريا هو وطن السوريين مهما كانت قبائلهم، قومياتهم، دينهم ومذهبهم وتلونهم السياسي ومن حق الجميع أن يمارس كل خصوصياته، كما في الغرب، ويكفل الدستور السوري ذلك دون اضطهاد وإجحاف.

وبالتالي فإما سوريا ليست ذات هوية عربية فقط، كما يحلوا لبعض القومجيين السوريين، أن يعرفوا سوريا جغرافية وسكاناً أو يقوم كل منا بممارسة حقه في الوجود والدفاع والتقوقع حول هذه الخصوصيات والانغلاق على الذات، وفي وقت نحن بأحوج ما نكون إلى الانفتاح على الآخر وإقامة تكتلات اقتصادية-اجتماعية على غرار الاتحاد الأوربي، ولن نقول الشرق الأوسط الكبير حتى لا يتحسس القوميين العرب ومنهم فيصل قاسم. إذاً أعطيني وطناً حقيقياً لأعطيك الخصوصية التي لا تجعل منا ملل ونحل متناحرة ومتصارعة على كل شيء.

قضايا وإعترافات

بداية أود أن أشكر الأخ أنور بيجو وذلك لأسباب عدة: أولاً لجرأته على الاعتراف بالخطأ وهذه من باب الفضيلة والأخلاق الحميدة وثانياً لملاحظته الدقيقة [وما لفت انتباهي جداً جداً ، في الفقرة الثانية من مقال ( الردّ ) للأستاذ بير رستم ، والتي تبدأ بـ (( ما يلفت الانتباه هو محاولة بعض المثقفين والسياسيين العرب و [ المحسوبون ] على التيارات …….. )) …. إلى نهاية الفقرة ، ما لفت انتباهي : هو أن الأستاذ رستم يبدو أنه بعد الاستطراد الطويل ، أضاع الفكرة ، فنسي أن يذكر ( ما يلفت الانتباه ) ، ونسيَ أيضاً أن يذكر ما هي (محاولة بعض المثقفين والسياسيين …) ولا زلنا لا نعرف ما الذي يحاوله ( هؤلاء )]. فهو محق تماماً في ملاحظته هذه؛ لقد “نسينا” أن نذكر بالفكرة وإذا كانت تهمه فها هي؛ ” إن ما يلفت الانتباه في هؤلاء إنهم يتخندقون خلف متاريسهم الأيديولوجية ويحاولون أن يروا العالم من خلال مناظيرهم فقط”. أما السبب الثالث الذي دفعنا إلى أن نشكر الأخ أنور ونقوم بالرد عليه، فهو قراءته لمقالنا “عيوب الخشب” وتكفله بالرد الموضوعي والهادئ وأخيراً وليس آخراً لنقوم بتوضيح بعض النقاط والتي يمكن أن تكون موضع لبس وجدال ولن نقول خلاف و”معاداة”، لا على الصعيد الفردي؛ (أنا وهو) ولا على الصعيد العرقي الأثني؛ (عربي كوردي) وإنما هي أفكار تطرح للنقاش.

مقولة أو قول (قومي وقومجي) لها دلالات معينة ولسنا هنا بصدد توضيحهما وإنما كان المقصد والغاية منهما أن نوضح للقارئ بأن بعض المثقفين العرب قد غالوا في فكرهم القومي وبالتالي انتقلوا من صفوف التيارات القومية كفكر وأيديولوجيا والتي هي من “حقائق” الواقع والأمور والتكوينات والمصطلحات الاجتماعية-السياسية، إلى “مراتب” أكثر عنصرية؛ أي بمعنى أكثر مغالاة بقوميتهم وعلى حساب بقية التكوينات الاجتماعية الأخرى. هذا ما كان المقصود من مفهوم “القومجية” وليس السب والشتم، كما توهم الأستاذ أنور عندما كتب في رده؛ ” أعتقد أن من يؤمن بالمبدأ القومي والسيادة القومية ، يسمى ( قومي ) وليس ( قومجي ) ، ولا أعرف حقيقة ، أنك حين توصف بـ ( قومجي ) ، فهل هذا من باب الاعتراف والقبول بأنني الآخر ، الآخر المحترم ، أم هو عدم قبول واعتراف وعدم احترام للآخر وما يراه هذا الآخر ؟؟ هل هو من باب التحلي بـ ( الأخلاق السمحة ) أم هو تهكم وشتيمة ؟؟ أم هو استخدامُ ( قوميٍّ ) بريءٍ ليس من الخشب فحسب ، بل من الكلس والخشب وغيرها …. ؟؟ !!”. لا يا “سيدي” لم يكن القصد هو “عدم احترام للآخر وما يراه هذا الآخر” وإلا فسوف نكون من الموصفون بها وهذا ما لا نريده لأنفسنا ولا ما نتمناه لغيرنا.

وحتى لا يكون مقالنا هذا فقط للمجاملة والرد والرد المعاكس، سنحاول أن نبحث في بعض القضايا والتي نعتبرها جوهر الخلاف؛ (بالمعنى الفكري الجدلي للوصول إلى “حقائق” وحلول نتفق عليها) والتي طرحها الأخ الأستاذ أنور في مقال (رده) والمعنون بـ ” على رؤوس الأشهاد ….. أنـــــا سوري قـــومـــي اجتماعيّ”، وبالمناسبة كلنا سوريين ونفتخر بسوريتنا ولكن نريدها وطناً تحقق الحرية والكرامة للجميع وليس مزرعة خاصة أو أن تكون حسب المفهوم “القومجي العروبي” لبعض المغالين من الأخوة العرب، بأن سورية العرب للعرب فقط. نعم.. إننا سنحاول أن نناقش بعض هذه القضايا وبقصد وضع النقاط على الحروف وإبداء وجهة نظر مغايرة، لا تدعي احتكار “الحقيقة” لنفسها، ونبدأها من مفهومي القناعة والحقيقة بالذات.

يكتب الأستاذ أنور في سياق مقاله؛ ” إننا ندّعي أننا نملك قناعة ، وهذه القناعة نعتقد بقوة ، وبوضوح تام ، ودون استخدام للّغّة المخاتلة ، أنها تعبّر عن الحقيقة”. هنا وباعتقادنا يكمن جوهر الخلاف بيننا؛ بين عقليتين ومنظومتين فكريتين مختلفتين ولن نقول متصارعتين؛ لأننا لسنا من دعاة نفي وقتل الآخر، مهما كان هذا الآخر مختلفاً معنا أو على النقيض تماماً لقناعاتنا وآرائنا. سوف نوضح الفكرة أكثر؛ إن الأخ أنور يرى ويجعل من قناعاته حقائق بالمطلق، ” إن ما نراه صواباً ، هو بالنسبة لنا هو مطلق الصواب” هذا ما يقوله في رده علينا. بداية نقول له أننا نحسده على يقينيته هذه، “الشك والبلبلة لا تحددان اتجاهاً ، بل تضيّعان الاتجاهات” هو هكذا يرى الشك بأنها تخلق البلبلة وتتيه البوصلة بحيث يفقد المرء القدرة على تحديد الاتجاه الصحيح والوصول إلى الهدف المنشود، “بل لا يمكن أن يطرح الأسئلة الجوهرية في الحياة”.

هو إذاً يرفض مبدأ الشك أو على الأقل يجدها أنها تسبب البلبلة والفوضى، وهذه إحدى ركائز الفكر العقائدي الديني؛ حيث (لا شك مع الإيمان) وإلا فهو خارج على الجماعة وزنديق ومن أصحاب البدع. وإننا في مقال سابق لنا؛ “العقلية الهروبية” والمنشور في نشرة سورية الغد، العدد 21 كانون الثاني 2006 قد تطرقنا لهذه الإشكالية في الفكر الشرقي وتحديداً الفكر الإسلامي العروبي؛ وهذه قريبة إلى القومجي، وها نؤكد هنا مرة أخرى، على أن هذه العقلية تنطلق من امتلاكها، وحدها، الحقيقة كاملة وما الآخر إلا كافراً، ملحداً وعدواً، لا مجال للحوار معهم ولا سبيل أمامهم إلا الإيمان والعودة إلى الطريق الصحيح الواحد الأحد أو القتال والموت، دون أن يكون هناك إمكانية التعايش على مبدأي الاختلاف والمساواة، وللحقيقة نقول أن هذه ليست خاصية بالفكر الإسلامي العروبي وحده وإنما هي مبدأ ومنطلق فكري عقائدي لكل المنظومات والأيديولوجيات الفكرية ذات الخاصية الشمولية من ديني مذهبي وعرقي أثني إلى فكري أيديولوجي.

النقطة الثانية والتي نريد أن نطرحها للنقاش هي مفهوم “الحقيقة” وإدراكنا لها ومعرفتنا بها وبمدلولاتها، وسوف نبدأ من تعريف الأخ أنور لها، فهو يكتب في رده علينا، “الحقيقة هي شأن طبيعي منطقي ، سنًته وتسنّه قوانين هذا العالم بأسره ، وقوانين الطبيعة والحياة ، وذلك منذ ما قبل التاريخ الجليّ وحتى اللحظة الراهنة . أعتقد أن الحقيقة ليست اختراعاً بشرياً أو إلهياً ، الحقيقة شأن طبيعي ، فإمّا أن نجتهد فنتعرف على قوانين الطبيعة أكثر ، فنقترب من الحقيقة أكثر ، أو نتجاهل هذه القوانين ، فتصير الحقيقة في وادٍ ونحن في واد”. نلاحظ في تعريفه للحقيقة بأن الإنسان كائناً منفعلاً وليس فاعلاً فـ”الحقيقة شأن طبيعي”، إذاً لا شأن لبني البشر في تكوين هذه “الحقائق” وصياغتها، فنحن هنا أمام الوجه الآخر للفكر الغيبي، فإما أن نكون لاهوتيين ونقول كل “الحقائق” نزلت في اللوح المحفوظ أو نكون ماديين فالمادة هي التي تسيرنا، وهذه لا تختلف عن الأخرى، فالاثنان يجعلان منا أدوات و”فئران اختبار”. وبالتالي فنحن محكومون بهذه الثنائية التي تجعل منا كائنات إتكالية لا حول ولا قوة لها وكل شيئ مقدر إما من إله أو من المادة.

إننا ومن خلال هذا الرد وحتى لا ندخل مرة أخرى في متاهات اللغة وننسى أن نقول ما نريد، نريد أن نؤكد على بعض القناعات، وها نحن هنا نؤكد للأخ أنور بأن لدينا أيضاً قناعات، ولكن لا نعتبرها “حقائق أبدية” ولا نعترف بالأساس بأن هناك “حقائق أبدية”؛ فما هو “حقيقي” اليوم ويعتبر من “المقدسات”، هذه أيضاً من التوهمات الفكرية للبشر، نعم.. إن ما يعتبر اليوم من “الحقائق” قد تجدها بالأمس أو الغد من المحرمات والممنوعات والتوهمات الفكرية لدى البشر ونستطيع أن نضرب بأكثر من مثال هنا، ولكننا سنكتفي هنا بواحدة فقط، ألا وهو مفهوم الوطن والذي هو اليوم مثار أكثر النقاشات ومنه حوارنا هذا. إن ما يعتبر اليوم من “الحقائق” بل “المقدسات” في الفكر البشري المعاصر؛ هو مفهوم الوطن والذي أجمعت عليها كل الأديان والأيديولوجيات والنظريات الراهنة على أنه من “الحقائق” وتعتبر الخيانة الوطنية من أولى وأكبر الخيانات وأعظمها وعقوبتها الإعدام حتى من دون محاكمات. فنحن نسأل هنا؛ هل كان مفهومنا للوطن منذ الأزل هكذا وهل سيبقى كذلك إلى أبد الآبدين، بل هل كان للإنسان البدائي من أوطان بالأساس حتى تكون من “الحقائق” ناهيك على أنه مقدس أو غير ذلك، إذاً فـ”الحقائق” هي الأخرى غير ثابتة ومدلولها يتغير مع سيرورة الزمن وتقدم الفكر البشري، بما معناه؛ فـ”الحقائق” هي الأخرى غير “حقيقية”، وذلك إن جاز التعبير.

المسألة الأخرى والتي نود أن نطرحها للنقاش هو مفهومي اليقين والشك، حيث يربط الأخ أنور بين مفاهيم الشك والبلبلة والضياع ويضعها في نسق فكري واحد؛ بما معناه أن الشك لا توصلك إلى نتيجة، ليس هذا فقط وإنما هي تشتت أفكارنا وتجعلنا نضيع بينها ويعتبر أن من يمتلك قناعة وهي “بالمطلق حقائق يقينية”، هو الذي يستطيع أن “يطرح الأسئلة الجوهرية في الحياة” أما الآخر، صاحب الشكوك، فهو ضائع ولن يصل إلى الهدف وإن طرح مجموعة أسئلة وقضايا فليس إلا لكي يـ”ستفزّ ( ز ) بها الآخر” لا أكثر. وهكذا نجد إنه ينطلق مرة أخرى من قناعاته والتي يعتبرها حقائق بالمطلق، وبالتالي ما عليك إلا أن تقبلها أو ترفضها دفعة واحدة دون أن يترك لك خياراً ثالثاً، ولكن ومع ذلك نحاول من جديد أن نعود إلى منطق ومناطقية النقاش والرأي والرأي الآخر، دون أن نصادر آراء أحد أو نطلق الأحكام عليهم أو نجعل التوافق معنا شرطاً للمشاركة والمواطنة، “قناعتي الأكيدة ، هي البحث عمّا يجمع ، ونبذ كل ما يفرق ويستفزّ”. لكن نستطيع أن نقول، وبما أنه من أصحاب الفكر الحقائقي، بأن من “الحقائق” الأولية في الفكر المعاصر؛ أن الشك هو الذي يدفعنا باتجاه البحث عن قضايا إشكالية وليس الفكر اليقيني المطمئن إلى “حقائق” الكون، وذلك بشقيه المادي واللاهوتي؛ حيث هو فكر مستقر راكد بعكس الفكر الشكي القلق والذي يبحث عن إجابات جديدة غير راكدة في بطون كتب صفراوية “مقدسة”.

وأخيراً لا بد من كلمة نهمس بها للأخ أنور؛ إننا لم نقصد بقولنا: أهذه من “الأخلاق السمحة” بأن نمس بكرامتكم أو شخصكم، لا أبداً، فهذه ليست من أخلاقنا وإن كنتم لامستم شيئاً من هذا القبيل فإننا نعتذر للمرة الثانية. أما مسألة الوطن والمواطنة السورية وذلك عندما كتبنا في ردنا على مقال للأخ فيصل قاسم بأننا نجد “.. بما معناه سوريا هو وطن السوريين مهما كانت قبائلهم، قومياتهم، دينهم ومذهبهم وتلونهم السياسي ومن حق الجميع أن يمارس كل خصوصياته”. فليس بمعنى أن نفتت سوريا إلى دويلات كما ألتبس عليك الأمر وإنما كان القصد منها أن نؤكد على هذا التنوع الفسيفسائي للمجتمع السوري دون أن نصهرهم في هوية أو خصوصية ذات لون وطعم ورائحة واحدة؛ “أريد خصوصية تجمعني بك”، وذلك كأن تجمع كل “نجوم السماء في قمر واحد ليأخذ نصف مساحة السماء” كما يقول رسول حمزاتوف في رائعته “داغستان بلدي”، فهذه “الخصوصية هو إلغاء للآخر والإلغاء هو إلغاء إن كان حباً وهياماً أو بغضاً وكراهية، ولأننا لا نخاف من التنوع والاختلاف فنحن نؤكد مرة أخرى على سوريا المتعددة الهويات.

وآخراً نرجو أن نكون وفقنا في إيضاح بعض النقاط المبهمة ونكون بالتالي ألقينا الضوء على جوانب مظلمة لبعض المفاهيم الإشكالية عندنا، على الأقل.

الغل القومي وإعماء البصيرة

“الجزيرة السورية لم تكن يوماً أرضاً كردية” هكذا يعنون الأستاذ كميل سهدو مقاله المنشور –أو الذي ينشره الأخ السوري أورنامو- في نشرة كلنا شركاء عدد 27 شباط 2006 ولنبدأ من العنوان أولاً وهو الذي يدعو إلى الحقيقة والمحبة فنقول له: إنك بدأت بداية سيئة ومناقضة تماماً لما تدعو له يا أخ أورنامو؛ “لا نبغي تشويه سمعة أي طرف بل نشر الحقيقة كما هي خدمة لوطننا السوري من خلال سحب البساط من تحت اقدام المتطرفين لكي تسود ثقافة المحبة ما بين السوريين في الجزيرة ونقصد بالسوريين عموم الفئات (العربية – السريانية – الكردية – الارمنية – اليزيدية)”.

أولاً: إنك تنكر حقيقة واقع ديموغرافي لمنطقة الجزيرة؛ وبأن الأغلبية الساحقة فيها، من سري كانية “رأس العين” إلى ديريك، هم كورد ولا يمكن القفز على هذه الحقيقة وإنكارها إلا اللذي فقد بصيرته نتيجة غل قومي عنصري وهذه منافية لما تدعو إليه.

وثانياً: إنك لا تفرق بين الانتماء الأثني العرقي وانتماء الشخص إلى دين ومذهب؛ حيث إنك أدخلت الأيزيديون وهم جماعة دينية كوردية حصراً واعتبرتهم بمثابة أثنية عرقية مختلفة وهذه إما ناتجة عن جهل بهم وهذه تنفي عنك صفة الباحث وإما إنه ناتج وكما أسلفنا عن حقد شوفيني وهذه الأخرى تنفي الموضوعية عن دراستك.

وثالثاً: تبث روح العداء بين مكونات المنطقة وذلك عندما تدعي حقائق مزيفة وكمثال على ذلك عندما تكتب؛ “تنشر في عموم المواقع الانترنييتية والصحافة العربية معلومات مغلوطة عن تاريخ الجزيرة السورية، تمهيدا لفصل هذه المنطقة عن بلدنا سوريا وبالتالي فرض اللغة والثقافة الكردية على عموم السكان في شمال شرق وطننا كما حدث في شمال العراق”.

بدايةً نقول: ليس صحيحاً أن حكومة إقليم كوردستان قد فرضت اللغة الكوردية على عموم السكان في الإقليم وأي مراقب موضوعي عندما يقوم بزيارة الإقليم سوف يكتشف بأن كل المكونات العرقية تمارس حقوقها الثقافية؛ من التدريس باللغات القومية إلى نشر الصحف والمجلات وقنوات تلفزيونية.. والخ. وتأسيساً على هذه الفكرة المغلوطة والقائمة على إلغاء مفهومي العرق والجغرافية الكوردستانية فإنك لا تكتب كوردستان كدالة جيوسياسية وإنما تقول شمال العراق وهذه أيضاً تبين لنا مدى أفقك وأفق ثقافة المحبة والتي تدعو إليها وبالتالي وتأسياً على هذه العقلية الإلغائية فإنك تتهم الكورد بأنهم يمهدون “لفصل هذه المنطقة عن بلدنا سوريا وبالتالي فرض اللغة والثقافة الكردية على عموم السكان في شمال شرق وطننا”. وهذه العقلية لا تختلف بشيء عن العقلية التي تسود في محكمة أمن الدولة والتي بموجبها يحاكم الكورد على أساس إنهم يحاولون “اقتطاع جزء من سورية وإلحاقها بدولة أجنبية” دون أن يسموا تلك الدولة وذلك في زمن التكتلات الاقتصادية-الاجتماعية الكبرى.

والآن نأتي إلى المقال نفسه ولنقرأ ماذا يكتب الأستاذ كميل سهدو؛ “لو كان للأكراد تواجد في الجزيرة فلماذا لم يتركوا لنا أي اثر يجعلنا نغيير نحن وكل الأثريين والباحثين قناعتنا التاريخية…
الحكومة السورية لم تأخذ الأرض من الأكراد لتعطيها إلى العرب الغمر وإنما وزعت عليهم أراض من أملاك الدولة، التي تكونت بعد قانون الإصلاح الزراعي
كان السكان الأكراد الأكثر استفادة من قانون الإصلاح الزراعي حيث وزعت عليهم الدولة أراضي زراعية في مئات القرى التي كانت تعود ملكيتها أصلا إلى ملاكين عرب وسريان”. هناك حشو وانتقال سريع بين المواضيع كما إنه يحاول أن يجهز وبأسرع ما يمكن على الضحية كأي “جزار” -مع الاعتذار لاستخدامنا هذه المفردة- وذلك بإطلاقه رصاصات رحمة عدة وليس رصاصة رحمة كما هي معروفة في مثل هذه المواقف وسوف نقف عند رصاصاته الخلبية واحدة فواحدة.

إن الادعاء بأن الكورد لم يتركوا أي أثر في الجزيرة هو باطل بالأساس وتدحضه الواقع السكاني للجزيرة؛ حيث الأغلبية السكانية لمنطقة الجزيرة هم كورد -كما أسلفنا- وهذه أقوى وأكثر من تمسكه بالشواهد الأثرية مع العلم إن للكورد وكما لغيرها من شعوب المنطقة؛ الحضارات السريانية، الآرامية والأشورية وأيضاً الحضارة العربية-الإسلامية وكما لغيرهم شواهد وآثار في المنطقة وذلك حسب المراحل الزمنية وهيمنة هذه الشعوب والحضارات على منطقة الجزيرة –موضوع البحث- فأي باحث موضوعي لا يستطيع أن ينفي الحقائق وإننا نحيله في هذا الموضوع إلى الأبحاث والدراسات المتعلقة بالجزيرة ومنها أبحاث الدكتور فاروق إسماعيل.

ثاني هذه القضايا إنك تدعي بأن؛ “الحكومة السورية لم تأخذ الأرض من الأكراد لتعطيها إلى العرب الغمر وإنما وزعت عليهم أراض من أملاك الدولة، التي تكونت بعد قانون الإصلاح الزراعي”. إننا من لسانك ندينك؛ من أين أتت أملاك الدولة هذه أساساً فهل كانت الجزيرة أرض بور من غير سكان أم الحكومة السورية إستملكها بعد أن طرد الفلاح الكوردي منها وكل قاصي وداني يعرف هذه الحقائق بل ما زال هناك الأشخاص والوثائق والتي تثبت ملكية أولئك الفلاحين الكورد لتلك الأراضي، هذه من ناحية ومن الناحية الأخرى، أنت قلت وبفصاحة لسانك بأن العرب الموجودون في الجزيرة هم “عرب الغمر” أي إنهم أوتوا من أماكن الغمر وتم تسكينهم في الجزيرة ومن ثم وزعت عليهم أملاك الدولة وبالتالي فهم ليسوا من سكان الجزيرة الأصليين ونعتقد بأن هذه لا تحتاج إلى تعليق.

وفي آخر فقرة تناقض نفسك وتقول: “كان السكان الأكراد الأكثر استفادة من قانون الإصلاح الزراعي حيث وزعت عليهم الدولة أراضي زراعية في مئات القرى التي كانت تعود ملكيتها أصلا إلى ملاكين عرب وسريان”. كيف يستقيم هذا والعرب هم عرب الغمر جيء بهم من مناطق أخرى ومن الناحية العملية الواقع المعاش تنفي ادعائك بأن الكورد هم أكثر المستفيدين حيث ألاف الهكتارات نزعت منهم وما الأحداث الدموية والتي عاشتها بعض القرى القريبة من ديريك قبل سنوات إلا شواهد إضافية إلى ما يسمى بالحزام الأخضر (الأمني).

وسوف نترك الجانب التاريخي للباحثين والمختصين فهم أقدر على البحث والرد ولكن لنا بعض الأسئلة والملاحظات وسوف نبديها لكم وللأخوة القراء والمهتمين بالشأن السياسي السوري. إنه يذكر في مقاله المشار إليه؛ “لم يذكر التاريخ البعيد ولا القريب ولا حتى المتوسط أي كلمة تشير إلى كردستان كدولة أو وطن له كيان مستقل، حتى المكتبة الألفية الإسلامية (للإخباريين المسلمين) لا توجد فيها أية كلمة تشير إلى هذا المصطلح وان كان قد وردت في بعض الكتب إشارات مقتضبة إلى الكرد على أنهم أعراب الفرس أي ما معناه بأنهم لم يكونوا يوما سكان أصليين في هذه المنطقة التي لم يكن لهم فيها عبر التاريخ أية مملكة أو دولة، وحتى الإمارات التي يتغنون بها (كانت عبارة عن أقطاعات) لا يعود تاريخها إلى أكثر من مئتي عام ولم تعمر طويلا لأنها أصلا تكونت نتيجة ظروف استثنائية احتلالية بمباركة من العثمانيين المتوحشين الذين جلبوهم من أواسط أسيا (كأنكشاريين) واستخدموهم حراسا لمكتسباتهم”.

هو يقول بأن التاريخ لم يشر بأي كلمة إلى “كردستان كدولة” وهذه لاتنفي حقيقة وجود الجغرافية الكوردستانية كأرض وشعب مسلوب الإرادة من قبل إمبراطوريات كبرى كالفارسية والعثمانية ومن قبلها العربية الإسلامية. فالكورد مثلهم مثل غيرهم كالعرب كانوا بدو ورحل ولكن داخل هذه الجغرافية وما تسميتهم بـ”أعراب الفرس” إلا تأكيداً على ذلك. أما بخصوص مقولتك بأن الكورد “جلبوا من قبل العثمانيين المتوحشين” فهي عارية عن الصحة تماماً؛ حيث الكورد كشعوب هندو-أوربية وتواجدهم في المنطقة تسبق الوجود العثماني بكثير، فأنت الذي قلت قبل قليل بأنهم يسمون بـ”أعراب الفرس” وليس أعراب الترك أو العثمانيين، وصحيح أنه في التاريخ الحديث لم تقم أي دولة كوردية بل كانت هناك بعض الإمارات الكوردية في زمن العثمانيين فهذا لا ينفي حق هذا الشعب في العيش الكريم على أرضه وأما بخصوص دعم تلك الإمارات من قبل العثمانيين فإنك تجني على التاريخ ونحيلك إلى تلك الفترة والصراعات الدموية والتي نشبت بين تلك الإمارات الكوردية من جهة والخلافة العثمانية من جهة، حيث ما زال الصراع مستمراً إلى يوماً هذا.

أما بخصوص المسألة التاريخية والآثار فلا يمكن ومن خلال مقال أن نثبت بأن الكورد ينتمون إلى الحثيين والحوريين والسوبارتيين ولا أن ننفي ذلك فهذا شأن علماء الآثار والباحثين في تاريخ المنطقة ولكن مع ذلك فالكثير الكثير من الدراسات تشير على أن الكورد هم أحفاد أولئك ولا ندري كيف أستنتجت أنهم ليسوا بأحفاد لهم وما هي القرائن الي أعتمدت عليها لتثبت أن تلك الشعوب انقرضت من التاريخ كما انقرض الديناصور والماموت، دون أن تترك شعوب وقبائل تورثها تاريخها وثفافتها ولغتها وبحيث دون أن ينسى الزمن وتلاقح الثقافات أن تترك آثارها على خصوصياتها الثقافية واللغوية ويتم تحويرها وتطويرها.

وكمثال على تطور اللغات وأحياناً الوصول إلى نوع من القطيعة بين الجذر والفرع وكنوع من الرد على قولك؛ “لا نعلم الحجة التي جعلت الكرد ينسبوا فيها أنفسهم إلى هذه الأقوام مع العلم بان اللغة المتروكة على الألواح الفخارية لا تمت بشكل أو بأخر إلى اللغة الكردية (اللغة الكردية مجموعة لهجات السوراني لا يفهم على الباديني أو الكرمانجي) التي لم يكن لها يوما حرفا تكتب به، ففي شمال العراق يكتبون بالحرف العربي وفي تركيا يكتبون بالحرف اللاتيني”. فإننا نحيلك إلى كتاب العلامة طه حسين؛ “في الأدب الجاهلي” حيث يقوم بمقارنة نص حضرموتي “ولا ننسى بأن اليمن هم العرب العاربة” مع نص حبشي من جهة ومن الجهة الأخرى مع النص القرآني “وهي لغة العرب في الجاهلية وإلى يومنا هذا” فيجده بأنه أقرب إلى الحبشية منها إلى العربية، فهل نقول بأن الحضارة الحضرموتية هي حضارة حبشية وليست عربية.

ثم أن مسألة اللهجات المحلية ليست خاصية اللغة الكوردية وحدها فكل لغات العالم تقريباً لها هذه الخصوصية وأقربها إلينا جغرافياً هي اللغة العربية والكل يعلم بأن السوري لا يفهم على المغربي إلا من خلال لغة الكتابة وليس من خلال اللهجة المحلية وهذا شأن الكورد فصحيح إن أبن السوران لن يفهم تماماً على أبن عفرين ولكن هذه على مستوى الفئات والشرائح الشعبية والمواطن المحروم من ممارسة ثقافته، أما على مستوى المتعلمين والمهتمين بالثقافة واللغة الكوردية، فإنني أبشرك بأننا نفهم على بعضنا البعض كالأخوة العرب وأنا أحد الذين يكتبون باللغة الكوردية وبالحروف اللاتينية وكوني سوري أقرأ الحرف العربي-الآرامي فإنني أتواصل مع كتاب منطقة سوران قراءة ودلالة؛ لفظاً ومعنى أي أنه هناك لغة وثقافة واحدة تجمعنا نحن الكورد. كل هذا وعلى الرغم إننا حرمنا من أشياء كثيرة وعلى عكس الشعوب العربية والتي لم تحرم من التقنية في مسائل التواصل وأيضاً عدم حرمانهم من التواصل والتلاقي وممارسة حقوقهم الثقافية كما هو ممارس وعبر عقود من التاريخ على الكورد.

أما ما يتعلق بمسائل الكتابة واستخدام الحروف العربية أو اللاتينية، فإننا نستغرب هذا التلاقي بين عقلية “باحث” مثلك وعقلية رجل أمن؛ حيث في آخر مرة تم استدعائنا من قبل إحدى الجهات الأمنية، وجه إلينا من بين عدة أسئلة نفس السؤال الذي تثيره ولا نعلم من منكم تأثر بثقافة الآخر. أستاذي العزيز، إما عن جهل أو تجاهل، تريد أن تطمس الحقائق؛ إن أقل الناس اهتماماً بتاريخ المنطقة وشعوبها، يدرك بأنها عرفت مجموعة حضارات وثقافات، بل هي التي اكتشفت الأبجدية الأولى ومن ثم حورتها وطورتها وتلاقحت مع غيرها.

فالكورد مثلهم مثل غيرهم من شعوب المنطقة تعرضوا إلى كل تلك الموجات الحضارية ومثلهم مثل غيرهم من الشعوب الحية والتي لم تنقرض كغيرها من الشعوب والحضارات والتي كانت في يوم ما عريقة، وعلى الرغم من كل هذه الأحقاب الطويلة من الحرمان والعسف والدكتاتوريات التي عرفتها، فإنها استخدمت حروف عدة؛ إن كان جبراً أو طوعاً، لتورث ثقافة الأجداد للأحفاد وما يعرف اليوم بالحرف العربي والذي تستخدمه مجموعة الشعوب الإسلامية، إلا حروف آرامية حورت وتم تنقيطها في مراحل لاحقة وهذا يؤكد بأنه ليس فقط الكورد استخدموا أو يستخدمون حروف عدة، هذه من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الجمهورية الإسلامية في إيران ما زالت تمارس الحروف العربية-الآرامية فهل يعني هذا بأنه لم يقم للفرس حضارة، كما أن الأتراك استخدموا وعلى طول الخلافة العثمانية هذه الأبجدية الآرامية-العربية وبقرار من كمال أتاتتورك تم استبدالها بالحرف اللاتيني.

وأما بخصوص التواجد الحديث للكورد في المنطقة وبأنهم أتوا مع العثمانيين فقد أجبنا عليه في فقرة سابقة وأيضاً ما يتعلق بمسألة التواجد العربي في المنطقة. أما ما يتعلق بخصوص الأخوة السريان والأشوريين فإننا نقر معه بأنهم من أبناء المنطقة بل كانت لهم حضارات وإمبرطوريات قديمة في منطقتنا وقد تعرضوا في مراحل تاريخية للغزو والقتل والدمار ككل شعوب المنطقة وربما في الفترة العثمانية عانوا الأمرين وذلك لاضطهادهم عرقياً ودينياً على عكس الكورد والعرب الذين عانوا من الناحية العرقية فقط، فلا يعني هذا أن ننكر على الآخرين حق الحياة والعيش الكريم.

إن الأستاذ كميل سهدو وبعد أن يسهب في تعريف القارئ بتاريخ مدن الجزيرة على إنها مدن سريانية ودون أن ينسى درجة القرابة مع الشعب العربي على أنهم أبناء عمومة –ونعتقد هنا لو كان للكورد اثنا وعشرون دولة ولهم هذا القوى والجيوش وأجهزة الاستخبارات مثل ما تملكها الدول العربية لكنا على الأقل أبناء خالته- المهم فالرجل وبعد ذاك الإسهاب في مسائل توافد الكورد على حد زعمه واحتلاهم لهذه المدن، وهذه الاحتلالية أشعرتني بنوع من الاعتزاز والفخر كأي شرقي مفعم بالرجولة والطغيان؛ فها نحن أيضاً أصبحنا “أسياد” وطغاة وبالتالي قللت إلى حد ما ذاك الشعور بالعجز والدونية وسيكولوجية الإنسان المقهور والذي يشعرك أنك قد تعرضت إلى استبداد تاريخي فمسخت شخصيتك، وهذا هي حقيقة الكورد في هذه المرحلة وبكل أسف.

نعم إنه بعد ذاك السرد يقوم بطرح السؤال الآتي؛ “يتواجد الآن في ألمانيا حوالي ثلاث مائة ألف كردي و سوف يصل عددهم بعد خمسين عام إلى ثلاثة ملايين، فهل سيقلق هؤلاء الدولة الألمانية ويطرحون مصطلحهم القادم (كردستان ألمانيا)”. ربما ولما لا؛ فهل كانت أمريكا منذ خمسة آلاف سنة هي موطن الشعوب الأوربية وهل كانت كل ما تعرف اليوم بمجموعة الدول العربية أو الوطن العربي هي موطن العرب ومنذ الإنسان النياندرتالي، فالجواب لا بالتأكيد. فليكن وعلى حد زعمك بأن الكورد قدموا إلى المنطقة ومنذ عهود قريبة، ولم تقل لنا من أين أتوا هؤلاء الكورد، أمن هذا الكوكب أم من مجرة أخرى، فهذا لا يعني بأن هذه الأرض التي يعيشون عليها ليست بكوردستان وهي التي تعني في اللغات الهندو-أوربية بأنها أرض ذاك الشعب، مثلها مثل أفغانستان وباكستان وهندوستان.. والخ. أم تريد أن ترمي بنا أنت الآخر في البحر وتنهي المسألة ووجع الرأس من هؤلاء الغوغائيين الهمج؛ فأي ثقافة هذه وأي محبة هذه التي تدعو إليه.

وما يتعلق بمسألة إننا كلنا سوريين فلا تزاود على الكورد وعلى غيرهم، بل أنت تنفي عن الكورد سورييتهم عندما تقول بأنهم من خارج الحدود وما مسألة اللف والدوران حول مسائل الإصلاح الزراعي إلا نوع من الفذلكة الخطابية من قبلكم فلنعد إلى الوثائق والقرائن التي تثبت ملكية من، لكل تلك الأراضي التي تم الاستيلاء عليه من قبل الدولة وتم توزيعه على العرب الغمر دون الكورد وما مشروع الحزام العربي وفي الجانبين السوري والعراقي إلا شكل من أشكال الفصل العنصري وفصل من فصول العقلية العروبية والهلالية –نسبة إلى محمد طلب هلال ومشرعه السيئ الصيت، وليس إلى الهلال كأحد مراحل القمر فشتان بين الاثنين- ولا نريد أن نسرد التاريخ وبطولات الكورد في الدفاع عن الوطن، هذه من جهة ومن جهة أخرى فإن مصالح شعوب المنطقة برمتها تدعونا لأن نبقي على أوطاننا موحدة بل ندعو إلى اتحادات أكبر في هذه المنطقة على غرار الاتحاد الأوربي مثلاً، دون أن يعني ذاك إلغاء للخصوصية الثقافية أو الجغرافية.

حتى الرياضة لم تسلم من لسانك وبلاك؛ “فأتقي ربك يا رجل” لقد وصل حقدك الأعمى إلى أن تفقد بصيرتك. فبالله عليك كيف يستقيم الأمر وتقول: “ولان أبناء مدينة القامشلي لم تكن لديهم أية نظرة عنصرية لهذا قامت إدارة النادي في ضم أي موهوب مهما كان عرقه (على مبدأ لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا في التقوى) إلى أن بدأ العنصر الكردي يتغلغل رويدا رويدا في صفوف الجهاد (ربما بشكل منظم) ما كان له الدور في الأعوام الثلاثة الأخيرة في جعل الأقلية أكثرية والأكثرية أقلية (طبعا على مستوى اللاعبين) فيما بقي الجهازين الفني والإداري مكون من تشكيلة تمثل كافة شرائح المجتمع”. وفي المقدمة –مقدمة هذه الفقرة كنت قد ذكرت بأنه في الستينات من القرن الماضي كان هناك أربعة أندية في الجزيرة ولم يكن من بينهم لاعب كوردي واحد- والآن وبعد أربعة عقود يصبح الأقلية أكثرية والأكثرية أقلية (طبعا على مستوى اللاعبين) ونلاحظ هنا إنه لا ينسى أن ينوه؛ بأن هذا التغيير ليس على المستوى السكاني على عموم جغرافية الجزيرة وإنما فقط على مستوى اللاعبين.

إننا نسأله من جانبنا؛ هل قامت دولة كوردية في الجزيرة ودون علم منا وقامت بتغيير ذاك التواجد الكوردي في الأندية الرياضية في الجزيرة بحيث لم تكن تضم لاعباً كوردياً واحداً في فترة الستينات بحيث أصبح اليوم غالبيتهم من الكورد، أم أن الكورد وبين ليلة وضحاها أصبحوا مهتمين بالرياضة وأصبحت كرة القدم همهم الوحيد وتركوا كل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ليلحقوا هذه الكرة الدائرية. أم أن القرارات الشوفينية والعقلية العنصرية والتي كانت سائدة في فترة الستينات وإلى ما بعدها هي التي كانت تمنع أبناء الكورد ودون غيرهم من مكونات الشعب السوري أن يندمجوا في الحياة السورية عامة ومنها الرياضية وبالتالي لم نكن نجد الأسماء الكوردية بين اللاعبين السوريين، إن كان في الجزيرة أو غيرها، وهذا ما لا تريد أن تعرفه أو يذكرك به أحد وهذه الأخرى وبكل جلاء تكشف لنا مدى وأفاق ثقافة المحبة والتي دعوت إليها.

وأخيراً نقول لك ولغيرك من غلاة الفكر العنصري الإلغائي في منطقتنا؛ بأنه “ليس هكذا يورد الإبل”؛ فمن أراد أن تكون هناك ثقافة محبة بين الشعوب وأنت الذي تنتمي إليها مادياً دون المعنى والسلوك، ومن أراد أن يقتدي بالسيد المسيح من جهة ومن جهة أخرى من أراد أن تكون سورية بلد كل السوريين لا يعني أن يقوم الواحد منا -أفراد وجماعات، أعراق وأديان، مذاهب وطوائف، أحزاب وكتل سياسية- بإلغاء ونسف الآخر وتشويه تاريخه، بل يجب أن يكون خطابه مفعم حقيقة بالمحبة وقبول الآخر المختلف والمتمايز عنا ومن خلال قراءتنا لمقالك فإنك تفتقد إلى هذه المزايا والأخلاقيات وبالتالي تنفي ما تدعو إليه ولن نعلق أكثر من ذلك فالقارئ الحصيف سوف يكتشف المعنى.