شؤون ثقافية

ورود من قمم آرارات

العيش، الموت، الضحك، البكاء، الاستسلام، المقاومة، اللقاء، والفراق؛ كانت كلمات أخي كاوا التي افتتح بها رسالته، حين بدأت بقراءتها، وكأنها تفصح عما يجول بباله من أفكار عن الحياة وفلسفة الواقع دفعة واحدة.

هذه الحياة التي نخوضها تشحن أجسادنا وأرواحنا بالاندفاع والقوة تارة، وباليأس والقنوط تارة أخرى، كنت أبحث عن شيء ما يدخل السكينة لروحي، بعد التغيرات الكبيرة التي حدثت في بيتنا، ودخول الرفاق إليه، وخروجهم منه، في ذلك الوقت، ليصبح الحديث عنهم محور نقاشاتنا، وسهراتنا في البيت؛ وخاصة بعد أن انضم أخي الكبير إليهم، لتبدأ الأسئلة تتردد على شفاهنا كل يوم، وكل لحظة تقع فيها أعيننا عليهم، أو بمجرد قدومهم إلى منزلنا، عن أوضاعهم،
والتقدم الذي طرأ على الحركة مؤخرا، وعن أخبار الرفاق في جبهات القتال هناك في الجبل، وعن أي شيء يدخل الطمأنينة إلى قلوبنا، وكنا ننتظر متلهفين لسماع أي شيء عنهم.

ذات نهار، وعندما كنت جالسة في غرفتي المطلة على الشارع، أقرأ في إحدى كتبي المدرسية، على الرغم من ضجيج السيارات، وصخب الباعة المتجولين، يوم وصلت رسالة من أخي كاوا، أعطاها لي أحد الرفاق، حين طرق الباب، فتحت الباب له، وبمجرّد أن رأيتها في يده، أخذتها على وجه السرعة، وتوجهت إلى حيث أمي، التي لمحتها من نافذة غرفتها، واقفة بلباسها الكوردي الذي منحها حضورا كبيرا، رغم ما تركته السنوات من أحزان وشمتْ أنينها الذي لم يلمسه أحد سواها، في أعماق روحها، ضاربة عادة النواح والعويل عرض الحائط، وكثيرا ما كنت أتعجب من رقي تعاملها مع ألمها ووجعها، غالبا ما كنت أسمعها تتمتم لصورهم:

– لن أحزن سوى بطريقة تليق ببطولاتكم العظيمة.

فاكتشفت بأنني لازالت أختبر الحياة بها، وبما يتعلق بطريقتها في الصمود، وحتى الرفض والاستسلام للظروف الحالكة، فقد كانت تنهل الفرح من رحم الموت.

كانت تتأمل بصمت صورتيهما طويلاً، وهي تتنفس بعمق، وكأنها تنظر منهما أن يحادثانها، التفتت فجأة نحوي عبر نافذتها، فلم تندهش عندما رأتني أرمقها بكرب، لتقبّل الصورة التي كانت بين يديها بكل خشوع، وكأنه كتّاب مقدّس، وتضمه إلى صدرها بقوة، وهي تزفر قائلة:

– لقد كنت أضم وجهيهما؛ وهما صغيران؛ كما أضع هذه الصورة الآن بين يدي، أحملها، وأذرع بها المكان جيئة وذهابا، مرت سريعا تلك الأيام الجميلة؛ لتصبح لهما نظرة واجمة تحلق نحو المجهول، أحيانا يصعب عليّ تحمل القساوة لهذه الدرجة الكبيرة يا ابنتي.

لم أنطق بشيء؛ بل فضّلت الاستماع لحديثها، أما هي فقد ابتسمت ابتسامة قهر؛ لتكمل قولها:

– أحيانا تباغتنا ذكريات مؤلمة في خلواتنا، فيا لها من أقدار صعبة، تعصف بنا في أوقات متفرقة!

ما إن أنهت جملتها تلك، حتى قلت لها:

– أعتقد بأن القدر هذه اللحظة يضحك لنا.

– ما الذي تلمحين إليه؟ هيا افصحي بسرعة يا ابنتي!

– هذه رسالة من أخي كاوا.

ولأول مرة برقت عينا أمي بدمعة البهجة، رحتُ أقرأ لها وأنفاسي تتهدج فرحا لفرحها.

هيفا حيدر حسن

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق