شؤون ثقافية

من متتالية المجاز

عالية

من متتالية المجاز
عالية
كنت لا أعلم لم كلما مررت بجوارها وهي جالسة متكورة بجوار الفرن البراني أو بجوار الكانون منتظرة نضوج الطعام – رأيتها دامعة العينين. كنت ألعب بجوارها وأحدث نفسي أن هذه الدموع التي في عينيها لابد أنها من دخان حطب الكانون، حيث لا تنقطع الأدخنة في البيت طوال اليوم، ترص الأوعية والقدور وتجلس زوجة عمي رشوان أمام الكوانين الأربعة الملاصقة للفرن البراني لتدس أعواد الحطب والقش لتشعله. وكانت عندما يفيض بها الكيل من شقاوتنا حولها تزعق بالصوت وتردد جملتها الشهيرة والتي اعتدناها منها (يا لهوك يا عالية) وعندما يريد عيال أعمامي أن يغضبوها يرددون وراءها، كنت أمشي وراءها مندهشاً بخطواتها وهي واضعة اللمبة الشعلة (أم شريط) على رأسها دون أن تمسكها. تنحني بها وتجلس وتقوم وهي على رأسها. تحلب البهائم وتربت على ظهر البقرة نعمة التي تحبها وترص المتارد على أرفف (الصُفة) وتبيت الفراخ وتكنس الدار وتهف السقف. ولا تتذكرها وهي على رأسها إلا بعد ما تجلس لتستريح أو يشير أحدنا لها. كنت لا أعلم أن دموعها التي تتساقط وكأنها شلال ينهمر مياهه من عل ولا يرى أحد منبعه وذلك من شخط عمي رشوان المتجهم دائماً والذي يركب بغلته العالية ماسكاً بخيرزانة سميكة لافحاً على كتفه شالاً أبيض، مرتدياً جلباباً مفتوح الصدر واسعاً فضفاضاً. يدخل ببغلته بعد مجيئه من الغيط ولا يهبط من فوقها إلا أمام قاعته في آخر الدهليز. ينزل وعالية زوجته بجسدها القصير الهزيل عندما تراه داخلاً عليها تهم واقفة من جلستها مسرعة إليه ممسكة بلجام البغلة يهبط وتسحبها إلى (المزود) لتأكل وعندما ينتبه أنها قد نسيت أن تسقيها من حوض الطرمبة يزمجر ويوكزها بخيرزانته وأحياناً يوبخها ويحملق فيها بغضب. يجلس وتهرول واضعة الطبلية ليأكل. تتكفى لتلحق قبل أن يثور ويلعن اليوم الذي أجبره جدي ليتزوجها، فيزعق لها ويقول، (لو البقرة متنساش) ألا يكفيها أنه رضي بزواجها وليس لها أهل. حتى أمها كانت مداحة تلف في القرى والعزب بدف وهي تمشي وراءها ماسكة بذيل جلبابها، لقد حفيت رجلاها حتى حطت على دارنا لتنال عطف جدي. تركتها أمها وواصلت جولاتها، تركتها وأوصت جدي قبل أن تموت. ولم يجد بداً من أن يزوج عالية له، يشخط فترتبك وتجري هنا وهناك وبدلاً من أن تأتي بالقلة ليشرب تأتي بالتلفيحة، تظل واقفة حتى يمتطي بغلته وتسحبها من سلبتها ليخرج. يركب ويهتز جسده الطويل ذو الصدر العريض والرأس الكبير. يلف على رأسه تلفيحة قماش مزركشة، يقبض على خيرزانته من المنتصف ماداً ذراعه وكأنه يحمل سيفاً ليبارز به من سيقابله. أراه بعينيه الضيقتين المدفونتين في محجريهما وجبهته العريضة العابسة دوماً، وأنفه الحاد، وفمه الواسع وشاربه الكث ورقبته الطويلة وكتفيه العريضين. كنا عندما نراه خارجاً أو داخلاً نجري من أمامه خوفاً من خيرزانته أو من زعيقه. كنا نتحين الفرصة التي يخرج فيها إلى الغيط كي نلعب على المصطبة الواسعة الملاصقة للباب الكبير. أو نصعد لنتزحلق على دربزين السلم، وكانت هي أيضاً تتحين الفرصة التي يخرج فيها لتصعد فوق السطح تجلس أمام المقاعد المطلة على المجاز في دفء الشمس لتصنع طيارات ورقية وصواريخ لتطيرها في الهواء ومراكب لتضعها في حوض الطرمبة الواسع لتعوم ومراوح من أغلفة الكراسات وريش أجنحة الأوز، وكانت تجلس مستندة بجوار صوامع القمح لترفل وتغزل وتقص حتى تستدير شمس الشتاء، أو لتلبي نداء جدتي لتشعل نار الفرن، لقد حفظت كل الأغاني التي ترددها فتغني لي (يا محمد يا بو جبين) أو موال (يا طير يا طاير) تغني ونلتف حولها. كانت تطلق على البهائم أسماءً وألقاباً وأغلبها ولدوا وتربوا على يدها، وكم من مرة شاهدتها تربت على البقرة نعمة وتقبلها، فلا ترضخ البهائم للحلب إلا لها. وإذا لم تضع لها العليق في الليل لا يكفون عن النعير حتى يروها. فلم أنس هذا اليوم الذي رفع فيه عمي رشوان عصاه ليضربها أمام جدي وأحد التجار الذي جاء ليشتري البقرة. فكت سلبتها من المذود ودموعها تغرق وجهها. كانت تتمهل في سحبها ربما يتراجعون في بيعها، ولم تخرج إلا بعد ما زعق عمي رشوان. وعندما أمسك أبو خيشة التاجر بسلبتها وتحسسها وجس ضرتها ووافقوا على ثمنها – جرت نازعة السلبة من يده حالفة بالنبي محمد أنه لن يأخذها وقالت أنها هي التي شدت رأسها من بطن أمها، وهي التي راعتها وربتها ولا من حق أحد أن يأخذها. قالت ذلك وهي تنحب وتتوسل لجدي بأن يتركها وإذا أخذها هذا الرجل سوف تهج وتترك الدار. كان عمي رشوان كاظماً غيظه وذلك احتراماً لحضور جدي ولكن عندما جلست على الأرض أمام البقرة فاتحة ذراعيها قائلة (حد الله) لا تخرجوها. في هذه اللحظة رفع عمي رشوان عصاه ليضربها؛ نهرها وشدها من جلبابها إلى الداخل وبعد ما انفض البيع ومشى التاجر بالبقرة. وجدتها جالسة أمام مذودها والذي كان ما زال مملوءاً بالتبن. تبكي وتمسح دموعها بطرف طرحتها.
 
محمد عكاشة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق