الرأي

ماذا وراء إفراج تركيا عن أحمد آلتان؟

بعد أكثر من أربع سنوات قضاها في غياهب السجن، أفرج نظام أردوغان أخيراً عن الصحافي والروائي المعروف أحمد آلتان، الذي اعتقل بذريعة “دعم منظمة إرهابية”، في إشارة إلى حركة فتح الله غولن، العدو اللدود لأردوغان، والمتهم بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة عام ألفين وستة عشر.

واعتقل آلتان مع عشرات الآلاف من الأشخاص، خلال حملة تطهير واسعة إثر المحاولة الانقلابية، لاقت انتقادات واسعة من المؤسسات والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، داخل تركيا وخارجها، لانتهاكها الصريح لسيادة القانون والحقوق والحريات الأساسية.

والكاتب المعروف هو من بين قلّة من المعتقلين، الذين ضغطت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للإفراج عنهم، لجهة ضعف الأدلة الموجهة ضدهم، واعتبار اعتقالهم انتهاكاً للحق في حرية الرأي والتعبير، كأحد البنود الرئيسية في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تُعد تركيا من أوائل الدول الموقعة عليها بتاريخ 18 أيار 1954.

الإفراج عن أحمد آلتان يُدرجه البعض في سياق محاولات التهدئة مع الاتحاد الأوروبي، لا سيما أن أحد مطالب التكتل الرئيسية للمصالحة مع نظام أردوغان، هو إيقاف الأخير لحملات القمع الممنهجة ضد الخصوم والمعارضين، واتخاذ خطوات جادة على صعيد تحسين واقع حقوق الإنسان واحترام سيادة القانون.

لكن حتى وإن كانت عملية الإفراج هي خطوة محسوبة من جانب النظام الأردوغاني، والهدف منها هو بالفعل ترطيب الأجواء مع الجانب الأوروبي، وليس لأن آلتان بريء حقاً من التهم الموجهة إليه، وأُطلق سراحه على هذا الأساس، فهل هذا الإفراج اليتيم كافٍ لتخفيف التوتر؟ وهل الطرف الآخر بهذه السذاجة لكي ينخدع بألاعيب أردوغان ومراوغاته؟

قبل القمة الأوروبية الأخيرة، أواخر آذار الفائت، والتي كان إعادة النظر في العلاقة مع تركيا على رأس أجنداتها، استبق أردوغان انعقادها بالإعلان عما سمّي بـ “خطة عمل حقوق الإنسان”.

القراءة الأولى لإطلاق الخطة كانت أنها رسالة لقادة التكتل، مفادها أن نظام أردوغان عازم على التراجع عن سلوكه القمعي، الذي تحول إلى سياسة ممنهجة ضد قوى المعارضة عقب محاولة الانقلاب، واعتماد نهج جديد مبني على أساس توسيع هامش الحريات واحترام القيم الديمقراطية وسيادة القانون.

وفي الوقت عينه، كان هناك اعتقاد بأن أردوغان اضطر للإعلان عن تلك الخطة، بالنظر إلى حاجته الماسة لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، بهدف تجنّب المزيد من العقوبات، وكذلك بهدف تلقي الدعم اللازم للتخفيف من عبء الأزمة المعيشية والاقتصادية، التي باتت تشكل كابوساً حقيقياً يهدد طموحاته في الاستمرار بالسلطة.

لكن أردوغان خالف جميع التوقعات، ودون أدنى تريث لما ستُسفر عنه نتائج القمة الأوروبية، أعلن قبل انعقادها بأيامٍ قلائل الانسحاب من اتفاقية اسطنبول لوقف العنف ضد المرأة، وواصل بلا هوادة حملة القمع والتنكيل بالخصوم والمعارضين، ومنها دعوى قضائية لإغلاق حزب الشعوب الديمقراطي، ومذكرات لإسقاط الحصانة البرلمانية عن عدد من نوابه.

وهكذا اتّضح أن نظام أردوغان أبعد ما يكون عن التراجع عن الذهنية القمعية الاستبدادية، وأن خطته تلك ما هي إلا محاولة جديدة لتشديد قبضته أكثر على البلاد، وخنق الحريات العامة والقيم الديمقراطية، تحقيقاً لبناء الحكم الفردي المطلق.

والآن أيضاً وبينما تُفرج السلطات عن أحمد آلتان، فإنها وبالتزامن تصعّد من حملة الاعتقالات العشوائية ضد قوى المعارضة، عبر الزجّ بالعشرات من النساء والسياسيين والعسكريين في المعتقلات، فضلاً عن اقتراحات لرفع الحصانة البرلمانية عن عشرة نواب، بما في ذلك زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو.

بهذه الإجراءات القمعية المتصاعدة ضد قوى المعارضة، ومحاولات تضييق الخناق عليها، يَظهر جلياً أن احترام حقوق الإنسان غير مدرج البتة في حسابات نظام أردوغان، المستمر في صرف الأموال الطائلة على بناء المزيد من السجون، لتستوعب عشرات الآلاف من ضحاياه.

عملية الإفراج عن آلتان لا تعني أن أردوغان على وشك فتح صفحة جديدة مع مواطني بلاده، أساسها احترام الحقوق والحريات، وأنه قرّر أخيراً العودة عن سلوكه القمعي الاستبدادي. وهي كذلك ليست نتيجة لضغوط المحكمة الأوروبية، فنظام أردوغان الذي يُعطي لنفسه الحقّ في الانسحاب من الاتفاقيات الدولية متى ما شاء، اتفاقية اسطنبول مثالاً، ودأبه منذ سنوات انتهاك المعاهدات والتفاهمات الدولية، في ليبيا وسوريا وشرقي المتوسط، آخر من يُذعن لمثل هذه المناشدات. ولكي يُثبت العكس، عليه أن يُطلق أيضاً سراح صلاح الدين دميرتاش وعثمان كافالا، اللذين تطالب المحكمة الأوروبية، منذ سنوات، بالإفراج عنهما، وكذلك آلاف المعتقلين الآخرين الذين اعتقلوا بشكل تعسفي، تحت حجج وذرائع واهية، وربما ذنبهم الوحيد هو مخالفة أردوغان، والاعتراض على سياساته، التي أضرّت كثيراً بتركيا وأدخلتها في مشاكل وأزمات لا تنتهي.

في نهاية المطاف، عملية الإفراج عن أحمد آلتان ليست نابعة من استدارة حقيقية في ملف حقوق الإنسان، وإنما هي مجرّد ذرّ للرماد في العيون، ومناورة لكسب المزيد من الوقت لحين تحقيق بعض المكاسب، وهذا ما لن ينطلي على أحد، كما ستُثبته الأيام حتماً. إن أردوغان، الذي لم تعد لمفردة “حقوق الإنسان” مكانٌ في قاموسه، لا يسعى إلا وراء بناء مجده الشخصي، حتى ولو كان ذلك على أشلاء شعبه، ومؤكد أنه لن يتردّد في إزاحة كل من يراه عقبة أمام تحقيق هذا الحلم، وما أكثرهم في تركيا، من وجهة نظره.

فايق عمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق