الرأي

النظام التركي .. رسائل علنية لقتل الكرد بأوروبا

فايق عمر

يشنّ النظام التركي حملة إبادة شاملة ضد عموم الشعب الكردي، فهو لم يعد يكتفي بقمع الكرد وكتم أصواتهم في الداخل التركي فقط، بل ينظر نظام أردوغان إلى الكرد في أية بقعة تواجدوا فيها كأهداف مشروعة يتوجب استهدافها والقضاء عليها.
ضرب وقمع الكرد داخل تركيا، عبر حملات الاعتقالات والإبادة السياسية، والتي أسفرت حتى الآن عن الزجّ بالآلاف في غياهب السجون، غالبيتهم من السياسيين والحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني، وكذلك الهجمات والاعتداءات المتواصلة على كل من روجآفا وإقليم كردستان، يأتي كل ذلك في إطار خطة تصفية ممنهجة لا يتوانى نظام أردوغان عن البوح بها.
لم يكن الكرد في أوروبا أيضاً خارج دائرة استهداف نظام أردوغان. ومع بدايات حكمه، حينما كانت علاقاته جيدة مع دول الاتحاد الأوروبي، كان يستغل تلك العلاقات لحثّ الحكومات الأوروبية على الضغط على الكرد، لتقييد تحرّكاتهم ونشاطاتهم السياسية والثقافية.
لكن بعد أن تدهورت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، بسبب سياسات أردوغان وتدخلاته العسكرية المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة، والتهديد الذي شكّلته في الوقت عينه على أوروبا ومصالحها، ولم يعد بإمكان أردوغان التضييق على الكرد ومطاردتهم على الأراضي الأوروبية بوسائله السابقة، لجأ إلى أسلوب التصفيات والاغتيالات عبر شبكات تجسس واسعة، منخرط فيها حتى الدبلوماسيون والمسؤولون القنصليون والأئمة الأتراك العاملون بالمساجد، وفقاً لما أكدته سلسلة من التقارير الأوروبية، التي دانت النظام التركي وحذّرت مواطني تركيا مراراً من السفر إلى بلدهم.
وقد هزّت فرنسا، في عام ألفين وثلاثة عشر، جريمة قتل الناشطات السياسات الكرديات الثلاث، ساكينة جانسيز وفيدان دوغان وليلى شايلمز، وسط العاصمة باريس، على أيدي عنصر الاستخبارات التركية، القومي المتطرف عمر غوني، الذي قُتل لاحقاً في السجن بفرنسا قبل أسابيع من مثوله أمام المحكمة، وهي الواقعة التي وجّه فيها المحققون الفرنسيون أصابع الاتهام أيضاً إلى الاستخبارات التركية.
وإذا كان نظام أردوغان قد زعم حينها كذباً عدم مسؤوليته عن تلك الجريمة، وكان يقوم حتى الآن بتلك الأفعال والممارسات الإجرامية بصورة متخفية، فإن هناك أصواتاً في الداخل التركي بدأت تعلو مطالبة علناً بقتل وتصفية الكرد في أوروبا.
الرئيس السابق لوحدة الاستخبارات العسكرية التركية، الجنرال إسماعيل حقي بيكين، قال في تصريحات لقناة سي إن إن التلفزيونية التركية “هناك شيء يجب القيام به بشأن عناصر حزب العمال الكردستاني في أوروبا. لقد حدث ذلك من قبل في باريس”.
تصريحات بيكين هي دليل وتأكيد إضافي على أن جريمة باريس ارتكبها عناصر استخبارات النظام التركي، ولعلها في هذا الشق لم تأتِ بالجديد الذي يستحق الذكر والتوقف عنده، فالمجرم كان معروفاً منذ اللحظة الأولى لوقوع الجريمة، لكن اللافت هو الشق الثاني، الذي ينطوي على رسائل علنية موجهة إلى عناصر شبكات التجسس التركية في أوروبا، بالتحرّك لاغتيال وتصفية السياسيين الكرد المقيمين هناك. والمستهدف هم كل الكرد في أوروبا، وليس فقط العمال الكردستاني كما يرد في التصريحات، أو على الأقل هم جميع الكرد الذين يعتبرهم نظام أردوغان خصوماً أو معارضين لنظامه، كما يفعل تماماً مع الكرد في الداخل، حيث يزجّ بالكثيرين منهم في السجون، لسنوات أو لعقود، بذريعة الصلة بالعمال الكردستاني، وبدون وجود أي دليل واضح.
بيكين وأمثاله، من القومجيين والطورانيين الأتراك، إنما يبتغون من وراء تصريحات كهذه توجيه رسالة للكرد، مفادها أنهم لن يكونوا أبداً في مأمن من الوصول إليهم أينما كانوا.
وفي العام الماضي، كان لوزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، تصريحات مثيرة أيضاً، حين هدّد صراحة الكرد، وغيرهم من المعارضين لنظام أردوغان، المقيمين في أوروبا، مؤكداً أن جميع هؤلاء مراقَبون ولديهم معلومات عنهم، متوعّداً بألا يفلتوا من العقاب في حال عودتهم إلى تركيا.
هذه الدعوة العلنية والصريحة إلى قتل الكرد، هي التعبير الحقيقي عن الذهنية المهيمنة على النظام التركي، منذ تأسيس الجمهورية التركية، من قبل أتاتورك الذي اخترع نظامه تسمية “أتراك الجبال”، مروراً بسليمان ديمريل الذي كان يقول “سنحارب الكرد حتى ولو في خيمة بأفريقيا”، إلى نظام السلطان العثماني الجديد أردوغان، المنفلت من كل القيود الأخلاقية والإنسانية، والذي يشنّ حروبه الدموية ضد الكرد في كل الاتجاهات. جوهر السياسة التركية في التعاطي مع القضية الكردية مبني في أساسه على الإلغاء والإقصاء وإنكار الحق في الوجود، وقد سارت جميع الحكومات التركية المتعاقبة على هذا النهج، وحاربت الكرد وارتكبت بحقهم أبشع الانتهاكات الإنسانية، لكن ومع ذلك يمكن القول إن إجرام نظام أردوغان، هو عبارة عن عصارة جميع تجارب التاريخ التركي الدموي، والذي يتجسد الآن في أقذر وأبشع صوره وأشكاله.

فايق عمر : إعلامي كردي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق