الرأي

مؤتمرات حزب أردوغان تظهر انفصال حكومته عن الواقع

يعقد حزب العدالة والتنمية الحاكم اجتماعات حزبية إقليمية في جميع أنحاء تركيا، جامعا آلاف المواطنين معا في أماكن ضيقة خلال الجائحة.

شبّه أحد مستخدمي تويتر افتتاح مؤتمر الحزب في أنقرة بـ”حفلة لموسيقى البوب”، لكن هذه المقارنة ليست كافية لتعكس هذا المشهد الغريب. كان الأمر أشبه بخلط بين مقطع دعائي لفيلم في هوليوود، ومقطع مقدم من قناة فوكس نيوز، ودراما ملحمية تاريخية تركية، ومباراة كرة قدم وحفل موسيقي، في حدث واحد.

كان أنصار الرئيس رجب طيب أردوغان يهتفون باسمه وعُرض مونتاج لصور عسكرية وموسيقى مرحّبة بالرئيس، وفي مرحلة ما، ينهض أحد معجبي الرئيس ويومئ لإظهار حبه للرئيس، يرد أردوغان: “أحبك وأؤمن بحبك”.

بينما تظل الشركات مغلقة في تركيا، فإن من النفاق أن يعقد الحزب الحاكم مثل هذه التجمعات الكبيرة، ويُمنع الملايين من رجال الأعمال من العمل وإعالة أنفسهم، ومع ذلك، يمكن لحزب العدالة والتنمية الترويج لنفسه. وهذا مثال على أن القانون لا ينطبق على أولئك المرتبطين بالرئيس وحزبه.

كما أظهر مقطع فيديو آخر أشخاصا يدخلون تجمعا لحزب العدالة والتنمية في إزمير، نُظم في انتهاك واضح وخطير لقواعد التباعد الاجتماعي.

وفي 17 فبراير، أفادت صحيفة صباح الموالية للحكومة عن تسجيل أكبر عدد من الإصابات بفيروس كورونا المستجد في مدينتين في منطقة البحر الأسود حيث عقد حزب العدالة والتنمية آخر مؤتمرين له.

وغرد وزير الصحة فخر الدين قوجة في وقت لاحق أنه “يجب على كل واحد منا اتباع الاحتياطات أكثر من أجل العودة إلى الحياة الطبيعية بشكل أسرع”، وأشار الصحفي أحمد جيك إلى أن هذا كان نفاقا نظرا لأن وزير الصحة كان قد حضر جنازة عامة كبيرة. وكتب: “وزير الصحة فخر الدين قوجة يحذر المواطن فخر الدين قوجة”.

كما تحدث أردوغان في الجنازة التي حضرها قوجة، حيث تجاهل الجميع قواعد التباعد الاجتماعي. ويظهر هذا استخفافا واضحا بالقواعد الصحية مما يجعل حزب العدالة والتنمية يبدو وكأنه منفصل عن الواقع الذي يعيشه الشعب التركي العادي، حيث أخبر أردوغان مؤخرا عاملا كان يشتكي من أنه لا يستطيع إطعام أسرته للاستمتاع بكوب من الشاي بدلا من ذلك.

أثناء ذلك، تقول أحزاب سياسية أخرى إن الحكومة منعت أنشطتها، مستغلة القيود الوبائية كذريعة لحظر الحملات السياسية. وقال فرع الحزب الشيوعي التركي في مانيسا إن غرامة فُرضت على أعضائه لتوزيعهم منشورات و”ضايقتهم قوات الأمن لبعض الوقت وحاولت منعهم باستخدام ذريعة الحظر الوبائي”.

هناك شعور بعدم الواقعية في هذا العالم حيث توقفت الحياة العامة تماما، باستثناء تجمعات حزب العدالة والتنمية. ويعرف الشعب التركي أن الاقتصاد يتدهور لكن الحكومة لا تستطيع الاعتراف بهذا الأمر. وبدلا من ذلك، تنظم أكبر الأحداث لإضفاء الطابع الدرامي على الصراع الذي يعتقد أردوغان أنه يقوده ضد كل الأعداء.

وتبقى المسيرات محاولة لتوحيد الائتلاف الحاكم المتهالك وإبراز صورة لقوة لا يمكن الطعن فيها. وفي 1 فبراير، حث أردوغان أعضاء الحزب على التواصل مع الأصدقاء والعائلة الذين أصيبوا بخيبة أمل من الحزب ومحاولة إعادة دمجهم.

وقال أردوغان، في مؤتمرات الحزب في أضنة وأنطاليا وموغلا وبورصة: “دعونا نجند أصدقاءنا الذين انفصلوا عن حزبنا لأي سبب من الأسباب. نحن لا نهمّش أحداً ولا نحكم على أحد. نحن نحترم رأي الجميع طالما لا يتورطون في الإرهاب والفجور والانحراف والعنف”. ويُذكر أن الرئيس يصف كل من يختلف معه بأنه “إرهابي” دون دليل.

بالنسبة للمنظر الثقافي الفرنسي غي ديبور، كانت الإستعراضات والنزعة الاستهلاكية طرقا لخلق مواطنين يمكن إدارتهم بسهولة. كتب في “مجتمع الإستعراض”: “كلما استهلكت أكثر، قل عيشك”. إذا تم التشكيك في السلطة وتحديها، يصبح من المهم تصوير مشهد لإعطاء الانطباع بأن كل شيء على ما يرام.

لكن، ليس كل شيء على ما يرام في تركيا. ليس الاقتصاد على ما يرام، وليس النظام السياسي على ما يرام، وليست وسائل الإعلام والتعليم وأنظمة الرعاية الصحية على ما يرام. ومع ذلك، وضعت الحكومة أنظارها على سنة 2023، الذكرى المئوية للجمهورية التركية، لخلق مشهد يحتفل بانتصار حزب العدالة والتنمية يدعو إلى “جعل تركيا عظيمة مرة أخرى”، ولا يمكن السماح لأي شيء بمقاطعة حلم العظمة هذا، وهذا هو السبب في أن الوباء غير ملائم.

أنشأ حزب العدالة والتنمية، من خلال سيطرته شبه الكاملة على وسائل الإعلام، مجتمعا حيث يتحكم وحده في الرسائل التي يتلقاها الجمهور. كما قال غي ديبور: “يقدم المشهد نفسه على أنه واقع لا يمكن الوصول إليه ولا يمكن التشكيك فيه أبدا. رسالته الوحيدة هي: “ما يظهر جّيٌد، ويظهر ما هو جيد”، ويبقى القبول السلبي الذي يتطلبه مفروضا بالفعل من خلال احتكاره للمظاهر، وطريقة ظهوره دون السماح بأي رد”.

المصدر: أحوال التركية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق