الرأي

أليس فيكم رجل رشيد…؟

رجائي فايد

لن تكون المعارك التي دارت في منطقة (جبل غاري) أو الروايات المتعلقة بمقتل 13 تركياً في تلك المنطقة (هل هم مدنيون أم رجال استخبارات؟) آخر ما تشهده تلك المنطقة، بل حدث في كافة المناطق بين قوات الدفاع الشعبي الذين يدافعون عن وجودهم وبين من يحارب تلك الهوية من أجل القضاء عليها. لذلك تلك المناطق لن يخمد فيها الرصاص، وبالتالي سيكون هناك المزيد من الدماء، لطالما بقيت عقلية من يحكمون تركيا على عنادهم التاريخي العدائي المناهض الشعب الكردي (سواء في تركيا أو سوريا أو العراق وحتى إيران!)، والكرد يشكلون ما يزيد على 20% من الشعب التركي، تتكون تركيا من فسيفساء وشظايا عرقية (ترك وكرد وعرب ولاظ وشركس وأرمن… إلخ).
إلا أن العقلية التركية الحاكمة وعلى مدار أجيال تجاهلت هذا الواقع، ومسحت من عقليتها وجود من يعلن عدم تركيته بل وقمعتهم مثلما حدث في الماضي مع الأرمن واستمرت مع الكرد، ومواجهة ثوراتهم التاريخية التي رفضت هذا الظلم القمعي والذي كان يسعى لطمس هويتهم وثقافتهم وتاريخهم، لقد قاد الكرد عدداً من الثورات على هذه الأوضاع في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، أخمدت بالحديد والنار. وأبعد عشرات الآلاف منهم الى مناطق بعيدة عن مدنهم وقراهم في إطار سياسية التغيير الديمغرافي، مع تغيير أسماء القرى والبلدات والمدن الكردية وحظر الأسماء والأزياء الكردية، وحظر استخدام اللغة الكردية، لمسح الهوية الثقافية والعرقية الكردية، واعتبارهم في الخطابين السياسي والإعلامي التركي أنهم (أتراك الجبال).
ويذكر التاريخ المعاصر أن نائبين في البرلمان التركي أُعدما لمجرد ارتداء الملابس الكردية في البرلمان، وأكد هذا الفهم الشوفيني التركي وزير العدل (لا يوجد في تركيا إلا أتراك، أما هؤلاء الذين يزعمون أنهم من أعراق مختلفة فليس لهم من مكان بيننا سوى أن يكونوا خدماً وعبيداً، وهؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم اسم الكرد، فقد كانوا أتراكاً وصعدوا إلى الجبل واعوجّ لسانهم، إنهم أتراك الجبل). وكان لا بد من الثورة على ذلك المفهوم الشوفيني ورغم أنه قد حدثت بعض التعديلات الطفيفة في تلك النظرة، إلا أننا نرى أنها كانت تعديلات تكتيكية وليست استراتيجية، ويرجع سبب ذلك إلى الرضوخ النسبي لما تتعرض له تركيا دولياً من جراء إجراءاتها التعسفية بحق الكرد المعاندة لحقائق التاريخ والجغرافيا.
ورغم أن القائد عبد الله أوجلان أثبت أن بمقدوره تخليص المنطقة من دوامة هذا العنف، وعرض ذلك من خلال مرافعاته، ومن خلال المفاوضات النادرة التي جرت مع الاستخبارات التركية تصورنا أنه ما زال هناك بقايا من تعقل في الجانب التركي لكننا كنا على خطأ، إذ بقي التجاهل التركي للحقائق كما هو، والذي يترتب عليه ما نرصده على الواقع من صراع بين خصمين.
المفكر عبد الله أوجلان أعلن بوضوح تخليه عن فكرة إقامة الدولة الكردية وهي ما تتحجج به السلطات التركية، إلا أن من بيدهم قرار الحكم في تركيا ظلوا على عنادهم برفض كل مبادرات السلام التي تنطلق من خلف قضبان سجن (إمرالي)، كما لو كان حكام تركيا يصرون ويؤكدون على صحة وصف (أبو حيان التوحيدي) لهم (بأنهم بلا عقل)، ولا يوجد بينهم رجل رشيد.

رجائي فايد
كاتب ومدير المركز المصري للدراسات الكردية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق