الرأي

بعد مائة عام على قيامها .. هل اقترب دور الدول الوظيفية من الانتهاء في الشرق الأوسط ؟

بقلم: أحمد شيخو

منذ تغيير الحضارة المركزية مركزها من المنطقة أو الشرق الأوسط إلى أوربا وثم أمريكا، ومنذ حالة الجمود والتحجر الذي تم فرضه على الفكر الإنساني والمجتمعي والتعددي من قبل السلطويين والدولتيين، الذي أرادوا عبر إستثمار الدين الإسلامي وإستغلاله فرض المطلقية والإحادية والإلغائية وسد الطريق أمام القياس و الاجتهاد والمثابرة وبالتالي ضمان وجودهم في الحكم والسلطة وحتى تم قتل العديد من المفكرين والفلاسفة منذ القرن الثالث الميلادي وحتى الوصول إلى القرن السادس عشر وتشابه الحالة في أوربا والدين المسيحي والمستغلين لها من القياصرة والأباطرة والبابوات في فرض حالة السلطة والتحكم الموافق لاستمرارهم في الحكم والسيطرة بإسم الرب وتأويلاتهم عنه حسب ما كان يصدر عنهم وعن تابعيهم وعندها ايضاً تم قتل الكثير من العلماء والفلاسفة وتجاوز الكثير من حقوق المكونات المجتمعية والإنسانية.

كان لأوربا نهضتها المعروفة المستندة للتاريخ والثقافة منذ البداية الإيطالية وتوسعها في أغلب الأمم والأقوام ، وثوراتها السياسية و الإجتماعية و الصناعية والإقتصادية وإن تم في كثير من الأحيان إنتصار الثورات المضادة ومخالفة الأهداف الاساسية المجتمعية وصولاً إلى الثورات المالية والتقنية والتكنولوجيا الذكية وعصر المعلومة في الوقت الراهن في ظل هيمنة النظام العالمي بقواها الرئيسية الامريكية والعديد من الدول المكملة للدورالأمريكي والمتمم لها كالإتحاد الأوربي و الصيني والروسي والهندي وغيرهم .

لاشك أن تغيير الحضارة المركزية أو حتى يمكننا القول أن تغيير نظام الهيمنة العالمية حينها مركزها وقواها الرئيسية من الشرق الأوسط وإمبراطورياتها ودولها وقادتها إلى أوريا الغربية وإنكلترا وفرنسا وثم بعد الحرب العالمية الأولى والثانية إنتقال الهيمنة المركزية وموقعها وقوتها الرئيسية إلى اليد الأمريكية مع الدور الثانوي والمتمم والمموه لعدد من الدول معها من الإتحاد السوفيتي وثم الروسي والفرنسي والالماني والصيني وحتى وصولاً للأدوات الإقليمية مثل تركيا وإيران والكثير من الدول الوظيفية والسلطات العميلة والمتواطئة.

كان تقسيم العالم والتحكم به وبموارده وطاقاته وبفكره من أهم ما يشغل القوى العالمية المركزية في نظام الهيمنة العالمية للتحكم بكافة مصادر ومنابع ومراكز القوة حتى لا تخرج قوى منافسة لهم ويضمنوا مصالحهم في أي ترتيب يمكن ان يستجد ويكون غير متحكمين به أو خارج إرادتهم.

في منطقتنا أو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنذ حالة الياس والتشرد والفراغ الفكري والفلسفي والسياسي وحالة الهيمنة الفكرية أو الإيدلوجية والتي ظهرت بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية كأخر ممثل رسمي لاحول ولا قوة له عن الحضارة الإسلامية والشرقية وحتى الآن مازالت المنطقة في دور “الأداة” أو المفعول به رغم مقاومة المجتمعات والشعوب لهذه الحالة.

ويبقى أهم خسارة هي إضعاف أو أحياناً فقدان الذاتية أو الهوية التعددية المجتمعية الخاصة بشعوبنا ومنطقتنا و بقيمنا وبثقافتنا وتاريخنا ووحدتنا الروحية والمعنوية التي تم محاولات كثيرة للنيل منها وتمزيقها عبر الهيمنة الإيدلوجية والفكرية وتضيق مساحات الحرية المجتمعية، وكانت القوموية والإسلاموية أو الإسلام السلطوي، وكثير من حركات التحرر الوطني والعديد من التيارات اليسارية والليبرالية واليمينة ورغم نبل أهدافهم وعدالتهم لكنهم لم يكونوا سوى دوران في فلك وآفاق ماتم تصديره وتفكره ورسمه لمنطقتنا للتحكم به من منطلق توجيه وعي وأفكار ومناهج القوى السياسية الفاعلة والتحكم ببوصلتها حتى تكون في خدمة الهيمنة العالمية على المنطقة مهما إنحرفت وإبتعدت عن المسار الموجه والمحدد بعناية إن عبر المنظمة الفكرية الاستشراقية وإن عبر الشخصيات والمجموعات وبعض التيارات التي لايهمها سوى السلطة بعيداً عن خدمة المجتمع وتحقيق الحرية والعدالة والتنمية والكرامة له.

لاشك أن شعوبنا ومجتمعاتنا عانت بشكل كبير في المئة السنة الأخيرة وحتى اليوم، وهذه المعاناة كانت تمارسه بالوكالة وكأدوات وكقوى محلية وإقليمية، ماتم إيجاده من دول وسلطات وبعض الأحزاب والقوى العميلة بعدما تم تقسيم المنطقة وشعوبها وفق مصالح الهيمنة العالمية على المنطقة وليس حسب إرادة ورغبة شعوبها.

وكانت من بين أكبر الدول الوظيفية في الإقليم هي الدولة التركية المستحدثة في 1923 والتي تم إيجادها وخلق أمتها التركية النمطية الدولتية بإرتكاب سلاسل من المجازر والإبادات على شعوب ميزوبوتاميا والأناضول، نظراً لموقعها وموضعها ولكونها كانت أخر ممثل رسمي لأكبر ديانة في المنطقة. ولذلك تم إعطاء تركيا الدولة وسلطاتها المتعاقبة ثلاث وظائف أساسية:
1_معاداة الإسلام والعمل على تقسيم الأمة الإسلامية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين والعرب.

2_معاداة الكرد والقيام بالدور الرئيسي في إبادة الكرد وتتريكهم وتغيير ديموغرافية مناطقهم (كردستان) والعمل للقضاء على لغتهم وثقافتهم و مجتمعهم وإلحاقهم بالأمة التركية وأمم الدول التي تتحكم بأراضي كردستان.

3_معادات الشيوعية والإتحاد السوفيتي وتمدد الفكر اليساري.

وكان كل خروج من قبل اي قسم من الدولة أو أي مسؤول مؤثر خارج هذه الأهداف كان مصيره القتل والإخفاء تحت ممارسات وحجج واحيانا انقلابات إذا لزم الأمر حيث أن البرجوازية اليهودية والتركية بصيغة التركياتية البيضاء كانت منذ البداية مع الإتحاد والترقي صاحبة الكلمة والدولة العميقة وثم كان إدخال تركيا إلى حلف الناتو في الخمسينات وإحداث تابعية لغلاديو الناتو ضمن الدولة التركية بإسم أرغنكون التي ضمن مفاصل كانت لها التأثير المطلوب من قبل النظام العالمي وقت الحاجة. لكن هذه الوظائف وأهميتها اصبحت ضعيفة بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي وظهور علاقة تركيا بداعش والقاعدة وتعاون التحالف الدولي المشكل من حول80 دولة ومنظمة مع الكرد ومكونات المنطقة في الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية لمحاربة داعش، وظهور حقيقة تركيا ودورها السلبي تجاه الدول العربية المحورية واحتلالها لأجزاء من الدول العربية وتحكمها ببعضها الأخر ودعمها للإخوان الإرهابيين واستغلالها للمسلمين وللإسلام كمرتزقة واداة للهيمنة والعثمنة.

وكانت إيران وسرقة ثورتها الديمقراطية بمكونات إيران المتعددة العرقية والسياسية والألوان المتعددة والمختلفة من قبل ثلة من رجال الدين المرسلين من قبل النظام العالمي المهيمن بغرض فرض نموذج حكم معين من الشيعة الإسلامية القومية تكون في خدمة نظام الهيمنة العالمي بشكل فعال ولو بشكل وترتيب مختلف عن المعتاد لخداع وتضليل شعوب المنطقة وبعض تياراتها وقاها المجتمعية.

وكانت وجود إسرائيل عبر تهيئة وتسهل الأرضية لتواجدها، بعد تشكيل تركيا وتقسيم الكرد وإبقائهم دون حقوق وتقسيم الشعب العربي إلى 22 دولة. واعترفت تركيا بإسرائيل كأول دولة إسلامية شكلا ورسمياً بعد 10 دقائق من إعلانها، كوظيفة وكضرورة لإستمرار تركيا المستحدثة، ولاشك أن تعاون وعلاقة تركيا وخصوصاً سلطة العدالة والتنمية مع إسرائيل يتجاوز علاقة أي بلدين من حيث عمق العلاقة وضرورتها وتبعية تركيا وخدمتها لإسرائيل ومساعدة إسرائيل لها.

ونظراً لكون الحضارة المركزية وتشكيل أول الدول في التاريخ كانت في المنطقة وبالأخص في بلاد الرافدين وميزوبوتاميا ونتيجة تلاقي الثقافة الأرية والسامية. هذه الاصالة والعمق التاريخي والسلطوي والإنساني والفكري والذهني، جعل كل محاولات توظيف المنطقة وإعطائها ترتيب وشكل ودور مخالف لحقيقتها وغير موفق وبل مسبب لكثير من الأزمات والقضايا.

وبعد حوادث السنوات العشرة الأخيرة وما قيل إنه الربيع العربي أو ربيع الشعوب وقبله القضايا في تركيا وإيران والقضية الفلسطينية وتداعياتها والحروب العديدة في المنطقة. ظهر أن كل ماتم فرضه خارج ثقافة وإرادة شعوبها لم يلبي حاجات المجتمعات في العدالة والحرية والديمقراطية والتنمية والمساواة والأمن والاستقرار والسلام بل أكد مرة أخرى أهمية قيام المجتمعات والشعوب بتنظيم قواها وإرادتها الحرة و تجديد قيمها وفق المكان والزمان الحاضر، حتى تتمكن من العيش بحرية وكرامة بعيداً عن التبعية والخنوع والإستعباد الذي تم فرضه من قبل الهيمنة العالمية وعبر الأدواة الطبقية والسلطوية المحلية.

وما ظهر من مسارات محاولات بناء العلاقات الجديدة بين تركيا وإيران وروسيا والصين في جهة وكذلك تطور العلاقات بين دول المنطقة التي هي تجسيد لإرادة الهيمنة العالمية وتوقيع إتفاقيات إيراهيم من جهة أخرى وظهور القوى الكردية المجتمعية الديمقراطية كعنصر فعال ومؤثر في الشرق الأوسط، يعطينا إنطباع عن تغيرات كبيرة وإمكانية إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يتوافق مع عدم السماح للتحالف التركي والإيراني والروسي والصيني بالتبلور كطرف مضاد لشعوب المنطقة وأممها الرئيسية كالعربية والكردية، التي ليس أمامها سوى التقارب و التحالف لتأمين الإحتياجات الأمنية المتزايدة وظهور القوى العربية والكردية كاطراف فاعلة في الترتيب الجديد للمنطقة كحالة طبيعية وصحية ومقبولة ومدعومة حتى من بعض القوى العالمية، كنتيجة سعي تركيا وإيران للهيمنة على المنطقة في ظل وجود أي فراغ أو تناقض بين أممها الرئيسية.

في ظل عصر المعلومة وأهميتها والأجيال المختلفة من التكنولوجيا وإستخدامات الانترنت المختلفة و في تأمين وتحقيق القوى الفعالة كالاقتصاد القوي والأمن المستقر وإمتلاك المعلومة التي يراد استثمارها و توزيعها و التحكم بطرقها وتوقيتها وأدواتها، تبقى للنظم العالمية ولحالتها المتحكمة والمهيمنة فرصة كثيرة لتغيير أساليب التحكم والسيطرة غير المباشرة على الدول والمجتمعات وحتى الأفراد. هنا تظهر أيضاً إمكانية كبيرة متوفرة للقوى المجتمعية الديمقراطية في ترتيب أولوياتها وتوسيع نضالاتها المتعددة وعلى الصعد المختلفة للتخلص من موقع الأداة والوصول إلى الذات الفاعلة، وتجاوز حالة تجسيد الجسد الجامد إلى تمثيل الروح الإنسانية النابضة التي لا تقبل سوى بالحرية والديمقراطية كمدخل لتحقيق الاستقرار والأمن والسلام لكل الأمم والشعوب والمجتمعات والدول بعد خلق التحول الديمقراطي للدول القوموية وتغيير ذهنيتها ومنهجها وجعلها أكثر مرونة وقابلية للحالة الطبيعية المجتمعات والطبيعة القائمة على التعدد والتنوع والعيش المشترك والأخوة بين كافة الشعوب بعد الذهاب من حالة الفراغ الفكري والفلسفي والفكري، إلى بناء الذهنيات الديمقراطية التي تنتج سلوكيات مستقرة وطبيعية ومجتمعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق