الرأي

الكافر والمؤمن وفق نظرية أردوغان

لطالما أثارت رواية “ملائكة وشياطين”، للكاتب دان براون التي كتبها في بداية الألفية الثالثة عام 2000، الكثير من الجدال في المجتمعات. هذا الجدال المستمر منذ آلاف السنين وحتى راهننا، لخصه الكاتب في أسلوب درامي شيق محاولًا أن يقول لنا: أنه ما زال الصراع ما بين الخير والشر، الظلم والحرية، الليل والنهار، العلم واللاهوت، مستمرًا وإن كان بأشكال مختلفة. هذه الرواية التي تؤكد أن رجال الكهنوت الدينيين سيحاولن الحفاظ على قوة المعبد وسلطته مهما كان مستوى الصراع مع العلم.

ملائكة وشياطين، عنوان فاقع ومثير استلهمه الكاتب من الواقع الذي يعاش في كل مجتمع وداخل كل انسان، صراع ما بين الخير والشر ويتم تحديد مقياس كل منهما وفق مصالح الشخص بحدِ ذاته. وحتى أنه في الكثير من الأحيان يلعب الانسان الدورين معًا. فحينما تكون مصالحه أولوية نراه يكون من الملائكة، تراه ورعًا ومؤدبًا وخوعًا ومحترمًا وكأن الملائكة تختفي وراءه، وحينما تنتهي المصالح نراه يكون جافًا متكبرًا ولا يعير احترامًا لأحد.

نفس الأمر بالنسبة للأنظمة المتحكمة بالشعوب ترى أن استمرارية سلطانها متواجدة فقط وراء أن تكون المجتمعات مستسلمة لكل ما يصدر عن الزعيم والرئيس الملهم والمفدى للأبد. مفهوم السلطة الأرضية والتي ما هي إلا استمرارية للسلطة الإلهية المتوارية بعمق والتي تحولت من عبادة الله إلى عبادة الملك والخليفة والسلطان ومنه الزعيم والرئيس من الناحية الدينية. وكثير من الزعماء الذين استغلوا هذه الرابطة وراحوا يعلنون عن أنفسهم أنهم خليفة الله على الأرض وكل ما يقولونه ما هو إلا وحي من الله. وبتوظيف الدين والكتب السماوية استطاعوا السيطرة على المجتمعات والشعوب ليحولها إلى مجرد قطيع يسير خلف المرياع الذي يتم تحديده من السلطان. فربما يكون هذا المرياع رجل دين متخلفي وراء عمامة الدين أو رجل سياسة متخفي وراء البدلة القوموية وربطة العنق الأممية.

المثال الفاقع والقبيح الذي نراه أمامنا هو أردوغان الذي عرف كيف يوظف الدين والقوموية الفاشية ليعيث فسادًا وظلمًا وقتلًا في الأرض وبحق الشعوب، وكل ذلك تحت اسم الدين وجاعلًا من رجال الدين وكأنهم مرياع تسير خلفهم القطيع الذي لا يفقه من أمور الدين سوى ذاك الصوت الذي تصدره الأجراس المعلقة في أعناقهم.

بكل تأكيد أن أردوغان عرف كيف يستغل المرتزقة من الجنسيات المختلفة وكذلك الإرهابيين ويزج بهم في معارك ليست لهم فيها ناقة ولا جمل، لكنه برهن أن الشعوب يمكن قيادتها ببعض من المصطلحات الدينية والقوموية البسيطة. برهن أردوغان لنا جميعًا أن الدين ما هو إلا وسيلة للوصول إلى السلطة وأنه باسم الدين يمكن تهجير الشعوب وقتلهم وتحويلهم إلى أناس جيدين وفق نظرته.

الانسان الجيد بالنسبة لأردوغان هو ذاك الانسان المطيع والخنوع والذليل الذي يقبل وينفذ كل ما يقال له من دون تردد وتفكير، وهو المستعد دائمًا بأن يضحي بذاته من أجل أن يكون السلطان راضٍ عنه. بعكس الانسان الذي يدرك حقيقة هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم علينا خلافاء وسلاطين ومنافقين، فهذا الانسان بنظر أردوغان هو السيء والكافر والعميل ويجب التخلص منه بأي طريقة كانت. وما مرتزقة أردوغان الذين هجَّروا أهل المدن التي احتلوها، ما هم إلا زبانية جهنم يطبقون ما يؤمرون به من أردوغان. فأردوغان الذي نصَّب نفسه وكيلًا للرب على الأرض راح يوزع صكوك القتل والتهجير والاغتصاب والسرقة على كل مرتزق أرسلهم إما لاحتلال عفرين وسري كانية/ رأس العين وغيرها من المدن في الشمال السوري كذلك في ليبيا واليمن وأرمينيا.

فبحسب وجهة نظر أردوغان هناك العربي والكردي والأرمني السيء والكافر والشيطان لكل من يرفض السجود له ويكون من القطيع، وبنفس الوقت هناك العربي والكردي والأرمني الجيد والمؤمن والملائكة وهؤلاء هم من سجدوا لأردوغان وراحوا يكبرون باسمه من أجل احتلال المدن وفتحها وتنظيفها من الكفرة. وربما تكون جماعة الاخوان المسلمين والإرهابيين والمرتزقة من كل الفصائل التي هم من الناس الطيبون والخنوعين والعبيد والملائكة الذين يكبرون باسم أردوغان صبحًا وعشيا.

فلنكن نحن أصحاب التمرد الذين يدركون أن أردوغان ما هو إلا حالة وظيفية بيد القوى المهيمنة العالمية وأنه ليس سوى دمية سيتم التخلص منها حين انتفاء الحاجة له ولكل مرتزقته وزبانيته الإرهابيين، فلنكن شياطين بعين أردوغان أفضل من أن نكون ملائكة من القطيع الذي ينساق خلف رجال الدين الذين تحولوا إلى مرياع عند سلطانهم من أجل مال أو جاه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق