الرأي

هل يعيد أردوغان والدبيبة ليبيا للمربع الدموي؟

توصُل الأطراف الليبية إلى اتفاق بتشكيل حكومة موحدة، بإشراف الأمم المتحدة، وبالتالي توقف الاقتتال بين الإدارتين المتنافستين، واحدة في طرابلس والأخرى في بنغازي، أحيا الآمال بنجاح مسار الحل السياسي، وعودة الدولة الليبية، بعد سنوات من الصراع الدموي، الذي أججته التدخلات الأجنبية.

وكان يُنتظر أن تكون الخطوة الأولى للحكومة الجديدة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ذي التوجّه والخلفية الإخوانية، خلال المرحلة الانتقالية، التي من المفترض أن تنتهي بعد أشهر بانتخابات عامة في البلاد، هي العمل على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد.

وراهن المجتمع الدولي على الحكومة الموحدة، لإنهاء الوجود العسكري لتركيا، التي أرسلت أيضاً الآلاف من المرتزقة لدعم حكومة طرابلس الإخوانية، ووضع حدّ لطموحاتها في الهيمنة على ليبيا ومقدراتها. لكن الجانب التركي تجاهل جميع المناشدات الدولية بإنهاء تدخلها في الساحة الليبية، وبقي تواجدها العسكري فيها على حاله، فضلاً عن إرسالها دفعات جديدة من المرتزقة، وذلك على ما يبدو بتواطؤ وموافقة حكومة الدبيبة.

الزيارة الأخيرة التي أجراها الدبيبة إلى تركيا، على رأس وفد وزاري رفيع المستوى، جاءت لتعطي مؤشراً آخر على أن لا جديد في المقاربة التركية حيال الملف الليبي، وأن نظام أردوغان ليس في وارد احترام الاتفاقيات والتفاهمات الدولية بشأن الأزمة الليبية، فالزيارة لم تحسم الجدل بشأن أبرز القضايا الإشكالية المعيقة للمسار السياسي، والتي كان من شأنها تأجيج الصراع بين الأطراف الليبية، وفي الوقت عينه زيادة التوتر بين تركيا ودول معنية، بصورة مباشرة، بالملف الليبي، مثل مصر واليونان وفرنسا.

هذا وبينما غابت أي إشارة على مطالبة الدبيبة بإخراج أنقرة لقواتها ومرتزقتها من ليبيا، الأمر الذي كان يتوقع المراقبون أن يكون على رأس أجندة الزيارة، فإن الطرفين في المقابل أكّدا الإبقاء على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، المعروفة أيضاً باتفاق أردوغان ـ السراج، هذه الاتفاقية المرفوضة من الدول الأخرى المطلة على البحر المتوسط، التي تعتبرها تعدّياً على مناطق تقع في المجال البحري لكل من قبرص واليونان، وكانت سبباً في تصعيد التوتر شرقي المتوسط، وتشكّل هذه الاتفاقية إلى جانب تواجد القوات الأجنبية والمرتزقة عقدة الحل الرئيسية في ليبيا.

التمسك بالاتفاقيات السابقة “اللاشرعية”، في تجاهل صريح للدعوات والمناشدات الدولية، وإبرام أخرى جديدة، تكون أنقرة قد مُنحت حصة الأسد من جهود إعادة إعمار ليبيا، فضلاً عما يشكّله ذلك من تكبيل هذا البلد، الذي أنهكته الحرب لسنوات، باتفاقيات بحرية وأمنية واقتصادية، تضمن للنظام التركي مواصلة الهيمنة وتوسيع النفوذ، بطرق وأساليب جديدة، وتمكّنه كذلك من نهب وسرقة ثرواته وخيراته.

من دون شكّ، ستعرقل هذه الاتفاقيات مسار الحل السياسي، وقد تهدّد بعودة الوضع الليبي إلى مربع الصراع الدموي، نظراً لوجود العديد من الأطراف الليبية الرافضة لهذا النهج في التعامل مع الجانب التركي، عبر منحه امتيازات تمكّنه بطريقة مواربة من توسيع نفوذه وتنفيذ أجنداته في ليبيا، وكذلك لأن تعزيز التعاون بين نظام أردوغان وحكومة الدبيبة، يُلحق الضرر بمصالح دول إقليمية، ضاقت ذرعاً بالتدخلات العسكرية التركية في المنطقة، وكانت تأمل أن تشكل المرحلة الانتقالية في ليبيا، نقطة البداية لكبح النفوذ التركي، ووضع حدّ لمشاريع ومخططات أردوغان التوسعية.

كان من المفترض أن تسعى الحكومة الجديدة، خلال الفترة الانتقالية، مستفيدة من دعم المجتمع الدولي لها، لجسر الهوة بين الليبيين عبر طي صفحة الأحقاد والنزاعات، وإثبات جدارتها في تجاوز التحديات الأمنية والاقتصادية وغيرها، وكذلك التأكيد على أنها تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف الخارجية، لكن الدبيبة اختار المضي على خطى سلفه، فايز السراج، الإخواني أيضاً، في الارتماء بأحضان النظام التركي، بالرغم من إداركه لحجم العواقب السلبية المترتبة على اعتماد هذا النهج.

بناء عليه، يظهر جلياً أن المشروع الإخواني التركي التوسعي، الذي يقوده أردوغان في المنطقة، هو الذي يحكم ويضبط العلاقة بين نظام أردوغان وحكومة الدبيبة، وقبلها حكومة السراج، ويتضح أن أردوغان لا تزال ترادوه أحلام استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية البائدة، وأن محاولاته الأخيرة لتحسين العلاقات والتصالح مع دول عربية والاتحاد الأوروبي، ليست أكثر من مناورة، يحاول من خلالها كسب الوقت لتحسين أوضاع بلاده الاقتصادية، وتقوية وتوسيع قاعدته الشعبية، المتراجعة بشكل حاد، لحين إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، بما يضمن له الاستمرار في السلطة، وليعود بعدها إلى سابق عهده.

فايق عمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق