شؤون ثقافية

ثأرٌ قديم….. قصة قصيرة

ثأرٌ قديم….. قصة قصيرة
ليلى عبدالواحد المرّاني
 
– كفى.. أنزلوها
صوت غليظ يخترق ما تبقى من سمعها، للمرّة الرابعة أو الخامسة، لم تعد تذكر، يعلِّقونها مجرّدةً من ملابسها في مروحةٍ بأعلى السقف، وقد غطّوا عينيها بخرقةٍ سوداء، تدور بها الأرض وتدور مع دوران المروحة، تتقيّأ جوفها الخاوي وتفقد حواسّها أجمع، مغمىً عليها يجرّونها على أرضٍ إسمنتيّة إلى زنزانتها، تتلقّفها أيدي رفيقاتها، يحاولن إعادة الحياة إليها بتدليك ذراعيها المتيبّستين، وقطرات ماءٍ بارد يسكبن في فمها المطبق.
– لن يحصلوا منّي على شيء، حتى لو مزّقوني إرباً..
تقول بعد حين، تحتضنها رفيقتها المقرّبة
– لن ينالوا منّا، مهما فعل أولئك الأوباش..
تولول أخرى بلوعة: مريم ماتت قبل يومين تحت التعذيب..
– ماتت شامخة… خسئوا…
لم تعد تذكر أيّ يومٍ كان، وكم مضى عليها وهي في رحلة الموت تلك، بين زنزانتها والقاعة المرعبة التي يسحبونها إليها، هذه المرّة شحذت ذاكرتها التي تآكلت كي تعرف صاحب الصوت الذي يفحّ كأفعىً سامّة..
– جرّدوها من ملابسها… علّقوها..
صوته ليس غريباً عليها… اللّعنة… تكاد… ثمّ تغرق في جحيم الألم، لم تستطع أن ترى وجهه؛ فقد كان يستدير إلى الحائط بكرسيّه الهزّاز حين تدخل…
يقترب منها، تحسّ بأنفاسه حمماً وعفناً يحرق جسدها العاري، يُطفئ سيكارته في بطنها الضامر، عند السرّة، متوجّعةً تصرخ، ثم تكتم صرختها، الخدر يتسلّل إلى جميع مساماتها، هذيان لذيذ تستشعره؛ فتبتسم…
” انخلعت ذراعاي ونبت لي جناحان… تبخّر جسدي قطرةً قطرة في الفضاء… أحلّق، عالياً أحلّق… ريحٌ عاتية تدفعني إلى الأعالي… أرى أبي محلّقاً يبتسم لي، يحيط به سرب طيورٍ ترفرف بأجنحة كريستاليّة شفيفة… أقترب منه أكثر… أكثر، يحتضنني… الله! ما أعذب أن أكون طفلةً بين ذراعيه، يقبّلني، أتعلّق برقبته… يداعب جديلتيّ؛ فأضحك بفرحٍ غامر… تقترب الطيور منّي، تحيط بي… مريم، راجحة، وليد، جعفر… سعاد وخطيبها خالد… أهتف بجذل: أبي، أين نحن..؟ – في الفردوس، حبيبتي “
– أنزِلوها… رِشّوا عليها الماء.
يسارع اثنان مفتولا العضلات بإنزالها ورميها على الأرض ككيس نفايات، يسكبان ماءً بارداً على جسدها العاري؛ فتنتفض مرتجفة
– تعالي هنا… اقتربي..
صوت غولٍ يشقّ مسامعها،” أعرف هذا الصوت، ليس غريباً عنّي.”
تقفز إلى ذاكرتها المثقوبة صورة ابن عمّها مهنّد، كم كرهت صوته الذي تُشبِّهه بقرع طبول الحرب في الأفلام القديمة، ذلك الشاب المستهتر الذي حاول الاعتداء عليها يوماً، وحين شكته لوالدها، طلب يدها؛ فرفضته..
فجأةً، يستدير بكرسيّه الهزّاز، صورته مشوّشةٌ في عينيها المنطفئتين، تحاول التركيز أكثر… يضحك ساخراً، تحتاج إلى قوّةٍ خارقة كي تفتح عينيها المنتفختين، بصيص من نورٍ يغمرهما، تبذل جهداً كي ترى الوجه ذا الفحيح، صوته يستفزّ ذاكرتها من جديد.
– ما تزالين تحتفظين ببقايا جمال..
تتلاحق الصور، تظهر ثم تختفي، واضحة حيناً، ثمّ شاحبة، تحاول تسليط ضوء عينيها الذي يكاد ينطفئ على ذلك الوجه… إنه هو… نعم هو، ذلك الشيطان الذي كان يلاحقها، الذي كاد يغتصب مراهقتها، مهنّد ابن عمّها الذي سمعت أنه كان مأمور السجن الذي توفيّ فيه والدها..
– والآن، ماذا بعد يا سهاد، أيتها المناضلة البطلة..
يقهقه بصخب… صوته مطارق ثقيلة تهوي على رأسها؛ فتتطاير ذاكرتها الهشّة شظايا، تقترب منه أكثر؛ فيضحك ساخراً من وهنها وانكسارها…
— من معك في التنظيم؟
تُغمض عينيها، صمتٌ مطبق، ينقر على طاولته ضربات رتيبة، تزداد سرعةً وتوتّراً مع اتساع ابتسامتها الواهنة التي تستفزّه.
— لن ينفعك الصمت يا سهاد، صديقاتك في النضال…هههه… اعترفن
تمتثل أمامها مريم بوجهها الجميل الذي شوّهوه، فوزية التي حلقوا جدائلها الطويلة واقتلعوا أظفارها، خالد، سعاد و و و
كلّهم نوارس حرّة تحلّق الآن في السماء.
— ستخرجين لحظة تخبريننا عن اسم المسؤول في تنظيمك، أعدك بشرفي…
لم تستطع أن تكتم ضحكتها، ساخرةً صاحت:
— عن أيّ شرف تتحدّث يا قاتل عمّك والضحايا الآخرين…؟
— أيتها الكلبة القذرة، ستموتين هنا متعفّنةً تنهشك الجرذان، خذوها إلى زنزانتها وغداً لنا معها فصلٌ جديد…
 
لا تدري أيّة قوّةٍ خارقة تلبّستها فجأةً، تلملم نزيف ريقها الناشف…. تبصقه في وجهه دماً متخثّراً بالحقد والاحتقار..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق