الرأي

هل خلقت المرأة من ضلع

رياض درار

تفاوتت النظرة للمرأة في الاسلام بين من يراها مظلومة، والاسلام هو مصدر الظلم، بمصادرته حريتها، والحول بينها وبين حقوق مثيلاتها من النساء في حضارات أخرى. وبين من يرى أن الاسلام كرم المرأة وأعلى شأنها. وبين النظرتين يغيب الدليل، أو يظهر على السطح دون تحليل لبعد منطقي، أوبحث تاريخي، أو تطور مجتمعي. لأن الدليل من خلال حدث منقول لايعمم، ومن خلال حديث نبي أو كتاب مقدس لا يفي بالمراد، مادامت الناس هي التي تبيئ الكلام، وتجعله ملائما لمعارفها، مجيبا عن تساؤلاتها هي، وتقف به عند حدود معرفتها. وفي الاسلام تمظهر الدين وفق معارف العصور الأولى، وعند أرضيتهم المعرفية، وصار ابن بيئته البدوية والصحراوية. ومثاله الجماعة الأولى التي نزل فيها الاسلام، وصارت تجربتهم هي المثال الأنقى والنهائي لفهم الدين. وهذا افتئات على البعد الكوني والأزلي لدين المراد منه أن يكون صالحا لكل زمان ومكان .

وحين توقف الفهم على مدارك الأولين صار لدينا اسلامٌ محليٌ، لكنه ليس الاسلام. واستمر بشكل مواز لبعد الدين الذي أراده الله للعالمين. لذلك كل تجديد كان يحارب حتى تثبت التجارب والاحداث والكشوفات أنه صالح، ليتوقف العبث في مصائرالعباد. ولكن لاتنتهي مسيرة العناد حتى تصطدم بصخور الواقع، لتفتح بصيرتها على وقائع جديدة تتطلب التجديد .

هل خلقت المرأة من ضلع؟

عند المرأة يمكننا تناول مسائل تراثية ليست من الاسلام، وساهمت في جمود مسيرتها وفق عقلية ذكورية. ومن يقرأ تفاسير إكرام المرأة في الاسلام، وتبريراتهم لمكانتها الثانوية بعد الرجل، يرى كلاما معسولا مغلفا بآيات وأحاديث، ولكنها كلها تفرض تابعية المرأة وثانويتها، ووظائفها المتدنية من حيث المكانة والمكان. وهذا له مكانه في كتبهم، ولامكان له في حديثنا المختصر والمحدد بالسبب الأول في خفض مكانة المرأة وجعلها ملحقة بالرجل، في قولهم : ” خلقت المرأة من ضلع آدم”.
والأصح أن القرآن لم يذكر ذلك، ولم يشر إليه. والآية تنسب الخلق إلى نفس واحدة ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) والنفس لاتعني آدم، وتخالفها المقولة التي تقول أن الله خلق آدم ثم خلق حواء من ضلعه. والأصح أن آدم وحواء خلقا من نفس واحدة، كما انه خلق من كل جنس ونوع من الاحياء زوجين اثنين (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وحين قال خلق منها زوجها لم يرد التبعيض بحرف الجر “من”، وإنما أراد المماثلة أي خلق آدم وحواء من النفس ذاتها.
أما رواية الخلق من ضلع آدم، فهي رواية ابن عباس، الذي لم يكن يأنف من النقل عن أهل الكتاب، وهي عندهم في قصة معروفة. وهم استصغروا المرأة واحتقروها، فهي سبب الخطيئة، وهي نجس في بعض حالاتها. وقد نقل عن الألباني قوله بعدم ثبوت حديث صحيح ينص صراحة على خلق حواء من ضلع آدم.
والذين استدلوا بالحديث ( استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع) زادوا عليه (وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقومه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج ) وهذه الزيادة شارحة. ومثلها ماجاء في مسلم بلفظ آخرلاتتناسب مع الكلم الجامع، الذي يتصف به حديث الرسول ( إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها) وهو شرح مأخوذ من الشعر .. قال حاجب بن ذبيان :
بني الضلع العوجاء أنت تقيمها …. ألا إن تقويم الضلوع انكسارها
والصحيح الجزء الأول من الحديث ( خلقت المرأة من ضِلَع ) وشرحه لا يعني محنية الجنب كما قالوا، وإنما ما يدل على قوة واحتمال، كما يدل على المخالفة، وليس الضِلَع عيبا لذلك قالوا في السيف :
وقد يحملُ السيفَ المجرَّب ربُّه …. على ضَلَع في مَتنه وهو قاطعُ

فالحديث الصحيح ( استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع ) وهو كاف بليغ، ليدل على أن المرأة خلقت مجبولة على القوة، وهي مخالفة لما خلق عليه الرجل من صفات، وأن الأولى التكامل بينهما لأن عدم ذلك يعني الشقاق. وفسر الشعراوي الضلع تفسيرا لطيفا، بأن معناه ليس فيه انتقاص للمرأة، وإنما هو دلالة على اختصاصها بطبيعة تختلف عن الرجل، وهو دلالة على استقامتها للمهام التي انيطت بها. وكل ماجاء بعد ذلك، هو منهم شرح مناسب لمعرفتهم، ولم يدخل في البعد المعنوي لكلمة الضلع. وهم نظروا إلى الضلع على الحقيقة، أي من ضلع آدم. وهو لاشيء؛ والذين نظروا إليه على المجاز والمعنى، أي المخالفة التي تقتضي حسن المعاملة والتكامل معها، قاربوا الحقيقة؛ ووافقهم كشف الوقائع التي بينت قدرات المرأة ومهاراتها، ومنافستها للرجال في كامل أصناف المعرفة والعمل والإدارة والقيادة. وقوله: ( خلقت المرأة من ضلع ) كقوله تعالى: (خلق الانسان من عجل) فهذا الخلق معنوي وهو التفصيل والصياغة ، ومعناه الطباع التي جبل عليها هذا الجنس. وكما أن الاعوجاج في الضلع هو صفة كمال، فالمخالفة في المرأة هي صفة حسنة، لأنها لو كانت كالرجل لما كان لوجودها لازمة، لأنها تقوم بما لايقوم به الرجل، والحياة معها وبها تتكامل ولاتتناقض. وفي رأي؛ أن العوج ليس وصفا متأصلا في المرأة، بل هو في الرجل أيضا، والنصيحة تكون باحتماله لكلا الطرفين، يقول الشاعر:
ومن تطلّب خِلًا غير ذي عوجٍ …. يكن كطالب ماءٍ من لظى الفحم

القوامة ومعنى واضربوهن

ومن النظرة المستصغرة للمرأة تحدثوا عن النقص الذي يعتريها في العقل والدين، وهذا من أوهامهم، وهو من مستطرد المحدثين وزياداتهم، فلا يخلق الله عيبا أو نقصا لدى مخلوق ثم يجعله عرضة للتندر وعبئا يسأل عنه. فالمرأة مساوية للرجل ومسؤولة مثله لذلك حملت نفس الأعباء، ولذلك قال الرسول ( النساء شقائق الرجال). وخطاب القرآن للرجال من باب التغليب، ومن باب أن الرجل هو من يتحمل المشقة ويقوم بالأعباء، ولو كان حامل المسؤولية امرأة فهي رجلة، وهي صاحبة القوامة، وهي المسؤولة في بيتها أو عملها، وقوله تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). فالأصل أن الرجل عليه الإنفاق وهو أصل القوامة أي حمل الأعباء، ولكن في هذه الآية نرى أن القوامة قد تكون للمرأة التي تنفق من مالها، وتحفظ سر الحياة الزوجية فلا تتعالى على الزوج أو على أهل بيتها وتحفظ الغيب في ذلك النقص أو العجز أو مخالفة الأعراف. ولكن امرأة قد تخالف ذلك فتتباهى على أهل بيتها، وتعايرهم، وتتصرف بهوى مخالف للأعراف، ولاتكتم أسرار البيت والحياة الزوجية، فطلب معالجتها بالنصح بداية، وطلب من الزوج الهجر في المضجع للتعبير عن الأسى والحزن من هذا النشوز والتعالي، فإن استمر ذلك وزاد عن حده، طلب من أهل بيتها الفصل بينها وبين أسباب نشوزها. فالضرب هنا هو العزل والابعاد ولايعني بحال من الأحوال ممارسة الضرب المادي لأنه لو أراده لحدد نوعه بالصفع أو الرفس أو الوكز أو الصك مما يستدعيه معنى الضرب المادي. فهذه أيضا آية أشكلت عليهم في تفسيرها وفق معارفهم وآفاق حياتهم، وتركت أثرا في معاملة المرأة وخفض قيمتها عندهم، ولم ينفع كل تبرير حول معنى الضرب وأنه ضرب غير مبرح ولا شائن، وقالوا يعني ضربا بالسواك وليس كذلك. فإن استخدام الضرب بالمعنى المادي مخالف لمراد القرآن.

جوهر الفهم

إن الاتكاء على نصوص دينية دون معرفة بجوهر الأشياء ومآلاتها، أو بمعرفة محرفة، أوهي ليست من الدين وجرى خلطها بمراد الدين، أو هي من زيادات المحدثين ووجب مراجعتها، وإلا فكل ذلك فيه إهانة للشرع وللدين. ومنه استخدام للنص في غير محله للانقاص من خلق الله أو اعلاء شأن بعض الخلق دون بعض، انسياقا مع وضع اجتماعي أوتصنيف بشري من إرث السابقين ومخلفات معارفهم، التي تشكلت في أرض مختلفة وزمان مختلف. ومنه نظرتهم للمرأة، والطعن الذي لحقها والتنقيص الذي جاء في تفاسير الأولين وتوجيهاتهم، وتنزيلها في أبواب الفقه الشرعي مايشرعن للرجل مكانة السيد والرب المطاع رغم تسييج المخرجات ببعض جمل تؤكد مكانة واحترام وحسن التعامل مع المرأة، لكن سياق الغلاقات ونتائجها الاجتماعية تركت مانراه من المكانة الدنيا والمجحفة بحق المرأة، وهو من إرث العقلية الدكورية المعروفة في القبيلة العربية التي لامكان فيها للمرأة إلا البيت أو القبر. وهي شرف الرجل صاحب النخوة والمروءة وحامي العرض. وهي صفات لم يتطرق لها التنزيل الحكيم وليست من مواضيعه، لكنها رسمت حياة المرأة وجعلتها عبدة وسبية وجارية ولايغرنك ذكر بعض السيدات النبيلات ومآثرهن، فالغالب هو الدونية والالحاق بالذكر. ومكانة المرأة التي كانت توأد وهي صغيرة خوفا من عارها، هو من إرث التطور البشري الذي قام على السلطة الأبوية والذي بدأ مع التملك والسيطرة على الأرض والنسل، وكان الانقلاب على المرأة السيدة الأم بداية تلك المرحلة التي عزلتها كعبدة في البيت، أو حولتها إلى عاهرة في معبد، ثم وسيلة استبضاع للانجاب وزيادة النسل للتفاخر والتباهي، ثم أجير بأرخص الأثمان في المعمل أو الملهى.

إن ذكر الضلع يتطلب آدابا وأخلاقيات جمة، ولايتحدث أو يخبرعن حقائق في التكوين البشري بين الجنسين، فيصف أحدهما بالعوج فطريا والآخر ليس كذلك. وهو وصف ليس في التنزيل الحكيم، إنما هو من توجيهات النبوة التي ترى المؤمنين والمؤمنات سواء في التكليف والجزاء وفي الثواب والعقاب، وأن كلا ميسر لما خلق له، وأن الاختلاف للتكامل وليس للتفاضل وليس للتنافس. ومن هنا فإن التقليل من شأن المرأة تجاه الرجل أمر يندى له وجه الدين، ولايصدر إلا من عقول مشوهة بفعل الإرث الآبائي التي سارت على هدي الذكورية السائدة، فقرأت النصوص كما عرفت، لا كما يجب أن تكون ضمن المقاصد التي ترى في المساواة عدلا يستوجبه الدين، وأن تقسيم الدكورة والأنوثة ليس من شأنه أن يرفع هذا ويحط من هذا. وأن الرجل والمرأة كالهيدوجين والاوكسجين، في اتحادهما يوجد الماء. وكما الماء سر الحياة فلا استغناء لأحدهما عن الآخر، فالمساواة واجبة لتستكمل الحياة معانيها.

عصر المساواة

إن تطور البشرية انتقل من عهد الملكة الأم، الذي امتاز بالمشاع وعدم التملك والتساوي في الحاجات دون سيطرة، إلى العهد الأبوي الذي اتسم بالسيطرة وحب التملك والتباهي بالأموال والبنيان. وكان لكل عهد نتائجه على التقسيم الاجتماعي. ويمكن القول أن عهد النبوة الخاتم قد تميز بأنه عهد المساواة، لأنه نادى بالعالمية، وأكد على الرحمة، وأنه خاتم الرسالات السماوية التي ترى أن البشرية قد نضجت، ويمكنها التشريع لنفسها، وعليها أن تقرأ التنزيل الذي هو معجزة السماء الأخيرة وفق هذا الفهم. فالاسلام الذي جاء ليساوي بين الرجل والمرأة كرس عصر المساواة بعد قهر الذكورة الطويل، وأكد بطريقته أن التحول نحو المساواة التامة ليس انقلابيا، بل يعتمد على التدرج المخرج من قهر الذكورية إلى انعتاق الحرية. فقدم النصح ووصى بحسن التعامل، وواجه الضمائر اليقظة لتبني أحسن العلاقات المجتمعية، فأكد على العشرة بالمعروف، ورضى بالاختلاف وجعل الحق بالمشاركة ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ).
قانون الزوجية ومعنى الحور العين

تعددت الآيات التي تتحدث عن الخلق والنشأة من نفس واحدة (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) ويقول (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا). (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ). ولايعني أن النفس هي آدم. وقد خلق الله الآزواج كلها ومن كل جنس ونوع من الآحياء وفق قانون الزوجية (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). ونشاهد أن كل خلية من الخلايا تنطوي على نويتين ذكر وأنثى، تقتربان فيولد منهما خلية أخرى وهلم جرا. ولكنا لاندري كيف ازدوجت النفس الأولى بعد وحدتها فكانت ذكرا وأنثى. والله يقول (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ). ولكن قوله من نفس واحدة تدل على نفس لاجسد. وهي خلية انقسمت إلى ذكر وانثى وتكاملت في الخلق بحسب النشأة التطورية كما شاء لها الخالق لتكون زوجًا، والزوج لغة خلاف الفرد (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) والزوج هو الفرد الذي له قرين، وكل من يدعي الفرادة هو مشرك لأنه لاواحد إلا الله. وكل المخلوقات تتبع قانون الزوجية. وقانون الزوجية جاء من أصل سابق هو النفس الواحدة وهي بذاتها تحتوي القانون ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) فالخلق للذكورة والأنوثة معا. فالزوج يدل على مقارنة شيء بشئ آخر وارتباطهما بعلاقة ما. ولايقال عن اثنين من جنس واحد زوج فالذكران اثنان، والأنثيان اثنتان، والرجل والمرأة زوج. والزوجية في الوجود لا في العقود، لذلك العقد بين رجل وامرأة هو عقد نكاح لاعقد زواج. لذلك حين قال( وزوجناهم بحور عين ) لم يرد النكاح، وحين سمعوا (ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) وسمعوا (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ) لم يسأل الأصحاب مالمقصود بحور العين، لأنهم فهموها من كلمة زوج أنها ذكر وأنثى، فالحور العين ذكور حورعين، وأناث حورعين، وليسوا أناثا فقط .فقوله “ادخلوا الجنة”، للذكور والاناث. وقوله “أزواجكم”، للذكور والاناث. فحال المرأة في الجنة كحال الرجل وينطبق عليها ماينطبق عليه، وحين يذكر الجنة يستعمل دائما لفظة أزواج ولايستعمل لفظة نساء أو امرأة ولا رجال أو رجل. ولاينطبق عليهم قانون الأرض لأن الجنة لها قوانينها فلا نتخيل شكل العلاقة مغلقة أم مفتوحة، كما لانتخيل طعامهم وشرابهم وكيف يعد وبأية طريقة يقدم.

فقانون الزوجية هو قانون أساسي تخضع له جميع الأشياء والخلائق في الكون المادي ( سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) واستعمل لفظة سبحان لتنزيه الله عن قانون الزوجية. فالأشياء في الكون في علاقة تقابلية، بل هي علاقة تأثير وتأثر متبادل” علاقة جدلية”تقوم على التكيف والتلاؤم المستمرين . والزوجان في علاقة تقابلية لذا يتميزان عن الضدين، فالضدان لايلتقيان والعلاقة بينهما تعاقبية، ولاتوجد في الأشياء المادية بل في الظواهر فقط .
الحرية بداية الحل
تعرضنا لبعض قوانين المرأة في الكتاب العزيز لنفي التهم عن الاسلام ، وحملنا القراءة الماضوية سبب الجهل بالمرأة، وحول المرأة. وقدرنا أن قراءة جديدة للنص على ضوء المعارف والعلاقات الانسانية المعاصرة، يمكن أن تصل بنا إلى مقاربة تعيد الحيوية الانسانية لدور المرأة كشريك لازم. لأنه بدون مشاركتها بشكل ايجابي وفعال، لاضمان للحقوق المسلوبة أن تعود. وإن عبودية المرأة هي عبودية الرجل، وإن تأنيث المرأة بالنظرة الجنسوية فقط هي تأنيث للرجل، ومن ثم تأنيث للمجتمع. فلابد من السعي المشترك للانتقال الى حالة تكفل الحقوق المتساوية للرجال والنساء، والانتقال من حالة القهر والعبودية إلى حالة الانعتاق الانساني، ومن الرؤية الذكورية للعالم والمجتمع والانسان، ومن الرؤية العرقية والقومية المؤسسة على اوهام وأساطير دينية تعمم اغتراب الانسان عن عالمه وعن ذاته وتجعله من عالم الأشياء.

ولعل البحث في تحرير المرأة هو منطلق الخروج من العقبات الاجتماعية التي تقيد الجميع. فتمتع المرأة بحقوقها وحريتها، وتمكنها من المشاركة في الشأن العام، والانعتاق من العلاقات والبنى والنماذج التي تقوم على الهيمنة الذكورية، والتي تحدد مكانة المرأة في المجتمع كما تحدد تصور المرأة لنفسها، وتصور الرجل عنها، وتصورها للرجل على نحو يجعلها هي نفسها تضع العقبات في طريق حريتها.

والحرية بوجه عام يجب أن تكون عماد انسانية الانسان، والمرأة إذ تستهدف حريتها تستعيد انسانيتها، ومن أجل تعريف الحرية للمرأة يتعين ادراك الاختلاف الذي تتأسس عليه شخصيتها، وتتبين فرادتها، فالاختلاف هو مايصنع معنى المساواة، ويحدد مضامينها وأبعادها. ولأنه بالاختلاف تتحدد حريتنا، كما أن معرفة الآخر المختلف تشكل طريقنا لمعرفة ذواتنا. لذلك كانت نقطة البداية تعريف معنى الضلع، لأنها تحمل معنى الاختلاف مع عوامل أخرى تجعل المرأة مؤهلة من قوة نوعية، وتحمل وصبر يمكنانها من حسن الادارة والتوجيه والتربية والقيادة. ومن أجل تحقيق خيار الحرية والانعتاق من قيود الذكورية المتحكمة يجب مشاركة المرأة في مواجهة التعصب، وهي أولى ضحاياه! وسبيل مواجة التعصب يبدأ بالحوار بصفته مداولة للحرية، وتداولاً للمعرفة، وشرطاً لازماً لتنمية الثقافة وتجديدها، كما أنه شرط لازم للنسيان الإيجابي، وبتحقيق شرط العدالة يمكن الدخول في المجتمعات والأمم الحديثة. حيث الحوار علامة قبول الاختلاف لا في الآراء والأحكام والمواقف فقط، بل في طرائق التفكير وكيفيات الإدراك والتمثل والتقدير، أي في ما يؤسس الآراء والأحكام والمواقف ويعيِّن أنماط السلوك. الحوار لايكون مع التسلط والاستبداد، لأن الميل إلى التغلب يكف الحاجة إلى الحوار أو يعلقها، أو يحول الحوار إلى مساجلة ومبارزة كلامية وجدال عقيم، خاصة حينما تتماهى الذات ومحمولاتها، فيغدو الدفاع عن الرأي أو العقيدة دفاعاً وهمياً عن الذات، لأن الذات نفسها تكون أسيرة أوهامها عن نفسها وعن العالم. فنحن في حاجة إلى آراء من نختلف معهم كلياً، أكثر ممن نتفق معهم أو نختلف بحدود دنيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق