شؤون ثقافية

إذا انتصبت جبال الجراح

إذا انتصبت جبال الجراح
تثرية بقلم: صالح أحمد (كناعنة)
الغيومُ صامتَةٌ في دمشقَ الآن…
لا صراخَ في حنجَرةِ مَن يقتُلونَ الوقتَ..
من ينتَعِلونَ العذرَ راحوا لخارِطَةِ التّشنُّج والخذلان…
العصرُ أخرجَهُم من تَضاريسِهِ…
في حقائِبِهم ملابسُ الحزنِ الأولى…
يا للفاجِعَة..
الموسمُ المنسِيُّ يخرجُ عن هدوءٍ كالحِ الأمسِ…
تدفعُهُ أسهمٌ تقتفي أثرَ الحمام،
تترَصّدُ طيفَ فِكرَة
منفيٌّ هذا الفضاءُ المفرَغُ إلا من أصواتِنا،
والجروحِ الغائِرَة
كيف لمن يأتينا على ضبابِ الرحمَةِ
أن يدركَ السّرَّ في حبّنا وغَضَبِنا؟
كيف له أن يسمعَ العويلَ الذي يشقُّ جدرانَ قلوبِنا المنفيَّة؟
كيف له أن يقودَ حلمَنا؟
من يركُضُ خلفَ فكرةٍ تعرَّت من جُنونِها…
سكنَت كاتِمَ الصّوت…
لاذَت بالمفَخَّخاتِ المُعلَنَةِ مَنطِقَةً مُحَصَّنَة
بعيدًا عن سهامِ الحب…
حيثُ تُزَغرِدُ الرّيحُ في ربيعِ صَهيلِها..
خُذْ لغتي، وكُنْ بي صَواعِقَ أرتَجيها…
كُنْ حَرفي… وقيثارَ الخُصوبَة
ما عُدتُ مُنحازًا إلى طِقسِ الكهوف
وحينَ أرخى عَليَّ الليلُ السّدولا
صاح بهِ وجعي: كاذبٌ!
لا ليلَ يَعرفُني ولا خيلَ…
وهذي البيدُ أرهَقَها السَّقامُ؛ فلا تَراني
أجيئُها مُمتَطِيًا صهوةَ العشقِ الذي عاشَني فيها..
فيقتُلُني في استِرخائِها جنونُ الافتقاد
فأبحَثُ في لُغزِها المستَعصي…
عن سِرِّ أشرعَةِ الرّحيلِ
وكيفَ يسكُنُهُ الصّهيل؟
وكيفَ يوقِظُ حنجرَةَ الفَجرِ…؟
وكيفَ لا يَمُرُّ بهِ شموخُ النخيلِ؟
والغيومُ…
لماذا أصبحت تمرُّ صامِتَةً لا تُحَيّي دِمَشقَ؟
تُرَفرفُ مُحاصَرَةً
عُيونُها رماد
ينفخُ فيها مارِدُ الإرثِ
يُلقِحُها قَسرًا كلَّ أضدادِ اللغة
يَتَوَلّى ابتكارَ انحناءاتِها
يَتركُها تَمضي دونَ أن يَبتَلَّ الليلُ بِها
يُصَوِّبُ سهمًا نحوَ نجمٍ كان مُكتَظًّا بِها…
فَيَنزِفُ خارطَةَ شتات…
آن أن تَخترِعَ حالاتِها غُيومُ دِمَشق…
فتَضَعَ جَنينَها الغائِرَ في خاصرَةِ السديم..
ارتعاشًا، وانقِباضًا، وانتِشاءً، وانتِماءً، والتِحاقًا، والتِجاءً…
يمارِسُ اللمسَ المحرَّمَ في تَضاريسِ الغِياب..
فاسكُني ما تَبَقّى من خدودِ الجمرِ يا غيومَ دِمَشق
دعي احتراقَ المعاني يَتَوَلّى اعتِصاري
عَسى يَستفيقُ الوريدُ الأخيرُ
وإذا انتصبَت جبالُ الجراحِ
يُعيدُ لقَلبِيَ عِشقَ الشُّموخِ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق