شؤون ثقافية

من متتالية المجاز نبهان

من متتالية المجاز
نبهان
كان ليل الشتاء دائما ما تشوبه أدخنة منقد النار وعيدان القصب وحبات البرتقال ودفء الأنفاس وعطف جدران المندرة وضحكات وحكاوي جدي التي لا تنضب ولكن كل ليلة كان يشغلني هاجس بعدما تنفض السهرة. أصعد فوق السطح رغم سطوة البرد وسكون المجاز.أصعد خلسة لأتعسس على نبهان وهو يقف لاصقاً أذنه على أي باب من أبواب الشارع. مستتراً في الظلام الحالك. يقف مترقباً وإذا أحس بأي قدم تخطو من بعيد ينتفض ليمشي وكأنه لم يفعل شيئاً. لم أرقبه إلا بعد ما حكى لي الولد جرنش أنه رآه ذات ليلة. لم أصدقه ساعتها حيث أنه جارنا. ولم أره مرة يضحك أو يمزح. بل كان جاداً في كلامه. يمشي بطوله الفارع وجسده الممشوق نافثاً دخان سيجارة لا تفارق شفتيه. ترتسم على ملامح وجهه تكشيرة لا تفارقه وعبس في جبهته. كان يهرول في عجل وكأنه يعرف مقصده. دائماً ما يلبس جلبابا مطرزا من الطوق. تهب منه روائح ذكية. يخطو نافخاً صدره وإذا ناديته يلتفت إليك بتأن وكبرياء، وكان إذا حدث جدي يبجله بكلمات مثل سيادتك أو حضرتك، فأعجب بكلامه وعزته، عندما أخبرني جرنش بحكايته هذه ارتسمت صورته أمامي بهيبته ولم ألق بالاً لكلامه. بل ظننته يمزح ليغضبني. فهو يراني كلما شاهدته أسلم عليه وأناديه يا عم. حتى أنني أحببت حكاوي أمه عنه، حيث أنها دائماً ما تجلس عندنا تتحدث عن طيبته ومراعاته لأبيه. وإذا مرضت يهرع بها إلى أكبر طبيب وإذا أصيب أحد أخوته بسوء ينتفض ليثأر له. فإلى الآن يرقد واضعاً رأسه في حجرها وتمسد شعره. تركت لي صورته هكذا قبل أن ترحل تاركة وراءها آهاته وصرخاته التي تشبه صرخات طفل لقد ارتكن الحاج سعد ينحب على وفاة زوجه أم نبهان كعيل صغير. ارتكن في ركن المجاز يواسيه الجيران ونبهان بجواره. أصعد فوق السطح ولم أر سوى بريق نار سيجارته في الظلام. يضع أذنه تارة ويبص بعينه في شق الباب تارة أخرى. ينحني أو يرتكز على ركبته. كنت أتعجب من عادته هذه وأحدث نفسي – هل بالفعل يرى نبهان شيئا في الظلام. وهل يسمع سوى شخير النائمين. إذا وقف على شباك أو باب. لقد تربص جرنش له وصعد فوق السطح وألقى عليه قوالح الذرة. ومرة دلق على رأسه صفيحة من ماء حوض الطرمبة لقد عرف المجاز كله عادته تلك. عندما أصعد لأشاهده في الليل وأراه يهرول في الظلام مخترقاً بجسده سكون الليل. أحس أنه يبحث عن شئ خفي مفقود. وأتذكر أمه التي وإن تعلم بحضوره تهم واقفة مسرعة إليه لتأخذه بين ذراعيها. عندما يذكر في جلسة من جلسات جدي يزمجر الرجال ويمصمصون شفاههم ويهمسون في أذن بعضهم ويتعجبون. وفي إحدى الليالي الشتوية صحوت على ضجيج وسباب وزعيق. جريت لأرى آثم جارنا مجرجراً نبهان خالعاً هدومه. ظل يضربه حتى أفقده الوعي. جرجره من رجليه ووضع قدمه على صدره وبصق عليه أمام الناس. يصفعه ويركله رغم توسلات الواقفين وعندما رأيته يركل ويصفع ويسقط تذكرت هيبته وهو يمشي بجسده الممشوق كفارس. تذكرت ذلك وحزنت رغم أنني شاهدته كثيراً مرتكزاً على ركبتيه يتلصص بعينيه على الأبواب في الظلام. حزنت على نبهان السامق بهامته والجاد بملامح وجهه. وعلى سقوط جسده في المجاز بعد منتصف الليل وسط التساؤلات والاستنكارات والتوعدات، سقط وسقطت معه أحلامي في تلك الليلة.
محمد عكاشة
مصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق