الرأي

سلاح المياه التركي وصمت الغيورين، ازدواجية مُعقدة

لا تقتصر أطماع تركيا الإقليمية في الشكل الجغرافي فقط، لا بل تسعى لتطويق الثروات الموجودة في المنطقة والتحكم بها بغية تحويل ذلك لسلاح فعلي تستخدمه تركيا في معركتها ضد المنطقة وشعوبها، كحال ما تفعله فيما يتعلق بموضوع المياه، حيث عدا عن تدخلها في موضوع سد النهضة وتأجيج الخلافات بين كل من مصر والسودان من جهة وأثيوبيا من جهة فهي تتحكم بشرياني الحياة في كل من سوريا والعراق عبر نهري دجلة والفرات، حيث يوجد عليهما أكثر من سبعة سدود ويغذيان توزع بشري هائل وأراضي واسعة، عدا عن دورهما في إنتاج الطاقة.

تضرب تركيا بعرض الحائط كل الاتفاقيات والقوانين الدولية في منع احتكار هذه الموارد وتحويلها لسلاح في أيّة خلافات سياسية أو اقتصادية بما فيها ما اتفقت هي وكل من دمشق وبغداد في عامي 1982 و 1986 الاتفاقيتان اللتان تحددان حصة الدول الثلاث من مياه النهرين، لا بل ذهبت نحو احتلال أراضٍ من سوريا وجعل النفط مقابل الماء مع العراق، وبعد إنشاؤها لسد (أتاتورك) وحجب المياه لملء خزانه؛ باتت حياة الملايين في كل من سوريا والعراق في خطر بعد تراجع حصة سوريا بالتحديد إلى الربع من الحجم المتفق عليه، وأدى ذلك لتلف الإنتاج الزراعي وانخفاض في مستويات الطاقة الكهربائية وزحف الجفاف على ضفاف النهرين في سوريا والعراق.

نسبة المياه المتدفقة إلى سوريا اليوم لا تتجاوز 200 متر مكعب في الثانية، “خلافاً للاتفاقية السوريّة التركية للعام 1987، التي تنص على أن تضخ تركيا المياه بمعدل 500 متر مكعب في الثانية، ويحصل العراق على 60% منها”، ناهيكم عن تهديد حياة ما يزيد عن ملايين السكان على ضفاف دجلة والفرات.

هذه الخروقات هي ضد السيادة السوريّة لكل من يتحدثون عنها على الدوام وكذلك تهديد مباشر لحياة الملايين من السوريين لمن يدّعون أنهم يخدمون لأجل سوريا وشعبها، حيث الصمت حيال هذه الممارسات التركية وكذلك الاحتلال وعمليات التهجير والقتل وعرقلة مسار الحل ودعم الإرهاب ورفع العلم التركي في المناطق السوريّة وعدم مراعاة خصوصية الواقع والجغرافيا السوريّة كل هذا هو شراكة تامة مع تركيا ضد شعبها ومستقبلها، فبأي شكل من الأشكال يريد البعض إدارة سوريا والبعض الآخر إحداث التغيير فيها إذا كانت تركيا تعتدي على سوريا في كل المجالات وبكافة الأشكال والصمت اللغة الوحيدة التي ترافق عرّابي السلطة والحكم في سوريا!

وحدة الهدف والمشروع حاجة ملحة اليوم في سوريا ولا بد لكل القوى الوطنية من أن تلتف حول مشروع موحد، لا بد من التحرر من التبعية والازدواجية في التعاطي مع الواقع السوري، لا يمكن تسمية تركيا بأنها صديقة وهي تفعل ما تفعل ضد السوريين، على من يعوّل عليها من المعارضة أن يخرجوا عن صمتهم وتبعيتهم وكذلك النظام الذي يتحدث ليلاً نهاراً عن حرصه على سوريا وشعبها ألا يقبل بدوام صمته حول تركيا ودورها السلبي وألا يقبل في أن تكون فزّاعة ضد السوريين في أي جغرافيا ضمن سوريا، من يتحكم اليوم بالمورد المائي هو نفسه من يستمر في إبادته سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ضد السوريين، من يصمت أمامه هو شريكه، أي عدو لدود أكثر من تركيا نفسها للسوريين أجمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق