الرأي

الدور الصيني لحل الأزمة الراهنة بشأن سد النهضة مع أثيوبيا؟

نادية حلمي

وعن (دور الصين في تقديم بدائل أخرى لمصر والسودان والمجتمع المدني الأفريقي من أجل السلام).

حيث تكمن وجهة نظر الصين البديلة للتعامل مع تلك الأزمة عبر (تعظيم الفائدة المصرية من مبادرة الحزام والطريق لتقوية علاقات مصر بأفريقيا وأثيوبيا على الأخص)، وذلك عبر (إنشاء خط سكة حديد يمتد عبر الصحراء الغربية يربط مصر بشمال السودان إلى الدول الأفريقية الحبيسة كتشاد، وأفريقيا الوسطى وأثيوبيا).

كما اقترح خبراء الصين أيضاً أن (يُطرح مشروع إقليمي من خلال مبادرة الحزام والطريق الصينية في إطار مشروع أوسع لربط القارة الأفريقية بخطوط سكك حديدية يتكامل فيها طموح القوى الأفريقية مع الجانب المصري)، خاصة أنها تطرح نفسها كمحور لتلاقى خطوط السكك الحديدية (لغرب أفريقيا مع وسط أفريقيا)، ومن ثم تستفيد الدول الحبيسة أيضاً كأثيوبيا وتنمو حركة التبادل التجاري بينها.

فالدول الأفريقية التي تشملها مبادرة الحزام والطريق الصينية لا تزيد على عشر دول يشملها الطريق البحري “طريق الحرير” وتحرم الدول الحبيسة، مثل (أثيوبيا) من الانضمام إلى المبادرة بشقها البحري.

كما أن منطق القوة المصري، وفقاً للجانب الصيني، هو: (دور قناة السويس المصرية لشحن بضائع الصين لأفريقيا) بنصف التكلفة، وهذا ما يمكن مصر أن تتفاوض مع الصين بشأن شروط دخولها لأفريقيا عبر القناة المصرية.

واتضح خلال بحث علاقات منظمات المجتمع المدني الصيني بنظيرتها في القارة الأفريقية لبحث سبل السلام في مياه النيل وحل الصراع القائم بين مصر وأثيوبيا، هو قدرة الصين بأن تساعدنا عملياً في مواجهة بناء أزمة سد النهضة في أثيوبيا؟ وهو ما يمكننا من تقديم مقترحات عملية لصانع القرار الصيني. فقد استخدمت الصين مع القارة الإفريقية أسلوب ذكي تحت مسمى تعاون في إطار ما يسمى (شراكة جنوب / جنوب). والأكيد أن المخططون الاستراتيجيون الصينيون لم ينطلقوا من فراغ، بل كان كل شىء مدروس وفق العقلية الصينية البراغماتية. وبالتالي فإن صناع القرار والمخططون الصينيون كانت لها نظرة مستقبلية وبُعد نظر في تحقيق أهدافهم داخل القارة الأفريقية.

فبالنظر للاستثمارات الصينية في أثيوبيا بما يمكنها من ممارسة ضغوط قصوى عليها، اتضح أن هناك اهتمام صيني في الصحف الصينية بالموقع الأثيوبي للدخول إلى منطقة شرق أفريقيا وبالأخص (منطقة القرن الأفريقي) باعتبارها منطقة توازن استراتيجي هام بالنسبة للصين والقوى العظمى، وهو ما اتضح خلال حضور رئيس الوزراء الاثيوبي (آبى أحمد) في (منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي الثاني، الذى عقد في بكين في شهر إبريل ٢٠١٩)، وهو ما أكده السفير الصيني لدى أثيوبيا (تان جيان)، وصرح به (نيبيات غيتاتشيو) المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الإثيوبية، ونشرته الصحافة الصينية، بأن: “إثيوبيا والصين تتمتعان بالفعل بعلاقات متعددة الأوجه، والتي من المتوقع أن تواصل تعززها خلال الفترة المقبلة”. فأثيوبيا لا يمكنها الاستغناء عن دور الصين وفق ما أعلنه “غيتاتشيو” المتحدث باسم خارجية أثيوبيا، بأن “أثيوبيا تعد شريكاً قوياً للصين في القارة الأفريقية. وحضور إثيوبيا المتنامي في المشروعات الصينية من خلال مبادرة الحزام والطريق الصينية هو دليل آخر على العلاقات الثنائية القوية”. كما أعربت (كافة الدول الواقعة في شرق أفريقيا، التي دأبت على التعاون مع الصين في تنفيذ مبادرة الحزام والطريق)، عن اهتمامها الشديد بالعمل بقوة أكبر مع الصين لتنفيذ اتفاقات موقعة بين أثيوبيا والصين.

نفس الأمر ما تعهد به السفير الأثيوبي الجديد لدى الصين (تيشومى توغا تشاناكا) في شهر فبراير ٢٠١٩ بالعمل في مجالات اهتمام مشترك ذات أولوية مع الصين، بما في ذلك منتدى التعاون الصيني الأفريقي (فوكاك) ومبادرة الحزام والطريق التي اقترحتها الصين.

وفيما يتعلق بموضوع مشاركة الشركات الصينية في بناء سد النهضة الذي تذكره التقارير الإخبارية المعنية، لقد أبدى الجانب الصيني موقفه بوضوح، بأن هناك رغبة صينية حقيقية في إنشاء خط سكة حديد يربط مصر بـ “الدول الحبيسة” التي لا تطل على البحار، وعلى رأسها أثيوبيا، لتحقيق التقارب السكاني والجغرافي بين الشعبين المصري والأثيوبي.

فالمصالح الاقتصادية المتنامية بين الصين وأثيوبيا، ستمكنها من ممارسة ضغوط عليها، حيث يوجد ما يزيد عن (٥٠٠ شركة صينية واستثمارات تفوق بليون ونصف دولار). وتستثمر الصين في (البنية التحتية الأثيوبية وقامت ببناء الطرق السريعة التي تربط العاصمة الأثيوبية “أديس أبابا” بجيبوتي)، كما تسيطر الصين على أعمال الطرق بواقع ٦٠% من مشاريع الطرق. وبلغ عدد المشاريع الصينية في سنة ٢٠١٧، أكثر من (٦٢٤ مشروعاً، بما يعادل ٤ مليار دولار).

علاوة على دور الصين في توفير الوظائف للأثيوبيين، فقد وفرت الصين حوالي (١٠٠ ألف فرصة عمل للعاملين الأثيوبيين) سواء داخل مشاريعها الخاصة في أثيوبيا أو عبر شركاتها العاملة في أثيوبيا، ونجد أن (نصف هذه العمالة الأثيوبية تصنف بأنها ذات طابع دائم وليس مؤقت لدى المشاريع والشركات الصينية)، ويبلغ إجمالي الاستثمارات الصينية بأثيوبيا حوالي ١٢ مليار دولار.

ويمكننا في مصر استغلال التنافس الصيني الأمريكي في منطقة شرق أفريقيا، وبالأخص أثيوبيا، للحصول على شروط أفضل عند التفاوض المصري مع أثيوبيا. مع العلم أن الولايات المتحدة الأمريكية تقدم دعماً كبيراً لأثيوبيا، وذلك (نقلاً عن موقع الخارجية الأمريكية) ذاتها، فقد قدمت الحكومة الأمريكية حوالي ٨٧٠.٠٥٤ مليون دولار مساعدات للجانب الأثيوبي. وتعد المساعدات الأمريكية الرسمية لأثيوبيا، بمثابة (أكبر نسبة مساعدات ومساهمات أمريكية مقدمة لدولة أفريقية) أتت عبر واشنطن لأثيوبيا. كما يقدم (الاتحاد الأوروبي) ذاته قرابة (المليار يورو منح مرتبطة بالمشاريع التنموية في أثيوبيا)، وهذا يؤكد أهمية الموقع الأثيوبي لدى القوى العظمى كمنطقة (تنافس أمريكي – صيني)، فضلاً عن رغبة دول الاتحاد الأوروبي ذاته بلعب دور أكبر.

كما أن الصين من خلال (استراتيجية بكين للانتشار السكاني حول العالم خدمةً لمصالحها) فطنت لأهمية تواجد العمالة الصينية ورأس المال البشرى الصيني في أفريقيا وداخل أثيوبيا بالأخص، حيث يلاحظ أن هناك حوالي (٦٠ ألفاً من الصينيين الذين يعيشون ويعملون في أثيوبيا بشكل دائم)، حيث يشاركون في كل شيء بدءاً من العمل في قطاعات الاتصالات وخطوط السكك الحديدية، وانتهاءاً بتوظيف أو شراكة مع ما يصل إلى مليون مواطن أثيوبي.

وفى لقاء مع السفير الصيني لدى أثيوبيا والاتحاد الأفريقي “لا يى فان” La Yifan في شهر يناير ٢٠١٦ نشرته عدد من (المواقع الصينية)، فإن السفير الصيني لدى أثيوبيا (بدد الانتقادات من قبل البعض بشأن سعى الصين للهيمنة على العلاقات التجارية واستخراج الموارد والمواد الخام من أثيوبيا والقارة الأفريقية).

وتتنوع استثمارات الصين في أفريقيا وأثيوبيا، فقد صنعت شركة تيكنو الصينية (هواتف رخيصة مصممة خصيصاً للعملاء الافارقة والأثيوبيين من خلال برنامج خاص مصمم بشكل أفضل لالتقاط درجات لون البشرة الداكنة للصور الشخصية). إضافةً إلى أنها أصبحت بمثابة (أول شركة للهاتف تقدم لوحة مفاتيح باللغة الأمهرية لأثيوبيا).

وجذبت (منطقة القرن الأفريقي بشكل رئيسي الاستثمارات الصينية). ففي إثيوبيا، مولت الصين (نظام السكك الحديدية) الذي تبلغ قيمته ٤٧٥ مليون دولار في العاصمة وكذلك الطريق الدائري. وأشرفت الشركات الصينية على إنشاء أكثر من ٥٠ ألف كيلومتر من الطرق الجديدة منذ عام ٢٠٠٠. وعلى رأس مشاريع الصين، يأتي (مشروع سكة حديد إثيوبيا – جيبوتي) ويأتي حوالي ٧٠% من الأموال من قبل بنك “إكس مين” الصينيExmin .

ووصل الأمر أن عينت أثيوبيا (ضباط اتصال ناطقين بالصينية لتسهيل الاستثمارات التي تأتى بها بكين) للبلاد. فعلى سبيل المثال، يقع على بعد ثلاثين كيلومتراً عن (مطار بولي الدولي) في العاصمة الأثيوبية “أديس أبابا”، توجد (حديقة صناعية حديثة تدعى بحديقة صناعية شرقية، يقع فيها مصنع للأحذية لمجموعة هواجيان الصينية المتقدمة عالمياً في صناعة الأحذية الحريمي، حيث يعمل الكثير من الأثيوبيين). هذا ويعد إنتاج الأحذية عمل ومجال جديد في أثيوبيا. ورغم أن تكلفة الأيدي العاملة الأثيوبية رخيصة، فإن الفعالية والمهارة في الإنتاج هناك أقل من فعالية الأيدي العاملة الصينية. في هذا السياق، لم تكن جودة الأحذية عالية. ومن أجل تحسين قدرة الإنتاج للعمال المحليين، اتخذت مجموعة (هواجيان) بعض الإجراءات لتدريب وإعداد العمال المحليين، منها بناء غرفة التدريب الخاصة ودعوة الخبراء الصينيين المميزين لنقل وتعليم التقنيات للعمال المحليين واختيار العمال الممتازين لتدريبهم بمقر المجموعة في “دونغقوان” وبالمدرسة الفنية في مدينة “قانتشو” الصينية لتعلم التقنيات المعنية ومهارات إدارة المصنع واللغة الصينية. في الوقت الحالي، تتولى دفعات من العمال العائدين إلى أثيوبيا مسؤولية الإدارة الجديدة.

ومنذ بدء العمل في هذا المشروع عام ٢٠١٢، كان يبلغ عدد العمال الذين يعملون في أثيوبيا أكثر من أربعة آلاف عامل، منهم أكثر من ثلاثة آلاف وثمانمائة أثيوبي. الآن، بإمكان العمال المحليين تصنيع وإنتاج الأحذية بمهارة. ينتج المصنع ستة آلاف وخمسمائة زوج من الأحذية النسائية كل يوم. ويصدر مليوني زوج من الأحذية النسائية إلى الخارج كل سنة، ويبلغ متوسط الربح ١٠% .

وتعد أثيوبيا الآن مركزاً للتصنيع في أفريقيا بفضل مساعدات الصين لها، فوفقاً للمعلومات المعنية، تعمل أثيوبيا على (تطوير الصناعات الكثيفة العمالة وصناعات تجهيز الصادرات). وتبلغ مساحة منطقة (هواجيان-إثيوبيا للصناعات الخفيفة) التي يجرى العمل الصيني فيها، أكثر من مائة وثلاثين هكتاراً. من المتوقع أن تدخل الحكومة الأثيوبية مؤسسات تجارية في قطاعات الملابس والأجهزة الإلكترونية والأحذية والحقائب وغيرها من القطاعات المختلفة، للمنطقة لدفع بناء منطقة صناعية متعددة الوظائف.

وتأكيداً لأهمية أثيوبيا للصين، فقد أشار البروفيسور الصيني (لين يى فو) Lin Yi Fu في كلمته خلال منتدى (بوآو الآسيوى) في عام ٢٠١٧، إلى أن “أثيوبيا تشهد تغيرات كبيرة على الساحة الدولية بفضل مصنع (هواجيان) في هذه الدولة”.

وتعد أثيوبيا حالياً هي الدولة الأفريقية الأولى في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مجال التصنيع سنوياً، وقد أنشأت الكثير من الشركات الدولية مكاتب فرعية لها في أثيوبيا.

وخلال فترة انعقاد (دورتي المجلس الوطني لنواب الشعب والمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني) في مارس ٢٠١٨، قال (تشانغ هوا رونغ) عضو المجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، في مقابلة مع مجلة (الصين اليوم)، بأن:

“الرئيس الصيني “شي جين بينغ” أشار إلى بناء رابطة المصير المشترك للبشرية بين الصين وأبناء القارة الأفريقية”. مع تأكيد السيد “تشانغ” بأنه “يعرف جيداً اتجاه تطور مجموعة هواجيان الأثيوبية ذات الخبرة والتدريب الصيني، لذا فإنه من أجل تعزيز قوة الوطن، يجب على المؤسسات الصينية أن تتحمل مسؤولياتها”.

أما الخطوة التالية، فأشار “تشانغ” إلى أنه “من المتوقع أن توظف مجموعته الصينية حوالي مائة ألف عامل أفريقي بحلول عام ٢٠٣٠. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تحقيق التنمية بالفعالية العالية وارتباط تنمية المؤسسة بتنمية أفريقيا في نفس الوقت، وهذه الأشياء من أجل بناء رابطة المصير المشترك للبشرية بين الصين وأفريقيا.

وقد أظهر تقرير من منظمة “ماكينسلي” الدولية في عام ٢٠١٧، بأن: “نمو الاستثمار الصيني كان مرتفعاً بشكل مستمر وبمعدل نمو متوسط بأكثر من ٥٢% سنوياً في أثيوبيا”. ووجدت الدراسة أن هناك أكثر من (١٠ آلاف شركة مملوكة للصين تعمل في أفريقيا)، منها حوالي ٩٠% مملوكة ملكية خاصة لمستثمرين صينيين.

وأمام هذه التطورات حصلت أثيوبيا على قروض ضخمة من الصين، حيث (رفعت سياسة البنوك الحكومية الأثيوبية القروض) إلى أكثر من ١٢.١ مليار دولار منذ عام ٢٠٠٠، وفقاً لــ (مبادرة أبحاث الصين في إفريقيا) بجامعة “جونز هوبكنز” بالولايات المتحدة.
ويرتبط الاهتمام الصيني بأثيوبيا بــ (مشاريع البناء) ارتباطاً وثيقاً، مما وفر العديد من الفرص للإثيوبيين، الذين يربطون بين التواجد الصيني ومستقبل البلاد.

للإجابة عن تساؤل ما هو مستعد أن يبديه الجانب الصيني مع مصر كحلول مقترحة، فهي كالآتي:

1 – تعظيم الفائدة المصرية من مبادرة الحزام والطريق لتقوية علاقات مصر بأفريقيا وأثيوبيا على الأخص، وذلك عبر (إنشاء خط سكة حديد بالصحراء الغربية يربط مصر بشمال السودان إلى الدول الأفريقية الحبيسة كتشاد، وأفريقيا الوسطى وأثيوبيا).

2 – ويمكن أن يمتد خط السكك الحديد إلى بتسوانا، أو قد يتكامل مع الخط المزمع التوسع فيه من كينيا إلى رواندا، وبوروندي، وجنوب السودان.

3 – ويمكن أيضاً أن (يُطرح مشروع إقليمي من خلال مبادرة الحزام والطريق الصينية في إطار مشروع أوسع لربط القارة الأفريقية بخطوط سكك حديدية يتكامل فيها طموح القوى الأفريقية مع الجانب المصري)، خاصة أنها تطرح نفسها كمحور لتلاقى خطوط السكك الحديدية (لغرب أفريقيا مع وسط أفريقيا)، ومن ثم تستفيد الدول الحبيسة أيضاً كأثيوبيا وتنمو حركة التبادل التجاري بينها.

فالدول الأفريقية التي تشملها المبادرة لا تزيد على عشر دول يشملها الطريق البحري “طريق الحرير” وتحرم الدول الحبيسة، مثل (أثيوبيا) من الانضمام إلى المبادرة بشقها البحري.

4 – منطق القوة المصري هو: تحدث عن (دور قناة السويس المصرية لشحن بضائع الصين لأفريقيا) بنصف التكلفة، ويمكن الاستفادة منه لتقوية شروط التفاوض المصري مع الصين.

ويبقى لدينا تساؤل مهم، بشأن ظاهرة التحالفات بين أثيوبيا والولايات المتحدة الأمريكية، والذي يمكن تتبع مظاهره، كالآتي:

-فقد قام رئيس الوزراء الإثيوبي (آبى أحمد) بزيارة واشنطن عام٢٠١٨، وشملت زيارته (ولايتي مينيسوتا وكاليفورنيا) حيت يقيم مئات الآلاف من الأثيوبيين. ويصف (تواضروس تيرف)، وهو (رئيس التجمع الأمهري الأمريكي)، باعتبارها إحدى أهم منظمات الأثيوبيين الأمريكيين، قوة علاقة بلاده بواشنطن بالقول “لا توجد دولة أخرى تجمعها العلاقات القوية التي تجمع أثيوبيا بأمريكا في أفريقيا”.

-كما تعد أثيوبيا حليفاً قوياً لواشنطن في (منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا)، وأشارت (دراسة لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي) إلى أن “أثيوبيا تلعب دوراً هاماً في مواجهة تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له في منطقة القرن الأفريقي”.
– وهنا تعتمد أثيوبيا في الترويج لموقفها بشأن سد النهضة في واشنطن على (البعد الإنساني الذي تدعمه تقارير رسمية صادرة عن البنك الدولي، والتي تشير إلى حاجة أثيوبيا الماسة للطاقة الكهربائية). ويشير أحد هذه التقارير الأثيوبية لواشنطن إلى أن “٦٦% من سكان إثيوبيا يعيشون من دون كهرباء وهي من أعلى النسب في العالم”، ويتوقع أن يوفر سد النهضة ٦.٤٥ غيغاوات من الكهرباء، وهو ما سيوفر الكهرباء لملايين المواطنين الإثيوبيين.
وهنا يتضح لنا عمق علاقات أثيوبيا بالقوى العظمى كالصين والولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، والاستفادة من علاقاتهما للترويج لوجهة نظرها بشأن سد النهضة.
ولكن كيف يمكن أن تساعدنا الصين عملياً في مواجهة بناء أزمة سد النهضة في أثيوبيا؟ (مقترحات عملية مقدمة لصانع القرار الصيني):

1 – إنشاء الصين لــ (محطات ضخمة لمعالجة المياه واستخدامها أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية مياه البحر في مصر، وتدريب خبرائنا على تكنولوجيا ومهارات سقوط المطر بطريقة اصطناعية)، وهى ما يعرف بتكنولوجيا (الاستمطار الصناعي).

2 – استقدام خبراء من الصين لمساعدتنا في (إعادة تدوير المياه من خلال محطات معالجة المياه المتطورة)، حتى نستخدم المياه أكثر من مرة، بمعنى تعظيم المتاح.

3 – إمداد الصين للجانب المصري بتكنولوجيا متقدمة لــ (إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصرف الصحي والصرف الصناعي) مرات أخرى.

4 – يجب على الصين أن (تقف مع مصر وتتوسط لإنجاح مبادرتها واقتراحها على الجانب الأثيوبي بإطلاق 40 مليار متر مكعب من المياه كل عام، وإطلاق المزيد من المياه عندما يكون سد أسوان أقل من 165 متراً فوق مستوى سطح البحر)، ودعت مصر (طرفاً رابعاً) في المناقشات بين الدول الثلاث (مصر، السودان، أثيوبيا)، والاقتراح المتفق عليه هو أن دولة الوساطة هي الصين، بالنظر للعلاقات الوثيقة بين الصين ومصر.

5 – تعرض الصين تقديم خبراتها من الفنيين والمتخصصين في الري والزراعة والهندسة للمساعدة في (تشييد السد والاتفاق على التعديلات اللازمة نحو ضمان عدم تأثير السد على الحصة المائية لمصر والسودان) مع ضمان الاستفادة الإثيوبية منه في الوقت ذاته.

6 – تقوم الصين بدور الوساطة مع أثيوبيا من أجل (الاتفاق على تخصيص أراضي لمصر للزراعة بإثيوبيا وكذلك في جنوب السودان)، ضماناً لاستفادة مصر مائياً وغذائياً من بناء سد النهضة الأثيوبي.

7 – على الجانب الصيني، من خلال شركاته العاملة في سد النهضة الأثيوبي (تقديم دراسات وافية ودقيقة لمصر حول جدوى السدود الأثيوبية على نهر النيل)، ومدى تأثير تلك السدود الأثيوبية في حالة إنشائها على منطقة البحيرات العظمى والهضبة الإثيوبية.

8 – على الجانب الصيني التوسط والمساعدة في (تقديم التسهيلات الخاصة بعملية الاستثمار للشركات المصرية فى أثيوبيا)، مثل: شركات (المقاولون العرب والسويدي) وغيرها، وتقديم الدعم الفني لها للتواجد بصورة أكثر فاعلية في أثيوبيا.

9 – ينبغي أن يكون هناك (تعاون استخباراتي ثلاثي بين الصين ومصر وأثيوبيا، خاصةً مع التواجد الكثيف للصينيين في أثيوبيا الذى يقدر بأكثر من ٦٠ ألف مواطن وعامل صيني في أثيوبيا)، من أجل حل عدد من القضايا المشتركة بين مصر وأثيوبيا، مثل: (الإرهاب والأمن والقرصنة، وملفات الحركات المسلحة) في الصومال، وأوغندا، وغرب أفريقيا.

10 – إن توفير الصين لعنصر (التدريب الاستخباراتي والعسكري للقيادات الأثيوبية الأمنية – سواء في الصين أو داخل أديس أبابا – يمكنه أن يرسى بعض التفاهمات لدى الجانب الأثيوبي) حول القضايا المصرية المصيرية.

11 – على الجانب الصيني التوسط لدى أثيوبيا من أجل (شرح الموقف القانوني بالطريقة المثلى حول مخاوف مصر من بناء سد النهضة، وضرورة إنجاز التفاوض حول المواد المختلف عليها في اتفاقية عنتيبي للمياه بين مصر ودول مياه النيل)، بما يحفظ الحقوق المصرية في مياه النيل وعدم المساس بحصتها التاريخية حتى ينتهى الجانب المصري من عملية تنظيم استغلال مياه النهر من خلال تلك الاتفاقية.

12 – قانونياً، إن التحكيم يجب أن يكون الطرفين المصري والأثيوبي موافقين عليه وعلى الالتزام بنتائجه وإلا فاللجوء إليه لن يجدى، ومن هنا (يمكن للصين أن تضطلع بهذا الدور لإقناع الجانب الأثيوبي بالموافقة على اللجوء للتحكيم).

13 – وعملياً، وكحل واقعى لحل الأزمة بين مصر وأثيوبيا، فإنه (يمكن للصين أن تقدم مشروع للربط الكهربائي بحيث يسمح بتصريف كهرباء سد النهضة بين البلدان الثلاث “مصر- السودان- أثيوبيا” أو تصديرها عبر الشبكة المصرية للإقليم أو لأوروبا)، ويتم بالتوازي ربطاً بالسكك الحديدية وبطريق بري يقود لخروج أثيوبيا كدولة حبيسة من عزلتها الجغرافية وصولاً إلى البحر المتوسط، والاستفادة من الموانئ المصرية.

14 – ضمان الصين من خلال (ممارسة الضغط على أثيوبيا – بتدفق ما لا يقل عن 40 مليار متر مكعب من مياه السد سنوياً إلى مصر)، كضمان وحيد ملزم حتى إذا ما اكتمل بناء السد في مراحله الأخيرة.

15 – قد تضغط الصين على أثيوبيا من أجل أن تقبل بــ (إطالة فترة ملء خزان سد النهضة من سبع إلى عشر سنوات)، مع الحفاظ على مستوى المياه بسد أسوان في مصر عند 165 متراً فوق سطح الأرض.

16 – على الصين أن تسعى لــ (التوسط لحل نقاط الاختلاف بين الدولتين المصرية والأثيوبية حول مدة ملء السد)، حيث ترى مصر أنها (يجب ألا تقل عن سبع سنوات، ويكون الملء موسم الفيضانات فقط)، في حين تريد أثيوبيا ملء بحيرة السد خلال ثلاث سنوات، واستمرار الملء.

17 – قد تقترح الصين على أثيوبيا أن (تساهم مصر بحصة فعلية في بناء سد النهضة، والحصول على الكهرباء مقابلها لسد العجز في الشبكة الكهربائية لدى الجانب المصري).

18 – على الجانب الصيني أن يتدخل لـــ (إجبار أثيوبيا على الموافقة على مناقشة قواعد تشغيل سد النهضة والتي رفضتها من قبل)، وأصرت على قصر التفاوض على مرحلة الملء وقواعد التشغيل أثناء مرحلة الملء، بما يخالف (المادة الخامسة من نص اتفاق إعلان المبادئ) الموقع في 23 مارس 2015، كما يتعارض مع الأعراف المتبعة دولياً للتعاون في بناء وإدارة السدود على الأنهار المشتركة.

19 – أن الصين بإمكانها أن تلعب دوراً سياسياً خطيراً لــ (الحد من النفوذ الأمريكي عند التدخل والوساطة مع أثيوبيا بعيداً عن طلب الوساطة الأمريكية من مصر لحل النزاع مع أثيوبيا)، مع تذكير الصين للجانب المصري بأن (واشنطن هي الدولة التي هندست السد والذى كان ضمن أربع سدود أخرى، بهدف تضييق الخناق على مصر مائياً).

20 – على الصين أن (تتدخل لحل الخلاف الأساسي بين مصر وأثيوبيا ووضع شروط توافقية حوله، والذي يدور بالأساس حول حجم المياه التي يجب تمريرها). في حين تقترح مصر تمرير 40 مليار متر مكعب في حالة الفيضان، وأعلى من ذلك في حالة الجفاف، يعنى ذلك ملء الخزان في سبع سنوات وأكثر، تتمسك أثيوبيا بنسبة تتراوح بين 30-35 مليار متر مكعب في حالات الفيضان والجفاف، أي ملؤه في خمس سنوات.

21 – وسياسياً، على الصين أن تعي وتفهم أنه (لا يمكن الفصل بين أهمية المشروع من الناحية القومية والسياسة الداخلية ودور القوى والأطراف الدولية والإقليمية كواشنطن وإسرائيل وغيرها، وبين أهمية المشروع في سعى أثيوبيا للنفوذ الإقليمي)، فهو يمتاز بطابعه الجيوسياسي، فمن خلاله يمكن التحكم في صناعة القرار في شرق أفريقيا، ويمكن فهمه في إطار سعى السياسة الأثيوبية للتأثير الإقليمي والقاري.

22 – على الصين أن تبحث على المدى الطويل (عمل دراسات فنية بشأن إمكانية انهيار السد مثلاً، مما يشكل دماراً للسودان كدولة صديقة للصين، ويؤدى إلى غياب السلم والاستقرار في السودان والمنطقة المحيطة به مما يعرض الاستثمارات الصينية في تلك المنطقة للخطر)… فالأزمة بين مصر وأثيوبيا مهددة للاستقرار الاقليمي بما ينعكس بالتالي على (الأمن الدولي).

23 – مبدئياً، قد يكون النهج الصيني للتدخل في جهود الوساطة مع أثيوبيا هو (التذكير بمبدأ قبول السد كمشروع تنموي ذي طابع اقليمي، وفى الوقت ذاته حق مصر والسودان في عدم تعرضهما للضرر في حقوقهما المائية). وعملياً، تتقبل مصر تحمل بعض الضرر على أن يكون قابلاً للسيطرة عليه.

24 – على الصين التدخل لــ (إجبار الجانب الأثيوبي على الإعلان صراحةً أمام مصر والمجتمع الدولي لتبادل المعلومات حول معدلات تدفق النهر، والمواصفات الفنية للسد، أو رؤية أثيوبيا في إدارة سد النهضة في سنوات الوفرة أو سنوات الندرة).

25 – وأخيراً، يجب على الصين أن (تنسق أكثر مع السودان الذى يبدو أنه لم يتعافَ بعد من سياسات نظام البشير المخلوع لصالح مصر، ولتحقيق السلام الإقليمي في كافة الدول الأفريقية لإنجاح مبادرتها العالمية للحزام والطريق).

*الدكتورة نادية حلمي: خبيرة في الشؤون السياسية الصينية – أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنى سويف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق