الرأي

تركيا ونتاج سلبية دورها إقليمياً ودولياً

آلدار خليل

بعد حوالي العقد من الزمن تتراكم المعاناة في سوريا وتختفي فرص الالتفاف حول حل يكون بمثابة المخرج من هذا النفق الضحل المظلم الذي أدى لمأساة حقيقية لن تفارق التاريخ السوري كلما تم الحديث عن الفواجع في القرن الواحد والعشرين.

إحدى العوامل الرئيسة التي أدت إلى هذا التفاقم الكبير للأزمة في سوريا هو تدخل الأيادي الخارجية التي سيّرت مجرى الأمور وحصرتها لما يخدم مصالحها وأجنداتها، لا بل حولت القوى السورية التي خرجت مناديةً بالتغيير في سوريا لمظلة شرعية مارست تحتها أهدافها وسياساتها. وعلى رأسها تركيا التي حولت السوريين لأداة بيدها لتكون خير مثالا على هذه الأيادي المخربة.

هذا التدخل التركي واحتلاله لسوريا ولعبه بالأوراق وصرف الاهتمام عن الحل الوطني في سوريا سعى لتكريس واقع التفرقة والانقسام وتهديد وحدة سوريا وخلق مزاعم واهية من أجل توسيع نفوذ تركيا ومحاولات القضاء على البذور الناشئة للتجربة العلمانية الديمقراطية، ناهيكم عن حجم التغيير الديموغرافي ودعمها لجماعات أصولية ومرتزقة واستخدامهم ضد الشعب السوري، كل هذا لن يستمر بالشكل الذي تراه تركيا، حيث أن هذه التطورات ستفرز نتائج وتداعيات وإن كانت تركيا ترى هذه النتائج لصالحها في سوريا الآن، فإنها لن تكون كما تريدها مستقبلاً وسينجم عن كل هذه الممارسات ما لن يكون لمصلحتها على الإطلاق على وجه الخصوص مع الرؤية التي يتبناها أردوغان ونهجه المدمر للمنطقة.

فتحركات أردوغان وتدخلاته شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وتأجيجه للصراع ومحاولات الاستفزاز هنا وهناك بالتوازي مع سعيه للهيمنة والنفوذ في المنطقة يشبه الوقوف على حافة الهاوية والانزلاق نحو حفرة من النار وهذا يقوي فرص تأزم الوضع الداخلي التركي بسبب الانعكاسات المذكورة ويضيق الخناق على أردوغان ونظامه بحيث تصبح الشعارات التي يتستر تحتها ويتدخل من خلالها في سوريا كتغيير نظام الأسد وإسقاطه إلى واقع يطال أردوغان ونظامه قبل أن يطول نظام الأسد.

ما يقيمه أردوغان اليوم على أنها مكاسب تاريخية له كما يزعم، في الحقيقة هي نتاج صفقات مع أطراف عدة، ليست مستندة إلى رؤية سياسية واضحة ولا إلى إستراتيجية دقيقة. وبالتالي عدم توفر هذه الأساسيات في سياساته لن يجعله بمنأى التأثير الكبير سلباً بكل تأكيد حال تغير المصالح بين تركيا والأطراف التي عقد أردوغان معها سياسة الصفقات. المعطيات الأولية تشير إلى اقتراب هذه التغييرات من خلال وضوح بوادر العزلة على تركيا ونظامها مع تطور المواقف العربية والأوروبية والتي يمكن وصفها بالتاريخية مقارنة مع الفترة التي تلت بداية الألفية الجديدة ومع سيطرة العدالة والتنمية على السلطة.

جعل أردوغان سوريا مركزاً للانطلاق نحو المنطقة وتهديده المستمر للمحيط الإقليمي وتلويحه لأوروبا بورقة اللاجئين السوريين وتحريف القوى التي تسمي نفسها بالمعارضة السورية عن مسارها نحو رأس حربة تستخدمها تركيا في حروبها في المنطقة، هذه المساعي السلبية لأردوغان ستكون بوابة لانهيار نظام حكمه وتراجع لدوره ونفوذه ولن يتذكر أحد من الفترة التي حكم فيها أردوغان تركيا إلا الحروب وزج تركيا ومؤسساتها في صراعات أفقدت تركيا دوراً كان يمكن أن يكون مقبولاً لدى الشعوب في حال توجهها نحو منحى يخدمها وينبذ العنف والإبادة والدمار تحت مسميات الحفاظ على الأمن القومي التركي الذي بات بخطر أكبر بالمقارنة مع حالة اللا تدخل التي كان يمكن لتركيا أن تلتزم بها.

لم تخلف سياسات أردوغان هذه إلا ردود فعل لدى عموم المنطقة والعالم وما محاولاته لصرف نظر الرأي العام التركي في الداخل عن هذه الانعكاسات لسياساته نحو وجهات أخرى إلا دليل على إدراكه لحجم الضائقة وفقدانه للتوازن. حيث لا يوجد أي مبرر منطقي ومعقول لممارساته في سوريا ولا في العراق واليمن والخليج وليبيا وأفريقيا ومؤخراً أذربيجان- أرمينيا وحوض المتوسط وأوروبا عبر اليونان ولاحقاً فرنسا إلا رغبة في التخفيف من تداعيات سياساته على الداخل التركي والتي لن ينجح فيها أردوغان مطولاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق