شؤون ثقافية

متى يخرجٌ الببغاء إلى الهواء؟ دفاتر مسافر – نورالدين الغطاس

عُيُون في الحَاضِرَة | كُورْتْ تُوخُولْسْكِى | ألمانيا

متى يخرجٌ الببغاء إلى الهواء؟ دفاتر مسافر – نورالدين الغطاس
عُيُون في الحَاضِرَة | كُورْتْ تُوخُولْسْكِى | ألمانيا
Augen in der Großstadt I Kurt Tucholsky I Deutschland
ترجمة من الألمانية إلى العربية: نورالدين الغطاس
توطئة:
دائماً عندما أتواجدُ بالمطارات الدولية أو بمحطات القطار بالمدن الكبرى أتذكر “عُيُون في الحَاضِرَة” لِ كُورْتْ تُوخُولْسْكِى. الحَاضِرَة، تلك المدينة الكبيرة، كُلَّمَا كَبُرَتْ، زادتْ حركتُها وضوضاءُها، كُلَّمَا ابتعدوا الناس عن بعضهم البعض، العيش وسط الملايين، لكن في عزلة. لا يبقى للإنسان سوى الاندماج في هذا التيار الرمادي للحشود البشرية، لونُها لونُ الإسمنت الأَمْلَس، لا تتكلمُ، لا تشتهي التعارف، فقط تلك اللمحات القصيرة للعيون تكسِّرُ كل ما هو روتيني في زحمة النفوس المتسارعة، الهاربة، إلى أين؟ وسرعان ما تعود إلى عزلتها في اللحظة القادمة.
دائما السؤال: ماذَا كَانَ هَذَا؟ في البداية، كما في القصيدة، يكونُ الأملُ، يتحوَّلُ مع الوقت إلى حَظّ في الحياة، ثم يختفي بلا عودة. لا يبقى أخيراً سوى بصيص الشيء القليل من الإنسانية الكبيرة. هذه في نظري دورة الحياة الحزينة كما صوَّرها كُورْتْ تُوخُولْسْكِى في قصيدته.
عُرِفَ كُورْتْ تُوخُولْسْكِى بملاحظاته الثاقبة، والنثر الذي بين أيدينا “عيُون في الحَاضِرَة” عيّنة جميلة لِتأمل ضوضاء العالم في الصباح وأنتَ في طريقكَ إلى العمل. لم تكن الترجمة سهلة، خصوصا الصور التي استعملها الشاعر، هناك قافية لغوية لا يمكن ترجمتها بدون خدش. الوقت الكثير، التأمل والمراجعة كانوا أصحابي في هذه العملية. ربما قد أقولُ أن الترجمة، بالخصوص هنا، “عمل مُوازي”، وكما يُسمي الألمان الترجمة “النقل إلى الضفة الأخرى”*، لكن بنفس الروح، والوفاء الممكن للأصل./ نورالدين الغطاس
*******
عُيُون في الحَاضِرَة | كُورْتْ تُوخُولْسْكِى | ألمانيا
ترجمة من الألمانية إلى العربية: نورالدين الغطاس
عندمَا تخرجُ للعَمل في الصَّباح الباكِر،
عندمَا تقفُ بمحطة القطار، بمخاوفكَ:
تُظْهِرُ لكَ المدينة،
كالإِسْمَنْت الأَمْلَس،
عبر قِمْع إيناءٍ بَشَرِيٍّ،
ملايين الوُجوه:
عَيْنَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ،
طَرْفَةُ عين،
الحَوَاجِبُ، سوادُ الأعين، جُفُون؛
ماذَا كانَ هذَا؟ رُبَّمَا حَظّ حياتكَ…
وَلَّى، مَضَى، بِلاَ عَوْدة.
تَمْشِي طُولَ حَيَاتِكَ
على آلافِ الشَّوَارِعِ؛
في طريقكَ،
تَرَى الذين نَسُوا من أنتَ.
عَيْن تُلَوِّحُ،
الرُّوحُ تُدبدبُ؛
تَعْثُرُ على شيء،
ولو للحظات…
عَيْنَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ،
طَرْفَةُ عين،
الحَوَاجِبُ، سوادُ الأعين، جُفُون؛
ماذَا كانَ هذَا؟ لا أحد يُرْجِعُ الوقت…
وَلَّى، مَضَى، بِلاَ عَوْدة.
في طريقكَ،
تَتَجَوَّلُ بالمُدُنِ؛
تَرَى في نَبْضَة
الغريبُ، الآخرُ.
قَدْ يكونُ عدواً،
قَدْ يكونُ صديقاً.
قَدْ يكونُ في الكفاح رفيقُكَ.
يلوِّحُ لكَ،
ويَخْتَفِي…
عَيْنَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ،
طَرْفَةُ عين،
الحَوَاجِبُ، سوادُ الأعين، جُفُون؛
ماذَا كانَ هذَا؟
من الإنسانية الكبيرة، شَيْء قليل!
وَلَّى، مَضَى، بِلاَ عَوْدة.
*******
Augen in der Großstadt I Kurt Tucholsky I Deutschland
Wenn du zur Arbeit gehst
am frühen Morgen,
wenn du am Bahnhof stehst
mit deinen Sorgen:
da zeigt die Stadt
dir asphaltglatt
im Menschentrichter
Millionen Gesichter:
Zwei fremde Augen, ein kurzer Blick,
die Braue, Pupillen, die Lider –
Was war das? vielleicht dein Lebensglück…
vorbei, verweht, nie wieder.
Du gehst dein Leben lang
auf tausend Straßen;
du siehst auf deinem Gang,
die dich vergaßen.
Ein Auge winkt,
die Seele klingt;
du hasts gefunden,
nur für Sekunden…
Zwei fremde Augen, ein kurzer Blick,
die Braue, Pupillen, die Lider;
Was war das? kein Mensch dreht die Zeit zurück…
Vorbei, verweht, nie wieder.
Du mußt auf deinem Gang
durch Städte wandern;
siehst einen Pulsschlag lang
den fremden Andern.
Es kann ein Feind sein,
es kann ein Freund sein,
es kann im Kampfe dein
Genosse sein.
Es sieht hinüber
und zieht vorüber…
Zwei fremde Augen, ein kurzer Blick,
die Braue, Pupillen, die Lider.
Was war das?
Von der großen Menschheit ein Stück!
Vorbei, verweht, nie wieder.
*******
كُورْتْ تُوخُولْسْكِى (١٨٩٠-١٩٣٥)
Kurt Tucholsky (1890-1935)
وُلد كُورْتْ تُوخُولْسْكِى في التاسع من يناير سنة ١٨٩٠م، بمدينة برلين الألمانية، درس القانون، نشر أولى نصوصه سنة ١٩١١، يعتبرُ متعدد الاهتمامات، إلى جانب الكتابة، الشعر، المسرح، النقد، المقالة الصحفية، كان كذلك مهتم بالمجال السياسي، تنبأ باليمين المتطرف مبكراً بألمانيا، وعارض بحدة النازية، كان كذلك من المعارضين لحكم الإعدام والحرب بصفة خاصة. كتبَ بأسماء مستعارة بالصحافة حتى يمكنُه النشر بنفس الجريدة “خشبة المسرح” وبنفس العدد في مواضيع مختلفة. بعد الحرب العالمية الأولى تم تغيير اسم الجريدة إلى “خشبة العالم” التي تولّى مديريتُها بعد وفاة ناشرها سنة ١٩٢٦م. استمر وفيّا لأفكاره ومبادئه، نشر لكبار الصحافيين الألمان آنذاك مثل إِيرِشْ كِسْتْنِر Erich Kästner، ويُوآخِمْ غِنْجِلُنَاتْسْ Joachim Ringelnatz، وغيرهم. حاولت النازية مراراً اسكات صوته، لكن بدون نتيجة. بالفعل كان همُّه كما كتبَ يوما “بآلة الكتابة أريدُ محاربة الغباء، الحرب والنازيون”*.
هاجر سنة ١٩٢٩ إلى السويد، من هناك واصل الكتابة. آخر مقالاته نشرها على “خشبة العالم” في الثامن من نوفمبر سنة ١٩٣٢م، سنة بعد ذلك قاموا النازيون بمصادرة الجريدة، حرقوا كتبه وسحبوا جنسيته الألمانية. رسائله إلى أصدقاءه نُشرت بعد وفاته وتعتبرُ مواد أدبية رفيعة.
في ليلة الواحد والعشرون ديسمبر سنة ١٩٣٥م توفي كُورْتْ تُوخُولْسْكِى من جراء جرعة زائدة من الأدوية، السبب يبقى غامض، هل هي عملية انتحار أو مبالغة غير مقصودة؟
شاهدة قبره كتبها سنة ١٩٢٣م وهو مازال على قيد الحياة “هُنا ينامُ قلب من ذهب، ولسان من حديد، ليلة سعيدة-!”*/ نورالدين الغطاس
*******
*ترجمة من الألمانية إلى العربية: نورالدين الغطاس

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق