الرأي

هل تفجّر شنكال نزاعاً مسلحاً بين إيران وتركيا؟

ليس هناك ما هو أشد نفاقاً من ادّعاءات النظامين الإيراني والتركي الحرص على أمن وسيادة العراق، فهذان النظامان استباحا الساحة العراقية، وهما مسؤولان بشكل مباشر عن جلّ المآسي والمعاناة التي يعيشها العراقيون، بكافة أطيافهم ومكوناتهم، منذ سقوط نظام صدام حسين، كما أن حالة عدم الاستقرار التي يعيشها العراق كل هذه السنوات، ما هي إلا نتيجة لتدخلات طهران وأنقرة في شؤونه الداخلية، ومساعيهما المستمرة في توسيع تمددهما وتغلغلهما داخل أراضيه.
الأطماع ونوايا الهيمنة على هذا البلد، المتمتع بموقع حيوي والغني بثرواته، تُشعل مجدداً التنافس المحموم بين النظامين الإيراني والتركي للسيطرة على النقاط الاستراتيجية، وبؤرة التنافس والصراع الجديدة هي منطقة شنكال، التي تُعتبر الموطن التاريخي للكرد الإيزيديين، وتسببت قبل أيام في إيقاد فتيل نزاع دبلوماسي بين الطرفين.
وقد أفصحت المشادة الكلامية بين المسؤولين في إيران وتركيا، عقب تصريحات السفير الإيراني في بغداد بشأن تواجد القوات التركية على الأراضي العراقية ونواياها الاحتلالية، عن تضارب مصالح وأجندات الطرفين فيما يخص الساحة العراقية، نتيجة محاولات كل طرف للعب دور أكبر فيها، وتحويلها في الوقت نفسه إلى حلبة لتصفية الحسابات مع الخصوم.
ومحاولات الطرفين الأخيرة لترطيب الأجواء، عن طريق الخطابات الدبلوماسية، لا يمكن أن تنجح في إخفاء حقيقة نوايا التمدد والهيمنة على الساحة العراقية، وكذلك الصراع الحالي المشتعل حول منطقة شنكال، لا سيما مع مواصلة المسؤولين الأتراك التأكيد على عزمهم على مهاجمتها، بذريعة محاربة مقاتلي العمال الكردستاني، وفي المقابل تعزيز بعض فصائل الحشد الشعبي لتواجدها العسكري في المنطقة، بدفع وإيعاز من الجانب الإيراني، الأمر الذي ينذر بأن الأوضاع قابلة للخروج عن السيطرة في أية لحظة.
تنظر كل من إيران وتركيا إلى شنكال كنقطة استراتيجية يمكن الارتكاز عليها في مشروعهما التوسعي بالمنطقة. فبالنسبة لإيران يمكن إدراك مدى أهمية شنكال بالنظر إلى أنها تقع على خط مشروع “الهلال الشيعي”، ولهذا فإنها على استعداد لإبقاء جميع خيارات المواجهة مفتوحة، لعدم التفريط بالوضع الحالي لها، الذي تشكل بموجب اتفاقية شنكال، حيث أعادتها الاتفاقية إلى سيطرة القوات الحكومية، وانصبّ ذلك في مصلحة طهران، لأنها تمكنت من التحايل على البند المتعلق بضرورة نشر قوات اتحادية فقط، وإخراج جميع القوات الأخرى من شنكال، بما فيها قوات البيشمركة، وذلك عن طريق الدفع بالفصائل الشيعية المسلحة الموالية لها إلى محيط المنطقة، تحت ستار وغطاء القوات الاتحادية. وفي المقابل، تحاول أنقرة احتلال شنكال في إطار سياستها التوسعية المبنية على قضم المزيد من الأراضي، لإقامة القواعد والمقرات العسكرية عليها، ولأهمية موقعها الجغرافي باعتبارها ممراً أمنياً وتجارياً مهماً في المنطقة، كما أن أنقرة تعتقد أنها بالسيطرة على شنكال إنما تضع قدماً على طريق تنفيذ مخططها لتشكيل ممرّ أمني وعسكري، يمتد من حدودها إلى شنكال، وبالتالي محاصرة روجآفا وقطع أي رابط لها مع إقليم كردستان. هناك سبب آخر، لا يجري التركيز عليه غالباً، وهو أن نظام أردوغان يرمي من وراء احتلال شنكال، استكمال سياسات أجداده العثمانيين في إبادة الكرد الإيزيديين، إذ إن صفحات التاريخ تذكر أن العثمانيين شنوا عدة حملات إبادة جماعية ضد الإيزيديين، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. والقضاء على الإيزيديين يأتي ضمن سياسة ممنهجة لنظام أردوغان، وهو ما تؤكد عليه تقارير الهيئات والمنظمات الدولية، وكان آخرها التقرير الأمني الأميريكي الذي نشرته مجلة “ناشيونال إنترست” وأكد أن تركيا وميليشياتها يواصلون سياسة إبادة الإيزيديين في كل من العراق وسوريا.
بالرغم من موروث الخلافات التاريخية، شهدت الأعوام القليلة الماضية نوعاً من التقارب بين طهران وأنقرة، وظهر ذلك من خلال التعاون والتنسيق في جملة من القضايا الإقليمية، على رأسها الملف الكردي والأزمة السورية، لكن التنافس الأزلي بين طهران وأنقرة لفرض الزعامة على المنطقة، والصراع الذي تفرضه وقائع التاريخ ومعطيات الجغرافية، يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إقامة علاقات استراتيجية بينهما، والتعاون الذي نراه اليوم، هو تعاون “المصالح الهشة” الذي فرضته هشاشة أوضاع وظروف البلدين المذكورين، سواء في الداخل حيث يعانيان من أزمات معيشية واقتصادية خانقة، أو خارجياً حيث التورط في جميع ساحات الصراع بالمنطقة، والتبعات المترتبة على ذلك، سواء لجهة استنزاف القدرات المالية والعسكرية، أو تزايد العزلة الإقليمية والدولية عليهما، الأمر الذي حتّم على الطرفين التنسيق في بعض الملفات بالرغم من التضارب الصارخ بين مصالحهما في بعضها، كما في الحالة السورية، حيث يأتي التنسيق لمجرد تقاسم مناطق النفوذ، وذلك بموجب تفاهمات أستانا، وبإشراف ومشاركة من الجانب الروسي.
بناءً عليه، يبدو أن الخلاف المحتدم على شنكال، بين طهران وأنقرة، سيأخذ منحىً تصاعدياً، وأن الاشتباك الدبلوماسي قابل لأن يتطور مستقبلاً إلى صدام مسلح، لا سيما وسط إصرار كل طرف بأن تكون هذه البقعة الاستراتيجية ضمن مناطق نفوذه وهيمنته في العراق. ويدعم هذه الفرضية أيضاً التهديدات القوية التي ترسلها فصائل الحشد الشعبي الموالية لطهران، مثل حركة النجباء وعصائب أهل الحق، التي دعت تركيا إلى سحب قواتها من كامل الأراضي العراقية، وأكدت استعدادها للرد بعنف على أي سلوك عدواني لتركيا في شنكال.

فايق عمر
إعلامي كردي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق