جولة الصحافة

دمشق وأنقرة تلعبان على وتر النزعة الطائفية والقومية وتأجيج الصراع في دير الزور

هناك غرف للحرب الخاصة يديرها أجهزة الأمن السوري والتركي على الإنترنت والقنوات التلفزيونية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، تعمل بشكل احترافي على مدار الساعة لقصف عقول الناس البسطاء وعامة الشعب في دير الزور لخدمة مصالحهم والتحريض ضد الإدارة الذاتية التي تشكلت منهم.
تقع دير الزور شرق سوريا على ضفتي نهر الفرات، يسار النهر وهو امتداد لبادية الشام، ويمين النهر امتداد لبادية الجزيرة السورية، فموقعها الجغرافي مهم جدًّا من حيث حدودها مع العراق، فهي تحت الأطماع الإيرانية من أجل إكمال مشروع الهلال الشيعي الذي تسعى لتشكيله، لأنه امتداد من العراق مرورًا بسوريا إلى لبنان لتحافظ على مركز لها في الشرق الأوسط.

وتأتي أهمية دير الزور من الناحية الاقتصادية التي تجعلها محط أطماع دول كثيرة بسبب حقول النفط والغاز الطبيعي التي كانت تشكل قسمًا كبيرًا من اقتصاد الدولة السورية، ولكن بعد الثورة السورية وخروج أغلب المناطق عن سيطرة الحكومة، خسرت الأخيرة حقول النفط، وسيطر داعش عليها لمدة أربع سنوات.

التحرير
الكل يعلم أن داعش دمر الأرضية الثقافية والخدمية في المنطقة، وأرهب الناس، وارتكب مجازر عديدة بحقهم وجنّد الأطفال، وحرم المرأة من أبسط حقوقها، لذا حررت قوات سوريا الديمقراطية الجانب الأيمن لنهر الفرات، وقدمت آلاف الشهداء من أجل تحريره، والقضاء على داعش، الخطر الذي كان يهدد العالم أجمع.
وبعد التحرير أصبح الجانب الأيمن من نهر الفرات يدار ذاتيًّا من قبل الإدارة المدنية لدير الزور، لذا بدأت الأطماع تلوح في الأفق بسبب الموقع الاستراتيجي للمنطقة من جميع النواحي، خصوبة الأرض والحدود مع العراق ووجود حقول النفط والغاز الطبيعي فيها، حيث تسعى جميع الدول إلى فرض السيطرة عليها.
وسكان دير الزور من أبناء العشائر العربية، سكنوا فيها منذ أكثر من ثلاثة قرون ونصف، وبسبب استحكام العشائر بالمنطقة وعاداتها وتقاليدها التي تعتبر إرثًا ثقافيًّا لها وتتمسك بها، تحاول الأجندة الداخلية والخارجية اليوم أن تلعب على وتر النزعة الطائفية والقومية.

فبعد هزيمة داعش في دير الزور على يد قوات سوريا الديمقراطية وبدء الإدارة الذاتية بالعمل والتنظيم في المنطقة، تحركت الأجندة لتبدأ ممارسة الحرب الخاصة على أهلها، من أجل زعزعة الأمن والاستقرار فيها، محاولةً تحريض العشائر على الإدارة الذاتية، ومن أجل إعادة سيطرة النظام البعثي الذي لم يكن أبدًا يحمل أي ود تجاه أهل دير الزور، وكان دائمًا ينعتهم بالمتخلفين وأتباع صدام وأنهم أصحاب المشاكل.

كل هذه الأمور خلقت التناقض لدى أهالي دير الزور، وكذلك الممارسات القمعية والاستبدادية عليهم طيلة 43 سنة من حكم البعث لتلك المناطق التي لم ير أهلها من الحكومة أي ودّ أو احترام، ولم يروا أي استقرار أمني.

ألاعيب النظام
فاليوم نجد حكومة دمشق تطلق دعوات وتدّعي أنها تريد تحرير أهالي دير الزور من “الانفصاليين”، وأن الإدارة الذاتية مشروع أمريكي من أجل احتلال المنطقة، وتصريحات بشار الأسد كانت محاولة لتأليب العشائر على الإدارة الذاتية.

ولكن أهالي دير الزور، يدركون تمام الإدراك أن هذه التصريحات وعودة الحكومة إلى مناطقهم ليست من صالحهم أبدًا، لأنهم يعرفون جيدًا الوضع الأمني في المناطق التي تخضع لسيطرة حكومة دمشق، ويعرفون أن الميليشيات تتحكم في كل شيء، ولا توجد أي شرعية للحكومة في جميع مناطق حكمها، سوى الاسم فقط، وكيف أن الميليشيات الإيرانية قد بدأت مشروع التشييع من أجل خلق الصراع الطائفي في المنطقة لكسب موالين لها، ومرتزقة يساعدونها في مشاريعها القذرة، وكل ذلك ليس من أجل التشييع، إنما من أجل المال أو غيره من الأمور التي يرغبون بها، لذا رأينا كيف بدأت مخططات حكومة دمشق عبر استهداف شيوخ ووجهاء المنطقة الذين رفضوا التعامل معها ومع الميليشيات الإيرانية وكان لهؤلاء الشيوخ موقف إيجابي من الإدارة الذاتية.
ومن هؤلاء الذين تعرضوا للاستهداف شيخ قبيلة العكيدات إبراهيم الخليل الجدعان الهفل والشيخ مطشر الهفل الذي وقع ضحية الهجوم، واغتيال المتحدث باسم قبيلة العكيدات سليمان الكسار، والذي كان أول من رحب بالإدارة الذاتية في المنطقة، فكان لهؤلاء الشيوخ والوجهاء دور كبير في تنظيم المنطقة.

من المستفيد من الاغتيالات؟
بعد اغتيال عدد من الشيوخ، بدأت الحكومة السورية والاحتلال التركي باتهام قوات سوريا الديمقراطية بالوقوف وراء تلك الاغتيالات، وذلك من أجل إثارة الفتنة بين العشائر وقسد، وبعد هذه الاغتيالات بدأت حكومة دمشق وكذلك مرتزقة تركيا بإطلاق التصريحات على أنهم جاهزون لمساعدة أهالي دير الزور بالانتفاض ضد الإدارة الذاتية، رغم أنهم هم من تركوا أهالي دير الزور لقمة سائغة بيد داعش الذي ارتكب المجازر والويلات في المنطقة دون أن تصدر أي تصريح.
إن إيران وتركيا والحكومة السورية هم المستفيدون من هذه الاغتيالات، لأن قوات سوريا الديمقراطية لم تقدم آلاف الشهداء من أجل كسب عداوات مع أهالي المنطقة، وليس لها أي مصلحة في استهداف شيوخ العشائر وخصوصًا أن الذين تعرضوا للاستهداف هم الشيوخ الذين يرون أن مشروع الإدارة الذاتية هو الحل الوحيد للقضاء على المشاريع الطامعة بسرقة ثروات المنطقة.

الجميع يتذكر أن الخدمات كانت شبه معدومة في دير الزور في زمن حكم البعث، وفي زمن من أطلقوا على أنفسهم اسم فصائل المعارضة انعدم الأمن والأمان والخدمات، وفي زمن داعش اختفت كل مقومات الحياة، ولكن اليوم وفي ظل الإدارة الذاتية تم البدء بمشاريع لتنمية المنطقة وتطويرها، وبنيت مستشفيات ومدارس، وفتح المجال أمام أبناء المنطقة ليتمتعوا بإدارة مناطقهم وخدمة أهلهم من الناحية الاجتماعية، وقدمت خدمات كثيرة لم يشهدها الأهالي من قبل.
إلا أن بث السموم من قبل الخلايا التابعة لداعش والحكومة السورية والميليشيات الإيرانية وعملاء تركيا، أدى إلى تراجع مستوى الأمن في المنطقة، وظهر ذلك من خلال الهجوم على الشخصيات التي كانت تسعى إلى بناء مجتمع مستقر وآمن دائم في المنطقة، وبث المقاطع الكاذبة والملفقة التي تقول أن الكرد هم من يريدون تدمير المنطقة، وتزامن ذلك مع دسهم لعملاء ضمن الإدارة الذاتية من أجل إفساد المشاريع وسرقة أموال الناس، وبث الدعايات الكاذبة التي شهدها جميع أهالي دير الزور على الفيس بوك والواتساب والتيلجرام وغيرها من صفحات وسائل التواصل التي تخدم إيران وتركيا وغيرهما، من الذين يسعون إلى إثارة الفتنة والفساد ومحاولة التفرقة بين العرب والكرد على أساس القومية والادعاء بأن الكرد لا يكنون الود للعرب.

ومن تلك الأمثلة، قيام الخلايا المحسوبة على تلك الأطراف بتمثيل فيديوهات ونشرها على يوتيوب يظهر فيها من يدّعون بأنهم مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية وعلى أكتافهم ملصقات علم PKK تقوم بضرب النساء وإهانة العرب، هذه المقاطع كانت مفبركة من أجل إثارة الفتن وإعطاء الشرعية لهجماتها، لأن الذين كانوا يتعرضون للاعتداء في تلك المقاطع قالوا أنهم من أبناء المنطقة الشرقية، ولكن في الواقع، إن هذه المقاطع تدعو إلى التساؤل: من هم هؤلاء الأشخاص المعتدى عليهم؟ ماهي أسماؤهم؟ لماذا لم يصرح أحد مباشرةً بذلك؟ لماذا لم يذكروا اسم مناطقهم وغير ذلك؟

إن الإدارة الذاتية تدعم تحرر المرأة، وهذا الاعتداء على النساء مرفوض، ويحاسب من يضرب زوجته، فكيف إذا كان يمثل قوات عسكرية ويفعل مثل هذه الأفعال، فإن عملاء تركيا هم من قاموا بهذه التمثيلية من أجل تحريض أبناء العشائر على القوات.

وإن هدف خلايا تركيا والحكومة السورية وإيران، من نشر مثل هذه الادعاءات والمقاطع المفبركة، هو إضعاف ثقة الجماهير بالإدارة الذاتية ووضع الحواجز بين أهالي دير الزور والإدارة، وحث أهالي المنطقة على المطالبة بحكم النظام أو مرتزقة تركيا.

المصدر: صحيفة روناهي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق