شؤون ثقافية

أعرف أنّي لا أعرف

أعرف أنّي لا أعرف
القس جوزيف إيليا
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف يغنّي هذا العصفورُ على شجريْ المكسورِ
وينظرُ في وجهي منتشيًا
لكنّي أسمعُهُ
وأحاولُ أنْ أجعلَ مِنْ نغمتِهِ مزمورًا
أتلوهُ وأصلّيهِ كلَّ صباحٍ
فلقد ضاقت نفسي بصلاةٍ كاذبةٍ خادعةٍ مِنْ أفواهٍ ملأى بزبيبٍ مسروقٍ مِنْ أرملةٍ
لا تملكُ إلّا داليةً واحدةً في منزلِها البائسْ
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف غيومٌ ترسمُ بسمتَها فوق شفاهِ سماءٍ مِنْ قصديرٍ
لكنّي أعشقُ ما يهطلُ منها فوق ضفائرِ عشبيْ اليابسْ
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف كتابُ الدّهرِ أمامي منغلقٌ
وأنا أُدعى لقراءةِ أحرفِهِ
لكنّي أطلبُهُ
وأمدُّ إليهِ كفًّا عاشقةً
وأصارعُ جهليَ
علّي أقرأُ ما فيهِ مِنْ أقوالٍ بالضّوءِ اغتسلتْ
كي يرحلَ عنّي ليليْ الدّامسْ
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف الرّبُّ يرى ما أبدعَهُ مِنْ خلْقٍ تلطمُهُ قبضةُ طينٍ حمقاءٌ
ويقيءُ على سجّادتِهِ مَنْ أحضرَهُ لعشاءٍ يشربُ فيهِ كأسًا مِنْ فرحٍ ونبيذٍ
لكنّي أنتظرُ اليدَ منهُ تخرجُ منها نارٌ حارقةٌ تنزعُ ثديَ جنونٍ ما زالَ يجرجرُنا للصّحراءِ
نظلُّ نصارعُ فيها حيّاتٍ ووحوشًا
وبها الرّملُ بأرجلِهِ فوق أصابعِ نسْمتِنا دائسْ
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف الشِّعرُ يجيءُ إليَّ كعاصفةٍ هوجاءَ تفتحُ نافذتيْ لعوالمَ تأخذُني مأسورًا نحو كلامٍ يصلبُني فوق صليبٍ مِنْ حِبْرٍ
ويذيقُ فميْ عسلَ المعنى وسمومَ المنفى
لكنّي أكتبُهُ وأرتّلُهُ وأسامرُهُ
لأظلَّ على جُمَلٍ ترفعُنا للأعلى حارسْ
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف أنا أُترَكُ مِنْ أمّي وأبي
والطّفلُ بذاتي يأبى أنْ يكبُرَ
لكنّي أهجرُ ألعابيْ وحكاياتٍ كانت تُحكى لي كي أغفوْ
وأصيرَ كغصنِ نخيلٍ لا تكسرُهُ ريحٌ غضبى تأتيهِ مِنْ فمِ دنيا تطلبُ أبطالًا يبنونَ حوائطَ جنّتِها
وأهيّيءُ نفْسيَ كي أدخلَ أرضَ معاركِها فارسْ
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف العُودُ ينامُ
وثمّةَ أذْنٌ تعشقُهُ
لكنّي أرقُبُ صحوتَهُ
إذْ لا بدّ وأنْ ينهضَ أيضًا وينغِّمَ أغنيةً أخرى مثْلي لا تهوى النّومَ
ولو هذا الكونُ بهِ الكلُّ كسولٌ ناعسْ
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف أنا أنا
مِنْ أيِّ ترابِ جنونٍ جئتُ أعلِّمُ أترابيْ كيف يصيرونَ جنودًا في مملكةِ اليقظةِ
لكنّي أبني نفْسيْ حجرًا حجرًا
وأغازلُ حوريّةَ أهوائي
وأعاقرُ خمرَ الآتي
لا أمشي إلّا وعصا أحلامي تسندُني
وثيابُ الشّهوةِ تجعلُني أقوى مِنْ بطلٍ أسطوريٍّ
لا تطفِئُ مصباحَ عناويني عاصفةٌ في ليلِ شتاءٍ قارسْ
أعرفُ أنّي لا أعرفُ
في دهري أشياءً لا تُحصى
تكسرُ مجذافَ سؤالاتي
وأنا أُبحِرُ في أعماقِ الّلغزِ
ولكنّي في يومٍ ما يأتي سأردّدُ في فرحٍ :
طوبايَ
لأنّي كنتُ بدهري في أمواجِ غموضٍ غاطسْ
١٦ – ١ – ٢٠٢١

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق