الرأي

أردوغان.. من بائع بطيخ إلى صاحب “فندق طائر”!

عندما وصل أردوغان إلى سدة الحكم في تركيا لم يكن في جيبه الكثير من المال. ورغم قضائه قبل ذلك أربعة أعوام في رئاسة بلدية إسطنبول، فإنه عندما أعلن عن أصوله لأول مرّة، في عام ألفين وواحد، قبل اتخاذ خطوة تأسيس حزبه العدالة والتنمية، كان في رصيده أربعمائة وثلاثين ألف ليرة تركية، وكان هذا رقماً متواضعاً بالمعايير التركية.

أما عن الفترة التي سبقت انخراطه في مضمار العمل السياسي والوظيفي الحكومي، فكما هو معروف يتحدّر أردوغان من الطبقة الاجتماعية السفلى، وعمل منذ طفولته المبكرة في مهنٍ كثيرة متدنية الأجر، كبيع البطيخ والسميد في شوارع إسطنبول، كما أكد هو نفسه مراراً، وكان بالكاد يكسب لقمة العيش له ولعائلته.

لكن وخلال عشرين عاماً متواصلة من القبض على السلطة، استطاع جمع ثروة خيالية، هي عبارة عن مبالغ نقدية وذهب وأراضٍ وعقارات وغيرها. ووفقاً لمجموعة القرصنة الدولية فإن ثروة أردوغان بلغت، في العام الفائت، ثلاثمائة وخمسين مليار دولار من الأموال غير المشروعة.

ومنذ سنوات تلاحق أردوغان وحاشيته الاتهامات بالكسب غير المشروع، والاغتناء الفاحش على حساب قوت الشعب ولقمة عيشه، وكذلك تبديد المبالغ الطائلة على الحروب الخارجية العبثية والسياسات الاقتصادية الفاشلة، الأمر الذي تسبب في زيادة كبيرة بمعدلات الفقر والبطالة، وأدخل البلاد في أزمة معيشية واقتصادية خانقة.

آخر الفضائح المالية التي تطارد نظام أردوغان، هي اختفاء مائة وثمانية وعشرين مليار دولار من البنك المركزي التركي، وسط اتهامات لصهره وزير المالية السابق، بيرات البيرق، بالمسؤولية عن تبديدها نتيجة لسياساته الاقتصادية الفاشلة.

وبعد تصعيد الضغوط من قبل المعارضة للكشف عن أوجه صرف هذه الأموال، ادّعى أردوغان بأنها لا تزال موجودة في البنك المركزي. لكن هذه الرواية تتناقض مع أخرى لأردوغان نفسه، بإعلانه أن الأموال أُنفقت لدعم القطاعات المتضرّرة من جائحة كورونا.

وفي خضم السجال الدائر والتراشق الكلامي بشأن هذه الفضيحة، تواصل المعارضة حملة المطالبة بالكشف عن كيفية اختفاء وإنفاق هذه الأموال، عن طريق نشر ملصقات ولافتات في الشوارع والساحات العامة، بينما يقابلها نظام أردوغان بالقمع، عبر الدفع بالمئات من عناصر الشرطة لإزالتها واقتحام مكاتب حزب الشعب الجمهوري، باعتباره الطرف الذي يقود هذه الحملة، هذا فضلاً عن اعتبار الحملة إهانة شخصية لأردوغان، وهي التهمة التي أدخلت حوالي عشرة آلاف شخص السجن، خلال خمسة أعوام فقط، وتُلصق غالباً بأي معارض أو خصم يُراد إزاحته والتخلص منه.

هذه ليست المرة الأولى التي تتحول فيها قضايا هدر وتبذير المال العام، وحياة الترف والبذخ التي يعيشها أردوغان وأفراد عائلته، والحاشية المحيطة بهم، إلى مادةٍ للسجال وسببٍ لإشعال المعارك السياسية في الداخل التركي، لكن دون أي جدوى، نظراً لإصرار أردوغان على تكديس ثروته، وصرف أموال الشعب على مشاريعه الخيالية، التي يعتقد أنها تبني له مجداً شخصياً، كقناة اسطنبول التي ينوي شقّها، رغم مخاطرها وأضرارها الكبيرة بتركيا.

يُعرف أردوغان بهوسه في بناء القصور الفخمة على الطراز العثماني، ويمضي في بناء المزيد منها بالرغم من الاعتراضات الواسعة، للمعارضة والمجتمع التركي على حدّ سواء، وكانت مشاريعه هذه على الدوام مثار جدال محموم، وسط أسئلة واستفسارات عن جدوى تشييدها في وقت تتدهور فيه الأحوال المعيشية للمواطنين، يوماً بعد آخر.

هناك العديد من هذه القصور الفخمة التي صرف على بنائها مئات ملايين الدولارات. أضخمها وأكثر تكلفة هو القصر الرئاسي الجديد في إسطنبول بمبلغ ستمائة مليون يورو، وبمساحة مائة وخمسين ألف متر مربع تضم ألف غرفة، ليكون بذلك أكبر من البيت الأبيض والكرملين وقصر فيرساي.

هناك قصور أخرى عديدة شيّدها أردوغان بمبالغ كبيرة، متجاهلاً اعتراضات المعارضة والشارع التركي، ومنها القصر الصيفي في خليج أولوغول قرب مدينة مارماريس المتوسطية، بسعة ثلاثمائة غرفة، وتكلفة بلغت حوالي أربعين مليون يورو، واقتُلع لبنائه خمسين ألف شجرة.

أحد المظاهر الأخرى على ترف أردوغان، والذي كان أيضاً سبباً في إثارة جدال واسع، كان طائرة أردوغان الخاصة، بقيمة حوالي خمسمائة مليون دولار، لتكون أضخم وأغلى طائرة خاصة في العالم، وبمثابة فندق طائر في السماء، علماً بأن أردوغان ادّعى أنها هدية من أمير قطر، وربما كان ذلك مجرّد محاولة لامتصاص غضب الشارع التركي.

لا ينتهي الحديث عن مظاهر الثراء الفاحش للعائلة الأردوغانية، وحياتها الباذخة على حساب مواطني تركيا، الذين يعيش أكثر من ثلاثين مليون شخص منهم تحت خطر الفقر، فهذا أصبح شيئاً اعتيادياً يتداوله الناس يومياً، ويمكن رؤيته في كل تفصيل من تفاصيل حياة هذه العائلة، حتى في حقيبة يد أمينة أردوغان، بماركتها الفرنسية العالمية وثمنها الباهظ المقدر بخمسين ألف دولار.

فايق عمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق