الرأي

أزمتنا؛ إننا نريد أن نبقى في الماضي

بير رستم

كتب موقع (الزمان التركية) تقريراً تحت عنوان “هل تتخلى قرينة أردوغان عن حقيبتها الفرنسية استجابة لحملة المقاطعة؟” وذلك حول مطالبة أردوغان بمقاطعة البضائع الفرنسية وقد جاء فيه؛ ((بعدما نشر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صورا لقرينة أردوغان تحمل حقائب يد فرنسية ثمينة في أكثر من مناسبة، تساءل الصحفيان بموقع TR24، بولنت كوروجو ولافند كناز، عن ما إن كانت قرينة الرئيس أمينة أردوغان ستنصاع لحملة مقاطعة المنتجات الفرنسية التي دعا لها الرئيس وتتخلى عن حقيبتها من ماركة هيرميس الفرنسية التي يبلغ ثمنها 50 ألف دولار. وعلى الصعيد الآخر نشر كاتب موقع خبرترك، فاتح عطايلي، قال فيه: “سيتعين على زوجات المقاولين المقربين لأردوغان ترك حقائبهن من ماركات هيرميس وشانيل وديور داخل الخزانة لبعض الوقت”. (و) أضاف عطايلي متهكما: “أتمنى أن لا تتضرر العلاقات مع ألمانيا، لأننا لن نتمكن من تغيير العشرات من سيارات المؤسسات الحكومية ولا يظهر في الأفق سيارة قادرة على استبدال السيارات الألمانية. وخصوصا لو فاز بايدن بالانتخابات الرئاسية الأمريكية فلن يصبح بالإمكان حتى شراء سيارة كاديلاك”)). طبعاً ما جاء على لسان النشطاء والصحفيين -الأتراك أنفسهم- يكشف عن حجم نفاق تركيا في قضية المقاطعة حيث الكل متأكد بأنها غير قادرة على تنفيذ تلك المقاطعة حتى على مستوى شخصيات قيادية.

ثم ماذا لو لجأت فرنسا فعلاً إلى التعامل بالمثل؛ أي مقاطعة البضائع التركية -وذاك من حقها حيث تركيا هي من بادرت لمقاطعة بضائعها ولو كنوع من الدعاية الإعلامية والبروباغندا بغاية “تجحيش” وتجييش المزيد من المتأردغين- فحينها ماذا سيكون مصير الاقتصاد التركي وليرتها المنهارة أساساً نتيجة سياسات تركيا الحمقاء والمعادية للكثير من دول الجوار -وحتى البعيدة عنها- وقد كتب الموقع بخصوص انعكاسات المقاطعة على البلدين في مقال آخر قائلاً؛ “تشير البيانات الاقتصادية إلى أن حملة مقاطعة البضائع الفرنسية التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ستضر تركيا اقتصاديًا أكثر من فرنسا”، كون صادرات تركيا لفرنسا أكثر من ورادتها منها، كما إن من جهته فإن (رئيس حزب الديمقراطية والتقدم علي باباجان، وصف إطلاق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حملة لمقاطعة المنتجات الفرنسية، بانها بـ”أمور طفولية”. وأوضح باباجان أن الحملة سيتم نسيانها بعد أيام قليلة، قائلًا: “سينسى الأمر بعد 48 ساعة. إنهم يفعلون هذه الأمور كلما زاد موقفهم الداخلي سوءًا. في العولمة أي منتج لا يكون ملكًا لدولة واحدة. هناك منتجات ذات علامة تجارية فرنسية ولكن تنتج داخل تركيا. هل سنقاطع هذه المنتجات؟ مواطنونا هم من يعملون هناك. هذه أمور طفولية”).

للأسف شعوبنا لم تتعلم من تجربتها المريرة لمدة نصف قرن من الاحتلال العثماني وتفقيرها لنا لنأتي ونقع مجدداً فريسة سهلة للإسلام السياسي ومتاجرتها بقضايا الشعوب وحقوقهم وتصديقهم؛ بأن أردوغان بمقدوره أن يقود العالم الإسلامي في مواجهة كل العالم وينصب نفسه خليفة جديدة للمسلمين.. إن كارثة الإسلام وأزمتها الحقيقية تكمن في عدم خروجهم من الماضي والتمسك ب”زمن الرسالة والوحي”، بل محاولة العودة إليه مجتمعياً سياسياً وأخلاقياً قانونياً، أي بعكس قانون الطبيعة والحياة حيث التاريخ يأتي من الماضي للحاضر، بينما الإسلام السياسي يريد بنا العودة من الحاضر للماضي، فهل رأيتم أين تكمن أزمة مجتمعاتنا التي تعاني من مشاريع الإسلام السياسي بمختلف تياراتهم وأخطرهم الإخوان المسلمين، كون الفصائل الجهادية التكفيرية من داعش وغيرها تتم محاربتها، بينما وللأسف فإن جماعة الإخوان المسلمين تجد حواضنها في عدد من الدول الإسلامية وعلى رأسهم قطر وتركيا، بل حتى إنها وللأسف تتواجد بفاعلية في عدد من الدول الأوربية مثل بريطانيا ولذلك وإن كانت مجتمعاتنا تريد التخلص من أزماتها، فعلينا تصحيح مسار السير التاريخي لنا وإلا سنبقى رهينة الفكر الظلامي القروسطي وننتج المزيد من الإرهابيين وأصحاب المفخخات وتكفير الآخر لأقل سبب حيث العمل وفق قوانين وأخلاقيات الماضي يعني -ومن الأخير- أن نصبح جميعاً داعشيين!

إن أزمتنا -أي أزمة الإسلام السياسي- إنها تريد أن تبقى في الماضي وتجر المجتمعات إليها وذلك بعكس قوانين الفيزياء الكونية، مما يجعلنا نبدو في عيون الآخرين -وواقعاً- إننا ما زلنا نعيش في كهوفنا ولم نخرج منها بعد وللأسف وبالتالي الخوف من همجيتنا ووحشيتنا القرووسطية والجماعات الإسلامية التكفيرية هي النمطية السائدة عما يريدونها لمجتمعاتنا وقد حان من يدق الجرس ليقول؛ على المسلمين العودة للجامع وترك السياسة والمواطنة لأحزاب مدنية ديمقراطية تجد بأن الدين لك نفسك، بينما الوطن للجميع؛ أي لا علاقة لحرية معتقدك مع الحياة المدنية وقضايا المواطنة والتعايش ضمن جغرافيا سياسية قد تضم مكونات تختلف في قضايا الدين والعرق والمذهب والرأي السياسي حيث دون ذلك سوف يتحول هذه المجتمعات إلى أوكار إرهابية وليس دول وطنية وذاك ما نجده في كل بقعة جغرافية يسيطر عليها الإسلام السياسي.. بإختصار شديد جداً؛ لست ضد أي معتقد ديني أو غير ديني، لكنني ضد أن تكفر الآخر وفق معتقدك ومن ثم تحلل نحره فقط لاختلافكم في المعتقد، ف”لكم دينكم” ولنا الوطن وحرية المعتقد والفكر والرأي ودون ذلك يعني إنك تريد أن تصادر حرياتنا وحقوقنا في العيش وذاك ما لا يسمح لك به، فهل سيخرج بعض الأئمة المتنورين ليعيدو التواز لمجتمعاتنا.. ذاك ما هو مطلوب من الإسلام الرسمي وجامعاتها وجوامعها ومراكزها الدينية الرسمية وإلا فإنكم جميعاً مسؤولين عن هذه الأزمة التي تعاني منها “مجتمععاتنا الإسلامية”.

بير رستم : كاتب وباحث كردي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق