شؤون ثقافية

ليس لي مطلب شخصي

ليس لي مطلب شخصي
عبد الوهاب الملوح /تونس
كلَّ ما في الأمر
أنَّني أمشي بلا شبهة أمل في مخيِّلةِ الأشجار
بعيداً عن خُطايَ؛
أعدُّ المسافة هاويةً، مُنشغلاً بإعادة ترتيب ذاكرة الفوضى في الحديقة الخلفية للمعنى…
ليس لي مطلب شخصي ولا استحقاق ميتافيزيقي.
الآن لا رائحة للفرح في مزامير العيد؛
الآن لا رائحة للربيع في فاكهةِ الضحكِ؛
الآن ثمة أكثر من واحد يمشي في الندم؛
الآن الريح مبراة والوقت مشنقة.
لا حاجة للانتظار بالكراسي،
بعيدا عن خُطاي..
أمشي على حافة صداع النهارات أسبُّ الانتظار وأشكر الألم ألأنيق؛
أكرِّرُ خطاياي..
يا ندامة الأمل.
ليس لي مطلب شخصي؛
أودُّ أن أصدِّق؛
وصمتي هو ما أراه نوافذ في:
الدموع المحبوسةِ، الوجوه المغدورة، الوعود المنسيَّة، البيوت المُقفرة، العروق الناشفة، الجروح المنهوبة..
أحاول أن أمسَّ الماء في صدر رجل يبكي صامتاً وهو يمشي بلا شبهة ألمٍ.
– أجلس في خريف نظرتي وأستحمّ في عتمة ماء الحلم.
قالت سيدة في الخمسين كانت تعلّق العشق على حبل الغسيل وتُنشِّفُ الحنين.
ينقُصني أن أدلَّ الهواء إلى منخفضات الفراغ هناك حيث الأشجار تبحث عن لجوء لها، حيث مُخيّلتها خطى الصمت في هاوية المسافة…
بلا تقدير خاص لشخصي أمشي في ضوء النهار المريض وعُتمته طويلة القامة مستدلاً برائحة جثثي القادمة
أودُّ أن أصدّق الجمال على الأقلّ؛
أن أصدِّق أني بصدد إعداد جثة أخرى مني قيمة مُضافة للجمال.
كلُّ ما في الأمر.
أني أحاول أن أمسَّ الفراغ؛ أدلِّلـه، أداعبه، ألاعبه، أشاغبه، أكلّمه، ألمُّه، أشمّه، أضمُّه…
قالت لي: ألست الفراغ؟
أحدِّق في عُريِ العبارة؛ هذيان عريها يزيد من قابلية شغفي بالمشي بعيداً عن خطاي؛ بعيداً عن الطريق، بعيداً عن الوصول.
يتهَدَّدُني البياض وأحب ذلك
فلي احتياطيٌّ كاف من ذاكرة الامّحاء
ولي حديث الغرقى يضيئون قاع الماء
ولي قهقهات دم الشهداء على طاولات الملوك والرؤساء
ولي صدى طبل إفريقي في صدر زنجي تنكَّر للأدغال فيه
ولي كل هذي العزلة بلا شبهة أملِ أو ألمٍ
يا ندامة الأمل
مشغول باللامرئي!
كان بودِّي أن أكلِّمه عني وعن مفردات الصمت التي تسمّيني؛
لم يعد الأمر يتعلّق بالكتابة.
ما الذي سأفعله بالكلمات المحجوزة في محاكم النحاة، المُودعة بين حيطان البلاغة، المعقولة لدى قباضات النقاد المشروطة بمفعولن مفاعيلن وسورة الشعراء.
– أنت مجرّد شخص متفرّغ يمشي في بكاء الفراغ.
قالت سيدة الخمسين الجميلة وهي تفتح لي في لفتاتها مرتفعات تركض فيها الأيائل خلف شهقات الأعشاب الطالعة من قطرات الندى.
كانت على حق وكان الفراغ على حق وبينهما لم يكن لي أي حقٍّ.
أجلس في بيتي وحيداً قبالة اللاشيء أحرسه من الوهم
لن يدخل الحلم من البيبان والشبابيك المفتوحة
أتفاوض مع الهواء القليل بشأن مصير البياض المُسنِّ
لا حاجة للموسيقى بالكلمات
سوف تكتفي اللوحة بصدى البياض على قماشها
لن يستدرجني الوهم بعد الان،
فليس لي أي مطلب شخصي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق