الرأي

المجلس الوطني.. ألا يكفي الـ “ترتي ترتي”؟

لو سألت أي كردي على وجه البسيطة، عن السبب الرئيس في خيبات وانتكاسات الشعب الكردي المتتالية، طيلة قرن من الزمن، لقال لك ودون الحاجة للكثير من التفكير، والكثير من الحذاقة والنباهة، أن مردّها هي حالة الشقاق والتفرقة في البيت الداخلي الكردي، التي تغذيها وتساعد في استفحالها أساساً الأحزاب والتنظيمات السياسية الكردية، المختلفة في توجهاتها وتطلعاتها، والتي غالباً ما تقدم المصلحة الحزبية والشخصية الضيقة، هنا أحياناً عائلية، على المصلحة الوطنية الكردية. هذا الواقع الكردي السيء، والاستثنائي نوعاً ما، ينسحب على عموم أجزاء كردستان، وليس حكراً على جزء بحدّ ذاته، بل ويفاقمه أن ارتدادات الوضع المتفكك والمشترذم في كل جزء، والصراعات والمناكفات الحزبية فيه، تؤثر بالضرورة على بقية الأجزاء.

في شمال وشرق سوريا، أو روجآفا، أو غربي كردستان، أو كردستان سوريا، وهي جميعها تسميات لبقعة جغرافية واحدة! فرضتها أهواء ورغبات الأحزاب السياسية الكردية، ونزاعاتها وخلافاتها العقيمة، هناك العشرات من الأحزاب الكردية، ولا تزال ماكينة التفريخ “شغّالة”، حيث نسمع بين الفينة والأخرى بظهور حزب جديد على الساحة، وأحياناً بعد ولادة الحزب الجديد بأشهر! وهنا لك أن تتخيّل الصعوبة الكبيرة في التعامل مع كل هذه الأحزاب، وتوحيد موقفها وكلمتها، لا سيما بالنظر إلى أن معظمها تبحث في المقام الأول، كما أسلفنا، عن مصالحها الشخصية والحزبوية، أو أنها في الأساس لا تدري ماذا تريد، أو إلى أين هي ذاهبة.

السنوات العديدة من الانشقاقات والمناكفات والخلافات البيزنطية السخيفة، تلقي بظلالها الآن على المساعي الرامية لتوحيد الصف الكردي في روجآفا، بالرغم من المخاطر المترتبة على الاستمرار في الوضع المتشرذم الحالي.

للمرة الثانية، خلال أقلّ من شهرين، يجدّد القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، دعوته لطرفي الحوار الكردي ـ الكردي، أحزاب الوحدة الوطنية الكردية والمجلس الوطني الكردي، لاستئناف الجولة الثانية من المحادثات، التي توقفت منتصف تشرين الأول من العام الفائت، والدخول في نقاش مباشر حول القضايا الخلافية، بهدف تذليل العقبات التي تعترض ترتيب البيت الداخلي الكردي.

عقب سلسلة من الجلسات خلال الجولة الأولى من المحادثات الكردية، برعاية الولايات المتحدة، أعلن الطرفان المشاركان فيها التوصل إلى نقاط مشتركة، من شأنها أن تشكل أرضية صلبة يمكن البناء عليها في الجولة الثانية، لحل ما تبقى من قضايا إشكالية.

لكن بين انتهاء الجولة الأولى، بكل ما رافقها من أجواء إيجابية أشاعها الطرفان الكرديان، وحتى هذه اللحظة، في انتظار انعقاد الجولة الثانية، التي تأخر كثيراً موعد انعقادها، طفت إلى السطح بوادر خلافات عميقة، عززتها العودة إلى المناكفات السخفية التي درجت عليها هذه الأحزاب، ما ضيّق الأفق أمام إمكانية التوصل سريعاً لرؤية شاملة ومرجعة سياسية موحدة تمثل جميع مكونات روجآفا، وبالتالي تكون صوتاً مسموعاً ومعتَبراً يمثلها في استحقاقات الحل السياسي السوري.

نائب المبعوث الأميركي إلى سوريا، ديفيد براونستين، إن كان صحيحاً ما تناقل عنه، بشأن إصرار بلاده على إنجاح الحوار الكردي ـ الكردي، سواء مع المجلس الوطني الكردي أو بدونه، وبغض النظر عن عجز عقولنا عن فهم كيف يمكن أن يتم ذلك، أو ما هي الخطة أو المحاولة البديلة الممكنة، إنما يعد مؤشراً إضافياً على أن هناك تعنتاً وممانعةً من جانب المجلس لاستئناف الجولة الثانية من المحادثات. هل هذا يعني أن المجلس وحده يتحمل مسؤولية تعقيد مسار الحوار وتأزيم الحل؟ قطعاً، لا. فالمسؤولية مشتركة ويتحملها الطرفان. لكن يسجّل على المجلس الوطني تمسّكه بشروط مسبقة لخوض المحادثات، العقبة الرئيسية دائماً وأبداً أمام إطلاق أو نجاح أي حوار، سواء قبل الجولة الأولى، عندما أعلن تمسكه بحصة “الفيفتي فيفتي”، أو الآن قبل الخوض في الجولة الثانية عبر مطالبته أحزاب الوحدة الوطنية بتقديم اعتذار، وشروط أخرى منها إعادة مناهج النظام السوري وإلغاء خدمة الدفاع الذاتي في مناطق الإدارة الذاتية، وفقاً للتسريبات والمعلومات المتداولة.

ليس انحيازاً إلى طرف بعينه، لكن المجلس الوطني الكردي لم يُثبت حتى الآن، لا قولاً ولا فعلاً، أية نوايا حقيقية لإنجاح المحادثات الكردية. المجلس يتصرف بعقلية “آكل من المحصول أو أفسد الزرع”، منطلقاً من قناعة خادعة بأن الطرف الآخر إنما يقدم على هذه الخطوة من موقع ضعف وحاجة، وليس من موقع الحرص على مستقبل هذه التجربة وضروراتها الملحة. ثم إن المجلس الوطني يتصرف، وحتىى قبل زمن بعيد من انطلاق المحادثات، وكأن في روجآفا كتلتين سياسيتين فقط لا غير، المجلس والإدارة الذاتية، وهو ما كشف عنه صراحة منذ أن رفع شعار “الفيفتي فيفتي”، أي التقاسم بينهما بالتساوي، وإلا لماذا مثلاً لم يقل “الترتي ترتي”، أو “الثرتي ثرتي” مراعاة لمشاعر اللغويين، كي لا يبخس حق الآخرين في أن يكون لهم فتات المناصب على الأقل، وكمثال هنا الحزبين الكرديين الوحدة والتقدمي؟

أحزاب الوحدة الوطنية أعلنت موافقتها على استئناف الجولة الثانية من المحادثات، استجابة لنداء مظلوم عبدي، ويبدو أن المجلس الوطني الكردي سيوافق بدوره، وإن على مضض، على استئناف المحادثات، لا سيما بعد تصريحات الضامن الأميركي ذات العلاقة، لكن يبقى السؤال: هل سيدخل الطرفان الجولة الجديدة بنوايا صادقة وحقيقية، وبعيداً عن مورثات وفيروسات الشقاق والنفاق، أم أننا أمام فصل جديد من الضحك على اللّحى، وصفحة أخرى من تاريخ الخيبات والانتكاسات؟

فايق عمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق