شؤون ثقافية

لم تردْ في الأغاني

لم تردْ في الأغاني
 
ربما عن زيد بن حارثة
الى الآن ما إنْ أصغي الى تلك الأغنية
حتى يتدفّقَ هواؤكِ من عيونِ النايات ،
منهنَّ كُحلُ غيابٍ يسيلُ على وجنتيَّ.
أُصغي وأرى في الهواءِ البرتقاليِّ البعيد
قمراً تتناوشَهُ مخالبُ السُّحب،
شيئاً فشيئاً تذوي روحُهُ ويتساقط ضوؤهُ.
كأنَّ القمرَ روحي،
بقعةٌ منه تنزلُ على فمِكِ البردان،
حَدَقةٌ تلهثُ على خاصرتِكِ،
حرفا هلالٍ يتّكئان ويضيئان عينيكِ.
شيئا فشيئا تشعّين
ما إنْ أصغي الى الأغنية
شيئاً فشيئاً أصيرُ رمادا.
كان أهلٌ للأغنيةِ،
نسّاجي نحوٍ وصرف،
نحو الشعرِ وصرفِ الجنونِ.
لها خيطٌ مفتولٌ من سرٍّ وحكمةٍ
بين قلبٍ رحمنٍ وجناحي نجمٍ يقرأُ المحوَ،
ما إنْ تَبرقُ حكمتُهُ،
حتى تضاءَ كلمةٌ رشيدةٌ في سطرٍ حَنَفيِّ،
يتكلَّمُ سرُّهُ،
تئنُّ خيمةُ الرباب.
يلتفتُ قلبُ رَحمانِهِ،
تنفطرُ كبدُ الهند.
ما إنْ يتدحرجُ نجمُهُ،
حتى تتفتّحَ في خاصرةِ الكلثومِ وردةُ العجب.
تصير الموسيقى شجرةً
تمشي معانيكِ روحاً وماءً من شراييني الى أغصانِها.
..
تحت ظلِّ أغنية الشجرة
تحت ظلِّ شجرةِ الأغنية
أرى إلى حياتي وهي تصيرُ طائراً شهيداً،
شهيداً يقفُ الطائرُ فوق أعلى رنّةٍ في الوتر،
يشهدُ من هناك أنَّ وجودَكِ كلَّهُ لي
كلُّ رفّةِ معنىً فيَّ مِنهُ،
مِنهُ كلُّ هذا الثمرِ الزكيِّ فيَّ.
..
ما إنْ أصغي الى تلك الأغنيةِ
تحت شجرةِ الموسيقى،
حتى أصيرَ عطراً للظلِّ
تصيرَ الموسيقى ظلاً للعطر،
يمشي الفرحُ والحزنُ في عرسٍ
خلفه حشودٌ منّي تَجأرُ، تصفرُ في النايات،
من عيونِها يتدفّقُ هواؤكِ
أقومُ الليلَ فكرةً
أقضي النومَ فكرةً
في كلِّ شيء طافَ
من يديكِ على حياتي.
سلامٌ عليكِ يا فاتنةَ الليالي والمصائر،
سلامٌ على يديكِ
لهما حمدٌ وشكرٌ
حمدٌ وشكرٌ لِيدَيَّ؟
حمدٌ وشكرٌ لهما، للدفء الليّنِ فيهما
ما حطَّت عليهما رغبةُ عيني إلا وامتلأتْ.
ما رنًّ جرسُ خيالي حولهما
إلا وطارتْ حُريَّتُهُ الى سابعِ سماء.
ما إنْ أضعُ فمي بين الراحتين
حتى يسطعَ من كلِّ راحةٍ شَبَعٌ،
شبعٌ كثيرٌ، من فضلِ فضلَتِهِ
يأكلُ ويشربُ ملائكةٌ ومحرومون .
..
شجرة الموسيقى في الأغنية تهتزُّ،
عُودُها يَضربُ، وَرَقُها يَطربُ
يوحي لها مَن يوحي
فيمتلئ زهرُها سكّراً ولوناً،
حناناً من لَّدُنْها،
لذّةً للطائفِ وسرّاً لقافلةِ الخوفِ.
..
ما إنْ أُصغي الى الأغنية
حتى يتحرَّكَ غنجٌ في هواءِ أصابعِكِ،
يفلتُ الوُسطى من الإبهامِ على البنصر،
يردُّ الصدى رنَتين،
دَلعٌ في الظلالِ
دلعٌ لعيدانِ العطرِ تحت عرْي إبطيكِ
دَلعٌ يلصفُ على الجبين،
أقبِّلُهُ وأدلِّعُ أثرَ حياءٍ
شبَّ عِرقُهُ من جلدِ ابتسامتكِ.
ترقصُ آياتُ الحسدِ على الجسد،
تحجُّ أصابعي الى ليّنِ القِبابِ،
ما يشحبُ منها اللَّونُ ويبتلُّ منه المِنقارُ.
ياه.. أنا أستحي.. ماذا تفعل؟
ماذا يصير في السماء آخر الليل؟
وجعٌ يفتح عشّهُ من الوجع،
وجعٌ طائرٌ ينقرُ وجعاً في العشِّ،
أوطارُ قصبٍ في أوطارِ الطين،
قلوبٌ تنزف في الظلام
قلوبٌ مجرورةٌ يرفعها الماءُ.
مَن قضى وطرَه؟ .
ما من أحد،
أيُّ قلبٍ يقضي وطرَه من قلبِهِ ؟.
والحاسد؟.
حُسّادٌ كثرٌ،
حُجَّابُ أربابٍ خائفون على أربابِهم.
خائفون؟.
خائفون من علوِّ آيةِ كرسيِّكِ بين آياتٍ وكراسي،
خائفون من التفاتةِ حاجبِكِ الأيمنِ الأمينِ
حول الحوضِ المصطفى،
حتى لا يظلَّ لهم منهُ ما يظلُّ لظلٍّ.
حوضٌ مصطفى؟.
حوضٌ يجلسُ فوق بهائهِ الكاملِ ونورهِ التام
أسمُكِ بكاملِ بهائهِ وتمامِ نوره.
..
يا ملكةَ الفتحِ وسلطانةَ القيامِ.
سلطانةٌ؟.
سلطانةُ أولادٍ وبناتٍ هم وقُبلاتُهم،
هم وأشعارُهم القصيرةُ تحت الوسائد،
هم والليالي التي يرضعون في غُرُفاتِها
لذائذَ ما يتعرَّقُ ويجفلُ ويُسكِرُ،
مَرّةً لَهنَّ صُلبُهُم، مَرةً لَهم ترائبُهُنَّ
مُرَةٌ رائحةُ العقلِ تتكهربُ بينهم،
تترنَّحُ سكرانةً في كلماتِهم روحُ الظنون،
فوقهم زهرةُ وجودٍ
تشعُّ من حَدَبةِ العدم،
ما من كلمةٍ يقولونَها سوى سبحانِكِ
ما من رفّةِ عينٍ دون لمسِ مهابتِكِ،
حتى ما من مَسجدٍ لقلبٍ سوى راحةِ قلبِكِ
ما مِن عرشِ ضحكةٍ أنقى من سَريرِ ضحكتِكِ
ما مِن فمٍ أشهى من جنّةِ فمكِ.
فمي جنةٌ؟.
فمُكِ جنةٌ
على شفتيَّ أمشي اليها فوق صراطِ جسدِكِ
وما عُدْنا…!
أهذا وعْدُنا ؟
هذا وعْدُ ناسٍ ما هُم بِناسٍ
ولا أنا بِناسٍ،
مروا ضباعاً بيَّ وصرت ضياعاً،
كانت أمي تتنفسُ الخوفَ عنّي
تأكلُ الجزعَ والحرمانَ عنَي
تطردُ خيطَ الشمسِ الحارِّ عنّي،
ترشُّ منزلَ قلبِها كي أنام،
عينُها وسادةٌ وحياتُها ظلٌّ.
..
سرقوني من أمي
كسروا وجهَ روحي أمام قلبِ أبي
باعتني كلماتُ تاريخهم
سقطةً في سوقين متجاورين
زَبْلَةً في زَبيلين
..
ما مِن قولٍ قالَ قلْ قولَك
لا دليل دلَّ بحقٍّ ولا خُيّرتُ
شدوا يدي عن أهلي وشدوا للريحِ نارَهم،
لم أطردْ قلبَ أبي عن قلبي،
ولا قلتُ لعمي اذهبْ بلا ظلي الى مُلكِك،
ما سكنتُ بيتاً لله
ولا رضيتُ بيتَ أهلهِ دون أهلِ بيتي،
لا عَقَقْتُ ولا نَكَثتُ
لا ديَّثتُ ولا خَنثتُ،
لا فسد الحنين
ولا جفّتْ محبرةُ العين على ورقةِ الخد.
..
أصغي الى الأغنية
ولا أدري إنْ كنتُ أنا الذي يصغي
إنْ كانت هذه الأغنيةُ هي تلك الأغنية؟
ربما هو أنا والأغنيةُ ليست هي،
ربما الأغنية هي ولستُهُ أنا،
ربما ما من شيء قط
لا أنا ولا الأغنية.
لكنَّ صوتَكِ يأتي،
ذاتُه ذلك الصوتُ
يفورُ منه هواءُ الرحمةِ،
ذلك الحبُّ ذاتُهُ،
الى الآن
ما إنْ يشمُّ نفَسَكِ حتى تردَّ له نفْسُهُ
ما إنْ يقضى وطرَه منكِ
يموت.
 
ماجد موجد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق