الرأي

قصة زيارتين للعراق.. «البابا والحريري»

ربما يكون العراق هو البلد الذي يعتبر صاحب أقدم خضارة إنسانية عرفها التاريخ منذ آلاف السنين والتي كانت قبل مصر والصين والهند. وحينما أقول العراق لا اقصد به العراق بحدوده السياسية والمتعارف عليها الآن وكذلك الأمر بالنسبة لسوريا.

بل أقصد المنطقة الجغرافية التي تضم هاتين الدولتين وأطراف تركيا وإيران والتي كانت تسمى حتى قبل الحرب العالمية الأولى بمنطقة الهلال الخصيب أو ميزوبوتاميا أو وادي الرافدين.

هذه المنطقة التي تجمع أكبر متناقضات الحياة مع بعضها البعض والمستمرة منذ فجر التاريخ، وأن شعوب هذه المنطقة الآن هي سليلة تلك العقليتين المتوارثتين والتي لم تنفكا عنهم رغم كل ما نشهده الآن من حالة فوضى تضرب هذه المنطقة ككل.

والفوضى المنتشرة الآن ما هي إلا امتداد لحقيقة المنطقة منذ ألاف السنين والتي لم تزل مستمرة بكل تجلياتها الفوضوية التي لم تسمح لهذه البلدان العيش باستقرار ولو لمرحلة ما. منذ انتقال من مرحلة العيش كبشر إلى مرحلة الانسان والتي بدأ الانسان معها بالانتقال من العيش في القرى إلى بناء المدن والمعابد بدأت الفوضى تضرب بالمجتمعات رويدًا رويدًا حتى كان الاقتتال ما بين تلك المدن هي السمة البارزة في تاريخ المنطقة. ويمكن تلخيص هذا التاريخ من خلال سرديات ملحمة جلجامش كما يلي:

1 – صراع الآلهة منذ تشكل المدن وحتى الآن كان وما زال سمة كافة المآسي والتراجيديات التي عاشتها المجتمعات جراء ذاك الصراع ما بين ملوم المدن الذين نصبّوا أنفسهم آلهة عن طريق كهنة المعابد الذين كان لهم الدور البارز في ذلك الأمر.

وهذا الدور بكل تأكيد من خلال تتبع حركة التاريخ نراه مستمرًا بنفس الأسلوب والطريقة وحتى الجوهر مع اختلاف المسميات بعض الأحيان. أي أن صراع الآلهة فيما بينهم ذاك أخذ أشكالًا متعددة في بناء الامبراطوريات المتعاقبة والتي كانت الجديدة منها تنفي السابقة ولا تبقي لها أي أثر أو دليل على وجودها.

2 – كافة الامبراطوريات تلك بدءًا من أكاد وبابل وآشور وميديا والبرس ومرورًا باليونانيين والرومان والبيزنطينيين ومن بعدهم السيطرة الإسلامية بمختلف مسمياتها الأموية والعباسية والمماليك والعثمانيون والآن وما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وتشكل دول المنطقة، معظمها تشكلت على أساس ديني وبمباركة الكهنة أيضًا بمختلف مسمياتهم الدينية حتى الآن. وما نشهده من صراعات مذهبية ودينية بين هذه الامبراطوريات والدول ما هو إلا استمرارية لما بدأته الآلهة قبل آلاف السنين ومن جاء بعدهم، لم يأتِ بجديد سوى تكرار ما كان ولكن بنسخة أسوأ.

3 – معظم الآلهة كانوا يبحثون عن الخلود خارج حدود مملكتهم، بعد أن يكونوا أوثقوا القيود على مجتمعاتهم بحجج كثيرة وترهيبهم عبر الكهنة كي يمنحوا الإله الطمأنينة والثقة ليبحث ما وراء الحدود عن سر الخلود الذي يبحث عنه كل سلطوي لا يفكر سوى بأنانيته وفردانيته على حساب مجتمعه.

وهذا ما تجلى بشكل واضح في ملحمة جلجامش حينما بدأت رحلته مع صديقه أنكيدو بحثًا عن الخلود. وفي النهاية لم يعثروا على الخلود خارج الحدود لأنهم لم يكترثوا لأمور مجتمعاهم وكانوا ينظرون إليهم كعبيد ما عليهم سوى الطاعة والخنوع والعبادة. وبعد ما آلت له نتيجة بحثه عن أكسير الخلود وعاد خائبًا، أيقن جلجامش أن سر الخلود يكمن في الداخل وليس في الخارج، وبالتحديد ضمن ثنايا الاختلافات المجتمعية وتعدديتها الأثنية والمذهبية والإلهية.

من هنا كانت فكرة انشاء أول مجمع للآلهة (“البانثيون”، الذي تم تحويره الآن إلى البنتاغون في أمريكا)، عبر التاريخ في والذي أقر بالتعددية ما بين الآلهة والمجتمعات ولا يمكن خلودها عبر اللون الواحد واللغة الواحدة والدولة الواحدة المركزية.

معلمة هي أحداث التاريخ إن تم قراءتها واستيعابها كما كانت في وقتها وليس كما نحللها نحن الآن. حينها يمكننا معرفة كيف اقنع ارسطو الفيلسوف الاسكندر الأكبر لغزو الشرق والسيطرة على ميزوبوتاميا؟ وماذا كانت تعني هذه المنطقة لهما الاثنين وكل من جاء بعدهم من محتلين كما ذكرنا آنفًا؟ وبنفس الأسلوب سوف نُدرك لماذا ظهرت الديانة الابراهيمية من أورفا بالتحديد وماذا كانت تعني هذه المدينة حتى شكلت شخصية سيدنا إبراهيم لينطلق بوحدانية الإله والتي أفرزت نتائجها عن ظهور الديانة الموسوية والعيسوية والمحمدية من بعده والذين ساروا على نهجه.

وعلى ذكرِ سيدنا إبراهيم حيث كل الدلائل والرُقم تشير إلى أنه عاش في مدينة أورفا التابعة لمنطقة سروج الواقعة في شمالي كردستان على الحدود التركية – السورية المحتلة الآن من قبل تركيا. حيث الآن كافة الشواهد المقترنة بسيدنا إبراهيم متواجدة هناك وشاخصة لكل من يريد تتبع أثره وحواره ومعاقبته من قبل نمرود الذي كان هو أيضًا جعل من نفسه إلهً. حيث جبل نمرود والآثار المنتشرة على سفوحه وكذلك المنجليق الذي استخدم برمي سيدنا إبراهيم موجود في أورفا وكذلك بحيرة أو حوض سيدنا إبراهيم موجود في نفس المدينة والكثير من الشواهد الأخرى التي يمكن الحديث عنها في مقال آخر والاستئناس بالتوراة الغنية بالحجج والمعلومات عن هذه المنطقة وخروج سيدنا إبراهيم منها مع مجموعته.

الملفت للانتباه والمتزامن مع زيارة البابا إلى العراق ككل من جنوبه حتى شماله في إقليم كردستان العراق، على أنه مكان ظهور سيدنا إبراهيم مع عدم تواجد أي من الشواهد التاريخية والأثرية حول هذا الأمر سوى بعض المقولات والابحاث ضعيفة المصادر وغير الموثوقة. ربما يسعون لتغيير وجهة نظر المجتمعات عن بعض الحقائق التاريخية وتركيزها في مناطق أخرى؟ أو أنهم ينظرون إلى منطقة ميزوبوتاميا ككل ويعتبرونها المنطقة التي ظهر فيها سيدنا إبراهيم بعيدًا عن المدينة الأصلية أورفا ومنطقة سروج.

ما يهمنا في هذا الأمر هي الزيارة بحدِ ذاتها التي تعتبر مهمة جدًا من حيث توقيتها الآن رغم ما يضرب العراق الذي هو جزء من الكل لمنطقة ميزوبوتاميا، والتي تشهد صراعات دموية والتي هي استمرارية لما حدث عبر التاريخ. صراعات ما بين الأطراف المحلية بكل مكوناتها الاثنية والعرقية والمذهبية وكذلك صراعات إقليمية ودولية. والكل يبحث عن الخلود من خلال سيطرته على هذه المنطقة.

سر هذه المنطقة غير المكتشف حتى راهننا هي أن الكل يعلم أن الذي يريد السيطرة على العالم ينبغي له السيطرة على منطقة ميزوبوتاميا التي تعتبر قلب العالم بنفس الوقت. لهذا نرى توجه القوى الدولية والإقليمية للسيطرة عليها ليضمنوا لأنفسهم الخلود ويكتشفوا سر هذه المنطقة الذي لم يُكتشف حتى راهننا والمخبئ في رماله ودموعه ودنائه وصرخات وأنين مجتمعاتها.

قالها البابا قبيل زيارته للعراق موجهًا كلامه للجميع: “غدًا سأتوجه إلى العراق في رحلة حج لمدة ثلاثة أيام. لقد كنت أرغب منذ فترة طويلة في لقاء هذا الشعب الذي عانى كثيرًا. أسألكم أن ترافقوا هذه الزيارة الرسولية بالصلاة لكي تتم بأفضل طريقة ممكنة وتحمل الثمار المرجوة”.

إذًا، الزيارة هي للقاء الشعب العراقي الذي عانى كثيرًا من ويلات فوضى الصراع والاقتتال الداخلي والإقليمي والدولي، ويريد الصلاة هناك كي يعم السلام عليهم ويخرجوا من هذه المخنة والمعاناة، ويحثنا كي نصلي معه للعراق وشعبه.

زيارة هدفها الصلاة من أجل إحلال السلام في هذه المنطقة التي باتت تئن كثيرًا جراء ما تعيشه من مصائب، بعدما كانت أرض الحضارة والمدنية الأولى، وأن ما يصيبها هو عار على جبين الإنسانية بكل معنى الكلمة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الزيارة الرسولية، إن لم يكن ثمة أهداف أخرى غير معلنة طبعًا.

أما فيما يخص الزيارة الثانية والمحددة في جزءها الشمالي في إقليم كردستان العراق والتي تمت قبيل أيام هي الزيارة المشؤومة التي قام بها نصر الحريري رئيس الائتلاف السوري المعارض المرتهن والمرمي في أحضان أردوغان.

هذا الائتلاف بكل من فيه من مجموعات وتيارات وشخوص لا يمثلون حتى أنفسهم بعدما تبرعوا لها لخليفتهم وسلطانهم أردوغان ليكونوا له سندًا وعونًا لتنفيذ أجنداته وأطماعه في كل ما يريده. هذه المعارضة السورية التي بدأت حقيقتها تنكشف منذ بداية الأزمة السورية والتي تحولت إلى مجرد أداة قذرة بيد أردوغان وجماعات الإسلام السياسي وخاصة الاخوان المسلمين، تركت كل ما كانت تنادي به من أجل الثورة السورية وتحولت إلى مجرد بيادق شطرنج يحركها أردوغان كيفما يشاء وأينما يشاء ومتى ما يشاء. وبكلمة باتت عار على سوريا ككل إن كانت شعبًا أو معارضة أو نظامًا حتى.

هذه المعارضة التي باركت احتلال تركيا لمنطقة عفرين وسري كانية/ رأس العين وكري سبي/تل أبيض وباركت أيضًا قتل الشعب الكردي في تلك المناطق ووسمتهم بالكثير من الألفاظ النابية التي يخجل الانسان حتى البوح بها، وكانت شاهد على قتل بارين كوباني وهفرين خلف اللتين تحولتا إلى أيقونة للمقاومة ضد هذه المجموعات الإرهابية.

زيارة الحريري لأربيل حملت معها الكثير من الرسائل لشعوب المنطقة ودولها، وهي أن هذه المعارضة والمرتهن عليها ولها ما هو إلا تسفيه للتاريخ والحقيقة التي يسعون لتزويرها واخفاءها عما يريدون تنفيذه على أرض الواقع من قتل الشعوب واغتصابها وتدمير المدن ونحر الرقاب وكل ذلك باسم الثورة والله.

وهي زيارة ما بين الحلفاء والشركاء الذين يسعون لتدمير التجربة الوليدة في شمال شرقي سوريا والمتمثلة في الإدارة الذاتية الديمقراطية التي استطاعت لم شمل كافة شعوب المنطقة ومذاهبها واثنياتها تحت سقف واحد. تعليمات من أردوغان صدرت للحلفاء أو بالأحرى الأدوات بأن يلتقوا ويتفقوا على ما فشل به أردوغان بحد ذاته في غاري لضرب الكرد بالكرد وتصفيتهم.

زيارتين تحملان الكثير من المعاني والرسائل للذين يعقلون والتي مفادها؛

1 – الزيارة الأولى تحمل في طياتها معاني السلام والأمن والاستقرار لهذا الشعب الذي عانى الكثير من الويلات والمصائب على يد من ادعى المعارضة بمعظم مسمياتها الداعشية والحشداوية والكردية في تلك المنطقة والمتمثلة بأصحاب النهج المستعدين للجلوس حتى مع قاتل ابيهم (مثل الشيخ عبد السلام محمد عبد السلام البارزاني الذي أعدمه العثمانيون في 14 ديسمبر 1914 في الموصل) ومغتصب شعبهم (مثلما حدث في شنكال/سنجار والموصل في العراق وعفرين وسري كانية/ رأس العين وكري سبي/ تل ابيض في سوريا).

2 – الزيارة الثانية تحمل في طياتها معاني استمرارية الفتنة والإرهاب والفوضى والقتل في سوريا وبنفس الوقت انقاذ ماء وجه اردوغان بعدما مرغته قوات الكريلا من حزب العمال الكردستاني في جبال غاري/كارا.

قصة زيارتي البابا للعراق الكل والحريري للجزء الشمالي في نفس التوقيت تقريبًا تحثنا على متابعتها بكل تفاصيلها المعلنة وغير المعلنة، ومعرفة ما خلف تلك الابتسامات المرتسمة أمام الكاميرات. لأن ما حدث لا يمكن تمريره مرور الكرام وكأن شيئًا لم يحدث، عواقب هذه الزيارتين سنرى تداعياتهما سلمًا وصراعًا إن كان للعمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق