شؤون ثقافية

طيف اسطنبول

انتهيت من مشاهدة مسلسل تعرضه نتفلكس بعنوان ” Ethos”، عنوانه التركي ” Bir Başkadır”. ما دعاني إلى متابعة لمسلسل وهو من 8 حلقات، ما سمعته أن هناك حوارات قصيرة فيها باللغة الكردية. فالمتابعة كانت نوعاً من التحقق عن الرسائل التي يريد المسلسل إيصالها.

منذ الحلقة الأولى، رجحت أن تكون الحوارات القصيرة بالكردية، ولم تتكرر سوى ثلاث مرات، مجرد موقف نبيل من المخرج، نبالة بمعنى أنه يتطرق إلى التنوع في سياق المضامين الاجتماعية، ويمرر ضمنها اعترافاً باللغة الكردية في عمله. هو شيء ليس قليلاً، خصوصاً أن المخرج، Berkun Oya ليس كردياً حتى نعتبر الأمر اعتيادياً، بل من أصول شركسية، مواليد بورصة 1977، وهو ينتمي بذلك إلى شريحة تركية متجاوزة للدوغما الكمالية والإسلامية، وكان لها دور في المساهمة في عملية السلام الكردية التركية في 2013، ودفعت ثمناً باهظاً بدءاً من عام 2015، ثم انتهى عدد كبير من هؤلاء، ممن وقعوا على وثيقة الدعوة للسلام، في السجون.

هذا العمل السينمائي التلفزيوني ليس سيرة ذاتية، ومن الصعب التسليم بمعقولية حدوث التقاء هذه السلسلة من الشخصيات المتناقضة والمركّبة في دائرة تفاعل اجتماعية مشتركة، لذلك العمل أقرب ما يكون إلى سرد في سيرة المجتمع في السنوات الأخيرة، حيث الكتلة العلمانية الكمالية الصلبة التي تمثلها الطبيبة النفسية “بيري”، واليسارية الكردية “غولبين” التي هي أيضاً طبيبة نفسية وتعالج “بيري” وهي من عائلة متعددة الاتجاهات فيها الأخت المحجبة الكبيرة والمتحكمة بقرارات العائلة، وفيها الشقيق العاجز الذي ألمح حوار بين الأختين أن عناصر الأمن ركلوا بطن الأم وهي حامل (لأسباب سياسية) فولد الجنين مشلولاً، لكن هذا الشاب المشلول تنتابه نوبات صرع علاجها الوحيد أن يغني والده بالكردية.

أما الشخصية المحورية التي تربط كافة الشخصيات مع بعضها فهي “مريم” الفتاة التركية الأناضولية المحافظة، التي تحضر جلسات علاج لدى الطبيبة الكمالية “بيري”، وتتخذ من شيخ محلي في الحي الذي تقطنه مرجعية اجتماعية ودينية في كل شاردة وواردة في حياتها وكذلك شقيقها “ياسين” الذي يعتبر الشيخ مرجعيته الأولى، وهو، أي ياسين، قائد عسكري سابق في الجيش، كان ضمن الحملة العسكرية حسب التلميحات في المنطقة الكردية، لكنه استقال، وباستقالته لم يجد عملاً سوى وظيفة حارس في ملهى ليلي. والشيخ نفسه شخص لطيف، غير منفر للمشاهد كافة التوجهات، لديه تناقضاته ومشاغله ومشكلاته، فابنته قررت في اللحظات الأخيرة خلع الحجاب، وهي مثلية جنسياً، أما والدتها فتوفيت خلال رحلة مع والدها في سيارة “فان” موديل 1992 على حد قول الشيخ الذي يغادر هو الآخر اسطنبول إلى الأناضول. واسطنبول في هذا العمل الدرامي، تبدو معضلة ثقافية، فالشخصيات الوافدة من اماكن أخرى من تركيا تبدو في صراع مستمر في سبيل البقاء والنجاة، وهناك ندم متكرر من هذه الشخصيات على التورط في المجيء إلى هذه المدينة.

شخصيات أخرى في المسلسل لها دور تكميلي مهم في دائرة المجتمع، الذي يريد المخرج القول – ربما – أن الكتل المتناقضة نفسها تؤمن الاستمرارية لنقائضها، في دائرة تبدو فيها النزعة الإسلامية في حالة توسع مستمرة، والكردية في حالة تشكّل مستمرة، والكمالية في حالة تقزّم مستمرة. حسين جمو باحث وكاتب كردي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق