شؤون ثقافية

لَعلَّ الذِّي أسرَهُم أعْورٌ

لَعلَّ الذِّي أسرَهُم أعْورٌ
 
 
اليَوم
وتحْتَ غَمضٍ بَائسٍ أسَاءَ الظَّن بِقَدرٍ ملْعُونٍ
ستُسْحَبُ
الأغْنِياتُ مِن حَلقِ البَلابلِ
وتُعلّقُ الشَّارَاتُ بَعيدًا عنِ الأبوابِ
وَستَخضعُ الأهالِي لقُرفصاءِ الخزي
فَوحْدها الكِلابُ تُخلدُ استِجابتَهَا لصَفير الأسيادِ ,
لِميلادُ أعْجُوبة بينَ مَسْعَى السُّجناءِ…
مِن سِجنِ مْيامِي دَايْدْ إلى سَانْ بِيدْرُو ….
اليوْم
وتحْتَ وَطأةِ نفْس الغَمضِ
ستمُرُّ الحُشودُ مُكبّلة القَدمَينِ
تعِد مَصيرهَا بانتفاضةٍ عمْياءَ, مُصْطفَّة فَوقَ طَللِ اللَّامُبالاةِ
وَرَاء شُباكِ المُقاومة
وسَطَ وَرَشَات حَفارِي القبُورِ…
وحُثالةِ آخرِ الّليلِ..
وضُيوف القُمامَات ….
وعبَدة الشيْطانِ …..
وَحدَه الجِنيرال مُحاطٌ بِحرَسِهِ الخَاصِ
حُشُودٌ
تجُرُّ بأسْمالها نتفَ السَّاعاتِ الثَّقيلةِ…
وسِنينَ الاحتضَارِ…
وتفَاصِيلِ الجُدرانِ …
ومتاهات السَّقفِ العتيدِ…
بينَ أشْلاءٍ صَامتة كصَمتِ الحَجرِ…
بين أقلامٍ يحركُها الضَّجر
بينَ البُعدِ والقُربِ
في لوْحةٍ شكّلهَا شَيطانٌ يحتضَر
ليَمزحَ بالوِجْدانِ
ويعمِي النَّظر
حشُودٌ مُجبَرةٌ…
تجُرُّ أكياس البلوَى منْ نفسِ الحِكايةِ
التّى ينتَصرُ فِيها ظالِم أعورٌ…
أجرَبٌ…
عُمرُه أقْصرَ من سَكرةِ المَوتِ
وتتَرامَى من تَحتِها ألغَاز
لبُطولاتٍ
صَنَعَها الفشَلُ
تجُر الوَهمَ بالوَهمِ…
وتَحكُم ضَيقها المَحرُوسِ بالأشْواكِ…
 
 
هنا وهناك
أثارُ المشْي لا يحْرقُ شَغفَ الأفُقِ
وتنْهِيدَات مُنتصفِ الّلَّيلِ لا تُبعدُ كابوسَ الحُراسِ..
كُلُّ نوافذِ الزنَازِين مِن حَديدٍ ..
.لا طَائرَ ينقرُ الحَديدَ…
لا إطلالة تُبشِّرُ بالجَديدِ
كل أيادِي السُجناء بارِدةَ …
 
مَلْعونٌ هَذا الصَّمتُ يَطوفُ كُل السِّجنِ
بسَلاسِل تتكلمُ لُغة واحِدة…
هُو رَجلٌ….
بلْ هُو امرَأة..
هُو سِتارٌ بدُونِ لَونٍ علَى مَرايا الزمَنِ.
 
ملْعونٌ هو اللاشَيء فِي ممَراتٍ مُظْلمة
يَبتسِم لكَ ولا تَراهُ…
سِلاحُهُ حافِي لكنَّهُ يقْطعُ للوَقتِ رَقبتهُ…
يَحرقُ أصَابعَ الظِّلِ ليُبكِي شَجَرة
فلَا يحيا بقُربهِ سَواه…
 
مَلعُونٌ هُو الهَواء الذِّي يمْسحُ بَقايَا
الحُروفِ عن قليل منَ السّمَاءِ..
السّمَاءُ
مَعدنٌ ثَمينٌ في حَوزَة السُلْطانِ
يُضيءُ دَهاليزَ القُبورِ…
حتَّى لا يخبُو نُورَ نجْمهِ فِي الرَّمادِ .
وتَضِيعُ الحِكمةُ فِي تَلَوْلُبِ الخَاتم
 
ملْعُونة تلكَ الخَطوَات البَطيئةِ بأحْذية المَاغنُوم
السَّميكةِ
ترْسُم في الصَّدرِ تاريخَ الرَّتابةِ…
وتتْركُ يداكَ علَى الحائِطِ لِلأزلِ
وعُنوانُ حَالكَ سجِينٌ يتَأهَّبُ للهُرُوبِ…
 
ملعُونٌ هَذا الحَظ الذّي يُشبهُ المَوت
هذا الحَظ الذّي يُشبهُ اللاحَظّ….
يَختارُ مِن الأحْبارِ سَجينًا
لِفكِ طَلاسِمِ المَرئياتِ فِي الكَنائِسِ …
اليوم
سَتمرُ حَتمًا فِي زيِّ العَراءِ مُلتَوية
فِي ثَوبٍ ضَبابِي كاشِف للمَصَائبِ
وعُيُّونُها
تَخْطفُ النظرَات
مِن شَمسٍ سَارِدة بدُخَانِ
الموتَى…
سَتمرُّ بلاَ أسْماءْ بلا تَارِيخ ,
سَتمرُّ لكنَّهَا تَحيا تتحَرَكُ ولا تُخْفي نَفَسَ البَقاءِ
لعلَّ الذِّي أسرَها, سَيرَى غَيْمًا فِي السَّماءِ
جَمَاعَاتٌ جَماعَات
سَتمرُّ ولا مَشرُوعَ غيْرَ الهُروبِ …
لَا صُلحَ ولا تفاوُضَ
النُقطةُ السَّوداءُ يتَّسعُ وَهجُها بين القِبابِ
والقَلبُ بَالُون الزَّفراتِ
لا مَجالَ للخَطأ تحْتَ وَابلٍ مِن النَّظراتِ
سَتلْطَمُ الوُجُوهُ بأيادِي تزِنُ زَمنَ القَهرِ
وتُسَمِّي الانتِكَاسَة وَدَاعًا
وهي قَابِعَة علَى الدوَامِ, تُنقِبُ في الطِّينِ عن خَبرِ المَوتَى
 
اليَّوْم…
سَتَسقُطُ أجْسَاد علُى الترَاب….
وأخْرَى بينَ دمَعاتِ اليتامَى
سَتُحرقُ المَحْمياتِ
سَيرْحل السِّربُ مِن الطَّير إلى جبَلِ الحُلمِ
سَيمرَّ برْدٌ بارِدًا ويحْرقُ تصْفيفَاتَ الشَّعرِ
وتحُطُّ صَواعقُ الرَّملِ فوقَ السُطوحِ
وسيُدَثَّرُ الغرابُ بجِلبابِ العَريسِ, ويفترسُ قلبَ الحَمامةِ ….
وتنسجُ بيْننَا كالعَادَة ألفُ حِكايةٍ وحِكَايَة…
ونَحنُ نَنتَظرُ مَوْتًا طَائِشًاً مِن نَافِذة لا يُطِّلُ منْهَا إلاِّ غَادِر,
 
اليوْم
منُهم مَن سَيدقُ آخرَ مِسمَارٍ في جوفِ الشَّجرَةِ
ومنْهمْ من سَيواصِلُ الزَّحفَ حافياً
ليَصنعَ لنَفسِه ورُبّما للآخَرِ تابُوتًا من وَرقٍ
ويَرمِي سِرَّه تحْتَ ثلة حَارِقة…
إن احْترَقتِ الغَابة سَينبعثُ مِن رَمادِها طيرًا
مُكَللاً بتاجِ المُلكِ …
وانْ جفَّ مَاءُ النَّهرِ فالأرْجلُ التِّي فِي الوَحلِ طُعْمٌ ,
سَيكْشِفُ أصْلَ الصفْصافةِ…
وتضِيعُ بَيْنا الأسْماءُ ..
وانْ كانَ هذَا الحمقُ لا يَكفِي فَلنَا فِي الغَد حُمقًا آخَرَ..
فلِمنْ تَعذَّرَ علَيهِ,
فليمسِك ِبيمِينهِ كِتابَ الهَويَّةِ وَيغْتسِلُ عِندَ مَصَبِّ النَّهرِ بِدمٍ الأوَّلِين,
وَقُلْ لنفسِكَ انَّكَ في الطِّريقِ لاَ فِي الهَاوِيةِ….
 
 
كَعادة الحُراسِ يُتمُّونَ رحلةَ الغَضبِ بصُنعِ الهَولِ
بالصوتِ…
بالأقفَالِ…
باحْمرارِ العَينِ…
يُسطّرُونَ للمعتقدِ فِيهم حُلولاً للنِسيانِ
يَهتفُونَ بجلاجِلَ الشَّكْوى
ويُطَوِّعُونَ الأبَد بأصَابعهم….
 
عبد اللطيف رعري /مونبولي /فرنسا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق