الرأي

البُعد الأعمق للنصر في كاري

آلدار خليل

شنت الطائرات التركيّة وبشكل مكثف (أكثر من 40 طائرة حربية) هجوماً قوياً على مناطق كاري، من 10 شباط حتى 14 منه، هذه الهجمات التي جاءت برغبة تركيّة حقيقية في القضاء على الكريلا وتخليص مجموعة من الجنود والضباط الذين كان قد تم أسرهم سابقاً، قبل أن تبدأ العملية المذكورة ضد الكريلا كان أردوغان قد تحدث قبلها بأيام بأنه سيزف بشرى سارّة إلى الشعب التركي.

لكن؛ تلك البشرى تحولت لمأتم حيث كان يقصد تحقيق انتصار في كاري وتحرير ضباطه لكن قواته ذاقت الطعم ذاته الذي ذاقوه في مناطق الزاب قبلها، وعاد هذه المرة أيضاً جنوده وضباطه بتوابيت إلى تركيا. الهزيمة جاءت بعد أن كان أردوغان يتحدث وبكل ثقة عن قواته النخبة والمتمرسة التي شاركت في هذه الحملة وكان يعوّل على نصر تاريخي فلم يتحقق ما كان يتمناه مطلقاً.

هذه الهزيمة لم تكن عادية كذلك نوعيتها تكمن في أن أردوغان قد تسبب في وضع نفسه بمأزق كبير. فما هي الدلالات الأعمق لهذا النصر؟

عندما نتحدث اليوم عن المقاومة التي تمت في مناطق كاري فنحن نتحدث عن أسطورة جديدة وملحمة نوعية من المقاومة، ما حدث في كاري وقبلها حفتانين وإفشال المخططات في زينة ورته والملاحم البطولية في الزاب، حقيقة تعيد مسار كل الأمور وتغيّر وجهتها.

النصر الأخير في كاري بمثابة رسالة واضحة تؤكد على أن أردوغان وشركاؤه القومويين ماضون نحو الانتحار على صخور هذه الجبال حينما يذهبون لاختبار روح المقاومة والإصرار لدى الكريلا هناك. هذه الروح التي تصدت لوابل الأسلحة والمخططات التركية وانتصرت بعزيمتها أوقفت تركيا للتمعن وإعادة النظر في مخططاتها، حيث المقاومة التي ظهرت في كاري حافظت على الخطوط الخلفية التي كانت في حسبان تركيا لو حققت أهدافها في كاري، بحيث لو تقدمت تركيا في كاري لكانت اليوم كل مناطقنا مستهدفة وتحت خط الهجوم التركي بدءاً من شنكال حتى مخمور وصولاً لهولير حتى زاخو ودون شك روج آفا عامةً، التقدم التركي في كاري كان سيضاعف المخاطر أكثر فأكثر على هذه المناطق.

الكريلا جسدت بطولات تاريخية لذا أبعاد النصر في كاري خلقت انبعاثاً جديداً للمقاومة النوعية والتطور في أساليب المواجهة وهذا يؤكد على أن تمثيل قوات الكريلا اليوم هو تمثيل كردستاني لطالما وقف بوجه تركيا التي تريد عبر هزيمة الكريلا الدوام نحو إبادة الكرد في كل الأجزاء. لذا؛ إذا ما تحدثنا عن وصف دقيق عن هذه القوات فيمكننا القول بأنها خط الدفاع الأول والسد المنيع أمام العدوان التركي الفاشي وأن دعم هذه القوات هو واجب كردستاني.

عزيمة المقاومة قد أثبتت لعقود بأنها المسار الأصح نحو تحقيق النصر وإفشال مخططات العدو. لذا؛ تمثيل قوات الكريلا لهذه الحالة ضمان حقيقي للنصر وتأكيد بالغ على أن العدو لن يستطيع تحقيق أهدافه مهما حشد وأعدَّ لذلك. هذه النوعية تفرض وقائع علينا جميعاً ومنها أن نكون وجدانيين كقوى سياسية ومجتمعية وثقافية وفنية وكذلك نخب مثقفة وإعلامية في أن نؤدي واجبنا في هكذا تطورات لطالما يعلنها العدو علناً بأن هدفه هو إبادة الكرد ولكن بعد القضاء على من يدافع عن الكرد ويُفشِل مخططات إبادتهم أي الكريلا.

كذلك ساهمت المقاومة في كاري إلى ردة فعل كبيرة داخل تركيا، حيث لم يجد أردوغان نفسه سوى أن يتحرك نحو اعتقال ناشطين وساسة من المناهضين له، محاولاً صرف النظر عن تلك الهزيمة الكبيرة، كذلك بات لنصر كاري صدىً وتأثير في أوساط المعارضة التركية التي كانت تعاني من التشرذم والخوف فعادت لتنتقد بقوة سلوكيات أردوغان بشكل لاذع متهمة إياه بأنه عاجز وسبب المشاكل، أيضاً ومن جهة أخرى النصر في كاري ساهم في أن يتوجه أردوغان لطمر رأسه في التراب كالنعام، حيث جاء إعلان هزيمته وإعلان مقتل ضباطه على لسان والي ملاطيا بعد أن كان يجهز نفسه بأنه هو من سيلقي بشائر الفوز قبل أن يخيب. التوقيت أيضاً مؤلم لأردوغان الذي كان يتهيأ منذ الآن لتقديم سجل من النصر ليلوح به مع موعد الانتخابات القادمة. لكن؛ شاءت مقاومة الكريلا في أن يكون سجلاً أسوداً ويكون بداية فعلية نحو انهياره القريب القادم، حيث النصر الذي حققه الكريلا بجزء منه مُهدىً للشعب التركي كذلك الذي بحاجة ماسّة في أن يتخلص من هذه الطاغية ورموزه الذين جعلوا من تركيا في بحر من المشاكل وأردوغان يعوم فوقها.

آلدار خليل : سياسي كردي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق