شؤون ثقافية

إيحاء

إيحاء
يتفوَّه بجملٍ قصيرةٍ جدًّا لا تتعدَّى طول إصبعه الصغرى، يصمت ثم يبدأ من جديد كمريضٍ يعاني من قصورٍ كلويٍّ، وأنا أستمع لمواجزه في إيصال الشائعة على دفعاتٍ.
لأفهم ما يريد كان علي أن أربط بين الجمل كما ربطت اليوم سيارتي بشاحنة جاري كي يقلَّني إلى دكان الميكانيكي لإصلاحها.
لكن لسوء حظه لم أعثر على الحبل هذه المرة، ربما أكون قد نسيته عنده في آخر عملية إصلاح تمت على عجل.
بدأ يقذفني بوابل من تأتآت غريبة عجيبة، جعلتني أنتزع ربطة عنقي الفاخرة التي أهدتني إياها حبيبتي السابقة؛ لأحكم ترتيب مفرداته في سياق صحيح، وأنقلها إلى رجل الأمن الذي اقتحم جلستنا دون سابق إنذار.
لم أشعر إلا بفوهة بندقيته باردة تلمس أسفل رقبتي وبالتحديد مكان آخر قبلة نقشتها صديقتي مودِّعةً إياي بذريعة كرهها لهذه الرقبة المستباحة لرجال الأمن.
قلت لها يومها إنني مستعد لقطعها لإعاقة تلك البنادق التي
لا يحلو لها المقام إلا فوق قبلتها.
المهم في الأمر أن الماركة العالمية لربطة العنق تلك، لم تنجح في تصحيح مفردات صديقي المسكين، وحدها البندقية جعلته يسترسل في حديثه، ويجيب على كل سؤال طرحه عليه، وأكثر من ذلك.. استطاع أن يقنع عملاق البندقية؛ فتركه وهو راضٍ تمامًا عنه، حتى أنه دعاه إلى سهرة سيقيمها احتفالا بعيد ميلاده.
بقيت وحدي أتلمس بقايا قبلتكِ الممزوجة بتلك البرودة القاتلة من سلاح أطلق لسان صديقي وأخرس لساني؛ فبدأت أرشق الكلام في ردودي.. تأتآت لا معنى لها ولا تصلح لتكوين جملة واحدة.
لم أر سوى قبلتكِ تسقط متناثرةً عليَّ كوخز الإبر، والبرودة تحتل جسدي وإصبعه الضخمة تضغط على الزناد.
23/11/2015
ريتا الحكيم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق