مقالات

نهج الكورداياتي أم كوردياتية النهج؟

صلاح فرحو

يعاني مصطلح الكوردياتي من سوء استعمال عام يفضي إلى تفريغه من دلالته الأصلية، وتتجلى هذه المشكلة في تعدد المعاني والمفاهيم التي تستخدم للإشارة له من دون وضع سياق مناسب يفصل بين هذه المعاني. فيستخدم بحسب الرغبة للدلالة إما على الانتماء أو الأمة الكوردية أو حركة التحرر الكوردية أو الهوية القومية الكوردية أو القوموية الكوردية. فيتم أحيانا الإشارة إلى هذه المعاني كلها دون ملاحظة الفروقات الجوهرية بينها، بحيث يخدم المعنى المراد للـ Kurdayetî إيصاله، الأجندات الخاصة بالمستخدم.
يكشف الفحص اللغوي لكلمة Kurdayetî على أنها مكونة من اسم Kurd واللاحقة ayetî التي تستخدم لتشكيل الأسماء المجردة فيصبح المعنى ببساطة (الكوردية) باللغة الإنكليزية (Kurdishness).
يعطي القاموس الكوردي لكل من kurdîtî/kurdatî, kurdayî وkurdayetî دلالات متماثلة للـ(الكوردية)، ولكن يبدو أن الاستخدام الوظيفي للـ Kurdayetî قد طغى على كل المترادفات الأخرى لهذا المفهوم.
الأدلة التاريخية المتعلقة بمفهوم الـ Kurdayetî وأهميته محدودة ويرجع ذلك إلى أن الكورد اعتمدوا لفترة طويلة على التقاليد الشفوية بدلاً عن المخطوطات الكتابية، حيث بدأ أول استخدام أدبي للغة الكوردية في القرن الخامس عشر1. بدأت الكلمة بالظهور في الخطاب القومي الكوردي في السليمانية في ثلاثينيات القرن الماضي ولا سيما بين النخب العلمانية المثقفة, ثم بشكل مكثف في أعقاب الحرب العالمية الثانية ولاسيما بين أعضاء ” كومه له يه زيانه وي كردستان “(جمعية بعث كوردستان) كدلالة على الهوية القومية للكورد والتي تميزهم عن باقي الإثنيات كالفرس والترك والعرب، ثم بعد انتهاء جمهورية ماهاباد بين القادة والنخب القومية الكوردية في كوردستان العراق,2 وبعد ذلك تم إضفاء الطابع المؤسسي على الـ Kurdayetî بمسحة سياسية احتكارية في أوائل الستينيات عندما عَّرف الحزب الديموقراطي الكوردستاني المصطلح رسميا بأنه الأيديولوجية السياسية للحزب.
كتب الوزير السابق في حكومة إقليم كوردستان الدكتور شفيق قزاز قائلاً: “بما أن الغزاة الإمبرياليين قد أغلقوا كل طريق للتقدم في كوردستان، ومنذ أن تم اغتصاب الحقوق القومية للكورد، شرعت كوردستان في مرحلة تحرر وطني يشكل فيها التحرر من الإمبريالية والسيطرة الأجنبية وتقرير المصير أهم العناصر. تعتبر الـ Kurdayetî حركة اجتماعية في الثورة الكوردية أولت إهتمامها بالوضع المتخلف لكوردستان في الصناعة والزراعة والتعليم والجوانب الأخرى، والتي أُعيدت إلى الحياة من قبل الشعب الكوردي. هذه الحركة هي حركة جماهيرية ركائزها الفلاحون والعمال والمثقفون الثوريون والحرفيون. إنها حركة تتعامل مع الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب [. . .] لقد تواجدت هذه الحركة منذ عشرات السنين ليس كإنجاز لحزب أو فرد ما، وإنما كحركة تاريخية موضوعية تتجلى في كل جانب من جوانب حياة الشعب في كوردستان”.3
يعتبر المفهوم الذي تعبر عنه الـ Kurdayetîأقدم من فكرة الأيديولوجية القومية التي صُدِرَت لنا من قبل الاستعمار في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وبذلك فهي تُعنى ليس فقط بالأيديولوجية القومية السياسية وإنما تعبر أيضاً عن الانتماء إلى اللغة والتاريخ والثقافة والتقاليد الكوردية فضلاُ عن ارتباطها المباشر بأرض الأجداد كوردستان. وبذلك فهي تمثل الخط الأول الذي يميز الكورد كشعب عن باقي الشعوب الأخرى والحركات القومية التي تقودها. إنها الرابط الأهم الذي يجمع بين كل مكونات الشعب الكوردي بتنوع لهجاتهم وطوائفهم وأديانهم وخصوصياتهم السياسية!
ختاماً أدعو للعودة إلى الفهم الصحيح لهذه الكلمة وإعادة الاعتبار لها كأساس جامع للأمة الكوردية بغض النظر عن الإنماء السياسي لأفرادها، وتجاوز الفهم الخاطئ لها كما هو الحال الآن، حيث تحولت إلى أداة سياسية تقسم الشعب الكوردي إلى (كوردي جيد) يتبنى كل ما تعرضه “النخبة الحاملة للواء القومية” و(كوردي فاسد) يتجرأ على التفكير النقدي.

المراجع:

1- Huseyin Tunc. “Kurdayetî and Kurdish Nationalism: The Need for Distinction.” Zanj: The Journal of Critical Global South Studies 2.1 (2018): 43-64. Web.
2- Hassanpour, Amir. “The Making of Kurdish Identity: Pre-20th Century Historical and Literary Sources.” In Essays on the Origin of Kurdish Nationalism, edited by Abbas Vali, 112-162.
3- Qazzaz, Shafiq Tawfiq. Nationalism and Cultural Pluralism: The Kurdish Case [Dissertation]. Washington D.C.: American University, 1971.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق