شؤون ثقافية

السوبر أدب أو ما فوق الأدب !

السوبر أدب أو ما فوق الأدب !
جودت هوشيار
ذكرت وكالة الانباء البيلاروسية ان الكاتبة سفيتلانا اليكسييفيتش دفعت 197 ألف يورو كضرائب عن ايرادات جوائزها وارباح كتبها ، التي تنشر بشتى لغات العالم بملايين النسخ . وهي ابرز واعمق كاتبة في التيار الأدبي الذي أخذ يغزو آداب العالم والمعروف بالادب غير الخيالي . ولا يقصد بهذا المصطلح الأستقصاء الصحفي أو الرواية التسجيلية كما يخيل للبعض من النقّاد في بلادنا الذين يصعب عليهم التخلص من قناعاتهم الأدبية الراسخة التي عفا عليها الزمن . الأدب يتطور بتطور الحياة أبداً . وتظهر اجناس ادبية جديدة من رحم الأدب الكلاسيكي .
وللرواية غير الخيالية حذور عميقة في الأدب العالمي ، وخاصة في الآداب الأميركية والروسية والبيلاروسية ( رواية ” بدم بارد ” لترومان كابوتي ، و” نشيد الجلاد ” لنورمان ميلر” و ” أنا من القرية المحروقة ” لاليس اداموفيتش” وغيرها كثير . وقد اطلق اداموفيتش على هذا النوع من الرواية اسم ” السوبر أدب ” أو ” ما فوق الأدب ” ) .
وتتسم روايات اليكسيفيتش بمستوى فني رفيع ، يظل حلما لأولئك الأدباء والنقّاد المتزمتين ، المعزولين عن المشهد الأدبي العالمي .. فهي روايات بوليفونية جديدة ، يزيل فيها الراوي نفسه ، ويفسح المجال لجوقة جبارة من الأصوات البشرية أن تبوح ، بما لا يمكن البوح به لأي انسان آخر ، إلا لصديق حميم أو على كرسي الاعتراف . ودور الكاتب هنا ليس التسجيل أو التقرير ، كما يزعم البعض ، بل إعادة خلق فنى لمادة حياتية ثرية ، تعبر عن مأساة الوجود الانساني ومعنى الحياة . ويبقى السؤال : اليس كل أدب له صلة بالواقع . اليست التجربة الحياتية هي المنيع والمصدر لكل اعمال الكتّاب الكبار الكلاسيكيين والمعاصرين ؟. معظم روايات تولستوي ودوستويفسكي لها صلة بتجربتهما الحياتية او الشخصية . ليس بوسع أي كاتب أن ينفصل عن الواقع ، حتى لو عزل نفسه في غرفة صماء لابخترقها الصوت. ولو عاش مثل هذا الكاتب في جزيرة مقفرة ومعزولة عن العالم ، لما كان بوسعه أن يتخيل شيئا له قيمة .
روايات اليكسييفيتش – بعد خمس سنوات من حصولها المستحق على جائزة نوبل عام 2015 – ما زالت تتصدر مبيعات الكتب وتحظى باهتمام كبار النقاد في العالم الغربي. وهؤلاء في العادة لا يهتمون ، الا بما هو أصيل وجديد وقيّم .
وبالعودة الى خبر مقدار الضرائب التي دفعتها الكاتبة البيلاروسية ، أتساءل بيني وبين نفسي : هل هناك كاتب واحد في بلادنا ، يمكن لمدخولات مبيعات كتبه أن توفر له ولعائلته حياة كريمة ، دون الاعتماد على مورد عيش آخر ؟ .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق