الرأي

العالم لأردوغان: نريد أفعالاً

طيلة السنوات الماضية، كانت السمة الغالبة لسياسة النظام التركي، هي التدخل السافر في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وتأجيج الصراعات التي تشهدها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مستغلاً ضعف وهشاشة الأنظمة الحاكمة، وكذلك التساهل الدولي معه، لا سيما من جانب الولايات المتحدة، حيث غضّت الإدارة السابقة الطرف عن تجاوزات أنقرة وانتهاكاتها العديدة للقانون الدولي والإنساني، نظراً للعلاقة الشخصية التي كانت تربط ترامب وأردوغان، فضلاً عن العلاقات الوطيدة لبعض أركان تلك الإدارة مع تركيا، ودعمهم اللامحدود لسياساتها، والمثال الأشهر هنا هو المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، جيمس جيفري، المعروف بمحاباته لتركيا، وبقربه الشديد من دوائر القرار فيها، وقد لعب دوراً سلبياً جداً في موضوع الخلاف الكردي ـ التركي، على الساحة السورية، بالانحياز المكشوف إلى جانب أنقرة، الأمر الذي سهّل الاعتداءات التركية المتكررة على مناطق شمال وشرق سوريا، وبالتالي احتلال مساحات واسعة منها.

لكن، مع وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، الذي ينظر بكراهية شديدة إلى أردوغان، بلغت حدّ وصفه بـ “المستبد”، وسبق أن وعد خلال حملته الانتخابية، بتقديم الدعم والمساندة للمعارضة التركية لإزاحته من السلطة، كما وعبّر مراراً عن الحاجة لردع أردوغان ولجم طموحاته السلطوية والتوسعية، أدرك النظام التركي أنه خسر ورقته الرابحة في واشنطن، وطويت معها الحقبة الذهبية بالنسبة له، عندما كان يسرح ويمرح كيفما يشاء، لا يردعه رادع عن سياساته التخريبية وممارساته الاستفزازية في المنطقة. أضف إلى ذلك، سلسلة من المتغيرات التي حصلت في المنطقة، ومنها تشكيل حكومة جديدة في ليبيا، كخطوة عملية على طريق إنجاح المسار السياسي، والضغط الدولي لإخراج جميع المجموعات المرتزقة من البلاد، وهنا المعني أولاً وأساساً هم مرتزقة أردوغان. هذا إلى جانب تشكل تكتلات جديدة في المنطقة، بين دول يجمعها السخط والاستياء من الممارسات والانتهاكات التركية، التي تشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، وهي موجهة ضدها في الأساس. هذه العوامل مجتمعة دفعت أنقرة لإعادة النظر في سياساتها حيال جملة من المسائل والقضايا، فجاءت الاستدارة الحالية في مواقف النظام التركي، وللمرة الأولى تحلّ النبرة الهادئة في خطاب أردوغان، الذي غلب عليه لسنوات الطابع العدائي الهجومي، وهكذا كانت دعواته الأخيرة لفتح صفحة جديدة في العلاقات، مع حكومات المنطقة والحكومات الغربية، والعمل معاً لإيجاد الحلول المناسبة للقضايا الخلافية وإزالة الإشكاليات القائمة.

لكن، هل تكفي الأقوال وحدها؟ وهل يمكن تصديق أردوغان؟

لدى أردوغان مشاريع توسعية استعمارية، وتراوده أحلام تتجاوز حدود وأمجاد الإمبراطورية العثمانية البائدة، ويمكن استشفاف ذلك من الخرائط التي ينشرها النظام التركي حول حدود تركيا المستقبلية، والحديث عن “الوطن الأزرق” وحق تركيا في استغلال جميع الموارد الواقعة ضمن ما تعتبره حدودها في البحار المحيطة بها، والتي تقدر مساحتها بنصف مساحة تركيا، ولتحقيق هذه الأهداف انتهج نظام أردوغان، خلال السنوات الفائتة، سياسة توسعية عدوانية، كانت سبباً في توتير العلاقات مع الغرب والعديد من دول المنطقة، وكان الخاسر الأكبر من هذه السياسة هي تركيا نفسها، لجهة ارتداداتها السلبية، على الداخل حيث التردي الكبير في الوضع المعيشي والاقتصادي، وعلى الصعيد الخارجي حيث حالة العزلة الإقليمية والدولية التي تعانيها حالياً.

تجاوزات النظام التركي وسلوكياته الإجرامية أفقدته المصداقية أمام المجتمع الدولي، ومن الطبيعي أن يُحيط الشك بأية دعوات للحوار يُطلقها، بالنظر إلى حقيقة أهدافه الاستعمارية والتوسعية التي بات مكشوفة للجميع، فضلاً عن سنوات من الأعمال التخريبية والانتهاكات المتواصلة للقانون الدولي، وكذلك السجل السيء فيما يخص الالتزام بالوعود واحترام العهود والاتفاقيات الدولية، وفي هذا الباب يمكن الإشارة كأمثلة إلى رفضه الاستجابة للنداءات الأممية بتسوية النزاع شرقي المتوسط وفقاً للقانون الدولي، وكذلك انتهاكاته لقرار مجلس الأمن الدولي بشأن حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، وأيضاً التنصل من التزاماته بموجب اتفاقية الهجرة الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، ومؤخراً الانسحاب من “اتفاقية إسطنبول” لحماية المرأة من العنف.

سياسات وممارسات أردوغان، طيلة ثمانية عشر عاماً من وصول حزبه إلى السلطة في تركيا، اتّسمت في معظمها بالرغبة في التوسع والهيمنة على المنطقة وخيراتها، قبل “الربيع العربي” عبر استخدام القوة الناعمة، بالتغلغل في المجتمعات العربية عن طريق العزف على وتر المشاعر الدينية والروابط الثقافية والاجتماعية والتاريخية، وبعده بالتدخلات العسكرية المباشرة واللجوء لجميع أشكال التهديد والقوة الفتاكة.

أوهام العظمة والهيمنة أدخلت النظام التركي في نزاعات لا تنتهي، مع دول عربية وأوروبية، ومع الولايات المتحدة، وبينما كان حتى الأمس ضرباً من الخيال مجرّد تخيّل تراجعه قيد أنملة عن مواقفه العدائية وسلوكياته الإجرامية، يبادر هذا النظام الآن إلى المناداة بفتح صفحة جديدة في العلاقات مع تلك الدول، التي خاصمها لسنوات وألحق أكبر الأضرار بها وبمصالحها، وذلك لأسباب واضحة يعرفها الجميع وهي إحساسه بفشل سياساته ومخططاته في التوسع والهيمنة، وفي الوقت عينه كمحاولة للتخفيف من عبء الضغوطات الكبيرة، الداخلية والخارجية، التي باتت تهدد عرشه وتُنذر بزوال حكمه. لهذا فإنه من الطبيعي أن كان أول ما طالبت به هذه الدول، بمجرّد دعوة أردوغان للمصالحة وطي صفحة الماضي، هو عدم الاكتفاء بالأقوال، والقيام بدلاً من ذلك بخطوات ملموسة على الأرض، لكنه لا يزال يراوغ ويماطل حتى الآن، ولم تخرج مواقفه الداعية للتهدئة وإزالة التوتر عن السياق النظري، باستثناء ما تردّد عن ضغوطات يمارسها على المنصات الإعلامية التابعة للإخوان في تركيا، أما في الداخل التركي فإن ممارساته وانتهاكاته الأخيرة تدحض تماماً وجود أية رغبة حقيقية لديه لتغيير نهجه وسلوكه، على الأقل في الوقت الحالي. لكي يؤكد النظام التركي جديته في التهدئة والكف عن العبث في شؤون دول المنطقة، عليه أن يقوم بمراجعة شاملة لسياساته وسلوكياته العدوانية، إذ بهذه الطريقة وحدها يمكن أن يكسب ثقة مصر وفرنسا، وبقية الخصوم الذين ينتظرون منه أفعالاً وخطواتٍ حقيقية ملموسة، وإلا سيُنظر إلى دعواته للحوار والمصالحة على أنها لا تعدو عن كونها مراوغة سياسية لكسب الوقت.

لكن، وبصرف النظر عما إذا كان النظام التركي جاداً أم لا، فإنه وبإلقاء نظرة سريعة على الوضع الداخلي الهشّ في تركيا، وحجم الضغوط الخارجية التي تمارسها أميركا وأوروبا، لا سيما برفعهما عصا العقوبات الغليظة، يمكن القول إنه مهما تردّد وراوغ أردوغان، لن يجد في نهاية المطاف بديلاً عن الرضوخ.

فايق عمر
إعلامي كردي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق