مقالات

أردوغان يدغدغ مشاعر المسلمين لغايات سياسية ضد الرئيس الفرنسي

أنا مسلم، وأعرف من القرآن ما تيسر، ولدي المام بالاحاديث الصحيحة منها والضعيفة، ودرست بما فيه الكفاية عن المذاهب الاسلامية وتعدد توجهاتها ومصادر خلافاتها. وتخصصت على يد أكبر علماء دمشق ومنهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي لعقد كامل، ودرست الفقه الاصول والتفسير والعقيدة. وكنت دائماً أركز على الجانب العقلاني في قراءة الاسلام، وخاصة التفسير، وعندما يقول القرآن شيء فلا يمكن للحديث أن يخالفه، لأن القرآن هو الاصل. وخلال دراستي في المعهد الإسلامي بدمشق بحثت كثيرا حول السيرة النبوية، سواءً ما تضمنه سيرة أبن هشام عن حياة الرسول، أو الكتب الأخرى الكثيرة، فلم أجد إن النبي قام بمحاسبة من أساء إليه، حتى إنه كان يزور ويبتسم مع من أساء إليه، لأنه بذلك كان يدفع خصومه إلى الاستيحاء، والكثير منهم أعلن إسلامه لسماحة النبي وسلوكياته الشخصية مع العوام.
لقد كانت شخصية النبي محمد (ص) مميزة بكل المعايير، وحتى في حادثة فتح مكة حينما دخلها المسلمون بعد سنوات من منعهم، وبجيش عرمرم، تخيل البعض إن النبي سيصدر قرار القضاء على من حابوا ضده، المخالفين معه، وإنه سوف يؤمر بقتل الجميع. وكان المسلمين آنذاك أقوياء بما فيها الكفاية، إلا أن المفاجئة كانت كبيرة، أول ما دخل النبي (ص) بجيشه إلى مكة قال جملته الشهيرة: أذهبوا فأنتم طلقاء. أي أحرار. وكان أشد خصومه أبو سفيان وزوجته، فقال النبي (ص) من دخل بيت أبو سفيان فهو آمن.
لم أجد في السيرة النبوية إنه قام بتعذيب أو محاربة من أساء إليه، والقرآن يؤكد على هذه الناحية، وحول سماحة النبي يقول الله سبحانه: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ). وسنجد من خلال هذا الحديث الصحيح انسانية النبي محمد (ص): “لهدم الكعبة حجرًا حجرًا، أهون من قتل المسلم”.
مراجعاتي في القرآن الكريم من خلال التفسير القديم أو المستحدث، بجوانبيه العقلاني والإيماني لم أجد فيه ما يدفع إلى محاسبة من يسيء إلى النبي. لأن عظمة النبي والاسلام كدين حنيف تجاوز من يسيء إليه، والتاريخ يشهد على هذه النقطة، إذ أن الالاف من المسلمين انفسهم ظهرو وهم يحاربون ضد هذا الدين ولم يؤثروا على انتشاره أو تطوره.
ويمكن مشاهدة طبيعة الخطاب العقلاني الذي كان النبي (ص) يتمتع به: (انطلقوا باسم الله وعلى بركة رسوله لا تقتلوا شيخًا ولا طفلاً ولا صغيرًا ولا امرأة ولا تغلوا “أي لا تخونوا”، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، كما نهى صلى الله عليه وسلم عن المثله أي التمثيل بالجثث فقال: (إياكم والمثله ولو بالكلب العقور)، وقال أيضًا: (لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا، ولا تقتلوا أصحاب الصوامع).
بناء على هذه المفاهيم الإسلامية والقرآنية نستنتج إن الكثير حول ما آلت اليه حال المسلمين، والتشرذم الذي ينخر في شرائح واسعة اليوم وهم يعتقدون بحميتهم الجاهلية يحمون الاسلام، ولكنهم في الواقع يسيؤون اليه اكثر، ويزيدون الوزر على اخر لينطبق فيهم قول الله ( ولاتزر وازرة وزرة أخرى) .
إن الحملة التي يقودها النظام التركي اليوم ومن يتبعه من أصحاب الحمية الجاهلية ضد فرنسا، إنما الغرض منه سياسي بحت، والطرف الذي سوف يتأذى منه هم المسلمين في الدول الغربية، واليمين المتطرف في أوروبا سوف يستثمر ذلك لأغراض الاستحواذ على الشارع الأوربي، وهذا يعني سوف يتصاعد هذا اليمين ليكون له الكلمة العظمى في الشارع الأوروبي، مقابل تراجع اليسار والمعتدلين.
إن خطاب الرئيس التركي لتأليب الرأي العام داخل الشارع الإسلامي واستغلاله للعواطف ودفعه الى معاداة فرنسا له علاقة مباشرة بخلافات تركيا السياسية والمصلحية مع فرنسا التي تقفت اليوم أمام التوسع التركي في المنطقة العربية، فرنسا تمنع نظام اردوغان من التمدد داخل ليبيا وتقسيمها وضرب الشعب العربي المسلم ببعضه، فرنسا وقفت امام النظام التركي كي لا يحتل اجزاء اخرى من سوريا.
تركيا التي دعمت الداعش والقاعدة في سوريا والعراق وارتكبت بدورها المجازر بحق المسلمين السنة، تدخلت فرنسا لمساعدة السوريين والعراقيين في انقاذهم من ارهاب الداعش.
لم يرتكب الرئيس الفرنسي المجازر بحق المسلمين بعد جلاء آخر جندي فرنسي من البلدان العربية قبل عقود، بينما يرتكب النظام التركي بشكل يومي مجازر بحق المسلمين السوريين والعراقيين والليبيين.
لذا يتطلب من جميع المسلمين احزاب وجمعيات ومنظمات والعوائل والافراد التيقظ لمخططات النظام التركي في استخدام المسلمين ضد فرنسا لمآرب سياسية ومكاسب خاصة.
تركيا اليوم أكبر متعامل مع اسرائيل، وأول دولة اعترفت باسرائيل وأكبر مصدر تجاري مع اسرائيل هي تركيا، وكل تحركات تركيا اليوم على حساب الشعب العربي، لقد دمر النظام التركي شمال سوريا، وليبيا، ويحاول زعزعة امن واستقرار الخليج العربي والعراق من خلال دويلة قطر وحركة أخوان المسلمين، لذا على الشعب العربي المسلم، وجميع المسلمين حول العالم وفي أوروبا الحذر من المخططات الخبيثة التي تهدد الامن والسلم العالميين.
فالاسلام دين عظيم ولا تجعلوه يتلوث بمثل هذه المخططات المفتعلة.

إبراهيم كابان : كاتب وناشط سياسي كردي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق